• عدد المراجعات :
  • 3998
  • 2/4/2014
  • تاريخ :

الاتجاهات الحديثة في تقسير القرآن - التفسير الأدبي

قرآن کريم

ظلّت البلاغة القديمة تتناول النص القرآني تناولاً جزئياً ، يهتمّ بالخصائص الدلالية والجمالية للكلمة والجملة والفقرة ، من دون أنْ يتعدّى ذلك لتحليل الخصائص المفهومية والفنية للنص بتمامه ، من خلال تشخيص النسيج العضوي الذي تنتظم في سياقه الفقرات بمجموعها ، فتشكّل وحدة موضوعية ، تشي بدلالات إضافية لا يحكيها التناول الجزئي للنص ، مضافاً إلى أنّ محاولة استجلاء الصورة الفنية للنص بملاحظة جُمَله وفقراته كوحدات مستقلّة غير مترابطة ، سوف لنْ يۆدّي إلى خفاء تلك الصورة فحسب ، وإنّما يعكس لنا دلالات مبعثرة وصوراً مشتّتة ، بمثابة ما يرتسم من صور في المرآة المهشّمة .

( فمثلاً لو تناولنا سورة الكهف وأخضعناها للتناول الجزئي ، لَمَا خرجنا بأكثر من آيات أو جُمل متناثرة ، منفصل بعضها عن البعض الآخر ، على نحو الأعضاء المنفصلة عن جسم الإنسان ، كاليد أو الوجه أو الصدر ، لكنّنا لو أخضعناها للتناول الكلّي لخرجنا بنتيجة أخرى ، هي مواجهتنا لنصّ فني متناسق الأجزاء على نحو التناسق الذي نلحظه في تركيبة الجسم البشري ، أو سائر الأجسام والأشكال الطبيعية )(1) .

وعلى هذا الضوء انتهج جماعة من المفسّرين في العصر الحديث منهجاً جديداً في التفسير الأدبي للقرآن ، يستند إلى استجلاء الوحدة الموضوعية والوشائج العضوية التي تربط الآيات والسور القرآنية .

وقد بدأت بذور هذا الاتجاه في التفسير تظهر في تفسير محمّد عبده ، ومحمّد رشيد رضا ، ومحمّد مصطفى المراغي ، لكنّ جهودهم في هذا الصدد لا تتعدى الإشارات واللمحات العابرة (2) .

أمّا الولادة الحقيقية للتفسير الأدبي الحديث ، وتبلور اُصوله النظرية ، وتدشين تلك الاُصول في تجارب تفسيرية ، فقد تبلورتْ على يد الشيخ أمين الخولي وتلامذته ؛ حيث أصَّلَ أمين الخولي بعض المرتكزات المنهجية لهذا الاتجاه في بحثه الذي كتبه تعليقاً على مادّة ( التفسير ) في ( دائرة المعارف الإسلاميّة )(3) .

ثمّ توسّع في بيانه في بحوث أخرى ، وتمثّلت تلميذته الدكتورة بنت الشاطئ شيئاً من هذه المرتكزات في كتابها ( التفسير البياني للقرآن الكريم ) ، وأوردتْ مستخلصاً في مطلع كتابها لضوابط التفسير التي رسمها اُستاذها ، واستندتْ إليها في تفسيرها ، بما يلي :

1 ـ الأصل في المنهج : التناول الموضوعي لِمَا يُراد فهمه من القرآن ، ويبدأ بجمع كلّ ما في الكتاب من سور وآيات في الموضوع المدروس .

2 ـ في فهم ما حول النص : ترتّب الآيات فيه على حسب نزولها ، لمعرفة ظروف الزمان والمكان ، كما يستأنس بالمرويّات في أسباب النزول من حيث هي قرائن لابَسَتْ نزولَ الآية .

3 ـ في فهم دلالات الألفاظ : تلتمس الدلالة اللغوية الأصيلة ، التي تعطي حسّ العربية للمادّة في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية ، ثمّ يخلص لِلَمْح الدلالة القرآنية باستقراء كل ما في القرآن من صِيَغ اللفظ ، وتدبّر سياقها الخاص في الآية والسورة ، وسياقها العام في القرآن كلّه .

4 ـ في فهم أسرار التعبير : يُحتكم إلى سياق النص في القرآن ، بالالتزام بما يحتمله نصّاً وروحاً . وتعرض عليه أقوال المفسّرين ، فيقبل منها ما يقبله النص ، ويتحاشى ما أُقحِم على كتب التفسير من مدسوس الإسرائيليات ، وشوائب الأهواء المذهبية ، وبدع التأويل(4) .

ويمكن أنْ نلحظ تجربة رائدة في التفسير الأدبي تسبق محاولة بنت الشاطئ بما يزيد على ربع قرن ، ظهرت للمرّة الأولى في دروس التفسير التي ألقاها العلاّمة الشيخ محمّد عبد الله درّاز على طلاّب كلية اُصول الدين بالجامع الأزهر ، في أوائل العقد الرابع من القرن العشرين .

وقدّم الشيخ درّاز في دروسه التفسيرية اُسلوباً آخر في التفسير الأدبي لا يتطابق مع اُسلوب الشيخ أمين الخولي ، وإنْ كان يتّفق معه في السعي لاكتشاف الوحدة الموضوعية والنسيج العضوي في الآيات . فقد لمحنا اهتمام الخولي بمعالجة موضوع قرآني معيّن ، وصياغة موقف القرآن إزاءه ، عبر تتبّع موارده في القرآن ، واستقراء دلالات اللفظ في ضوء استعمالاته المختلفة في الآيات ، بينما نجد درّاز يفتّش عن الترابط العضوي في السورة ذاتها ؛ لأنّها ذات ( بُنية متماسكة ، قد بُنيت من المقاصد الكلّية على أُسس واُصول ، وأُقيم على كلّ أصل منها شُعبٌ وفصول ، وامتدّ من كلّ شعبة منها فروع تقصر أو تطول ، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حُجُرات وأفنية ، في بنيان واحد ، قد وضع رسمه مرّة واحدة …

بل إنّها تلتحم كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان ، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما ، كما يلتقي العظمان عند المفصل ، ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب ، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب ، ومن وراء ذلك كلّه يسري في جملة السورة اتجاه معيّن ، وتۆدّي بمجموعها غرضاً خاصّاً ، كما يأخذ الجسم قواماً واحداً ، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد ، مع اختلاف وظائفه العضوية )(5) .

وبعد ما يزيد على نصف قرن ، طَبّق منهج درّاز في التفسير الشيخُ محمّد الغزالي في كتابه : ( نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم )(6) ، الذي اهتمّ فيه بدارسة الوحدة الموضوعية في كل سورة ، وحاول أنْ يكتشف الأواصر بين مستهلّ السورة ووسطها وختامها ، ويوضّح ما خفي من دلالات مشتركة وراء المدلول الخاص للآيات ، متوكّئاً على تجربة الشيخ درّاز في كتابه : ( النبأ العظيم ) ، عندما تناول سورة البقرة ، وهي أطول سورة في القرآن ، فجعل منها باقة واحدة ملوّنة نضيدة (7) .

ولم يقتصر هذا اللون من التفسير على الأعمال المذكورة ، وإنّما ترسم منهجة غير واحد ، من المفسّرين في العصر الحديث ، ومن هۆلاء الاُستاذ محمّد عزّة دروزه صاحب ( التفسير الحديث ) الذي رتّبه على أساس تاريخ النزول ، فاعتبر أنّ الفهم الأمثل للقرآن يستند إلى ملاحظة السياق والتناسب والترابط بين الفصول والمجموعات القرآنية ؛ لأنّ أخذ القرآن آية آية أو عبارة عبارة أو كلمة كلمة ، يۆدّي إلى التشويش على صِحّة التفهم والتدبّر والإحاطة ، أو على حقيقة ومدى الهدف القرآني(8) .

وفي عام 1960 نشر الاُستاذ محمّد المبارك دراسة أدبية لنصوص القرآن تحت عنوان : ( من منهل الأدب الخالد ) ، تضمّنتْ طريقته في التفسير الأدبي لبعض السور القرآنية ، من خلال النظرة الشاملة التي تنظّم الآيات كلّها ، دون الاكتفاء بدراسة الآيات منفصلة ؛ لأنّ النظر إلى الآيات بمجموعها يقودنا إلى استخلاص الخصائص والسمات الفكرية والفنية المشتركة في مختلف الآيات ، التي لا تتبدّى إلاّ بالتناول الكلّي للسورة . فالتناول الكلّي يضيء لنا الفكرة العامّة للسورة ، ويوضّح ما تضمّنته من أفكار ، ويكشف ما بين هذه الأفكار من صلة ويربطها بما تضمّنه القرآنُ من مفاهيم وأفكار(9) .

وقد كان للشهيد سيّد قطب دور رائد في انتهاج اُسلوب متميّز في التفسير الأدبي ، افتتح فيه حقلاً آخر يعالج وحدة التصوير والتعبير في نصوص القرآن ، واقترحه لأوّل مرّة في مقال نشره في مجلّة المقتطف عام 1939 تحت عنوان : ( التصوير الفني في القرآن ) ، وبعد خمس سنوات أي في عام 1944 أصدر كتاباً يحمل العنوان ذاته ، تناول فيه التناسق في التعبير والتصوير في القرآن ، وحاول أنْ لا يتوقّف عند خصائص النصوص المفردة ، بل تجاوزها إلى إدراك الخصائص العامّة ، واقتناص السمات المطّردة ، والطريقة الموحّدة في التعبير عن جميع الأغراض في الكتاب الكريم(10) .

 

المصادر:

(1) د . محمود البستاني : القواعد البلاغية في ضوء المنهج الإسلامي : ص14 .

(2) د . عفت محمّد الشرقاوي : اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث : ص278 .

(3) دائرة المعارف الإسلاميّة : ( مادّة التفسير ) : ص368 ـ 374 .

(4) د . عائشة عبد الرحمان ( بنت الشاطئ ) : التفسير البياني للقرآن : القاهرة ، دار المعارف ، ص10 ـ 11 .

(5) د . محمّد عبد الله دراز : النبأ العظيم : الكويت ، دار القلم ، ص155 .

(6) نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم : صدر عن دار الشروق ، في 560ص ، سنة 1996م .

(7) المصدر السابق : ص5 .

(8) محمّد عزّة دروزة : القرآن المجيد : بيروت ، المكتبة العصرية ، ص 199 ـ 204 .

(9) محمد المبارك : من منهل الأدب الخالد : بيروت ، دار الفكر ، ص 6 ـ 8 .

(10) سيّد قطب : التصوير الفني في القرآن : القاهرة ، دار الشروق ، ص 34 ـ 35 .

اعداد: سيد مرتضى محمدي


شرائط التأويل الصحيح

معاني التاويل

الفرق بين التفسير والتاويل

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)