• عدد المراجعات :
  • 1356
  • 1/26/2013
  • تاريخ :

اسباب الأحداث في مالي

مالي

بالرغم من اشتعال الصراع في شمال مالي منذ أكثر من عام، إلا أنه لم يجذب الانتباه والاهتمام إلا عندما دخلت فرنسا الصراع وأرسلت قوات عسكرية وطيرانها لمحاربة وقصف جماعة أنصار الدين وغيرها من الجماعات القريبة من القاعدة.

وبدأ الكلام عن غزو فرنسي لمالي ومحاربة "المسلمين فيها"، وغير ذلك من صور نمطية استحضرت إلى الأذهان من واقع التجربة المريرة مع فرنسا ودول الغرب عمومًا، وآخرها كان الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان.

الكثير من الناس لم يسمع بمالي من قبل (غير الاسم طبعًا)، وسبب العمليات الفرنسية في مالي بالنسبة لهم غير مفهوم، وأهداف فرنسا غير معروفة لهم (باستثناء الشك بنواياها وهو شك مشروع)، سنحاول من خلال هذا المقال فهم ما يحصل في مالي، وأن نحاول البحث عن حلول.

خلفية عن جمهورية مالي:

تقع مالي في غرب أفريقيا على تخوم الصحراء الكبرى، وهي تنتمي لما تسمى بدول الساحل والصحراء، ولا يوجد لها أي شطآن على البحار، وعدد سكانها 15 مليونًا ومساحتها حوالي 1.2 مليون كيلومتر مربع (عدد سكانها أقل قليلًا من عدد سكان القاهرة ومساحتها أكثر قليلًا من مساحة مصر).

يشكل المسلمون أكثر من 90% من سكان مالي، وغالبية السكان هم من أصول أفريقية سوداء، وهنالك أقلية من الطوارق (أقل من 10%) وأقلية أصغر منها من العرب، ويعيشون في شمال مالي وتحديدًا في إقليم أزواد.

وبالرغم من استقلالها منذ عشرات السنوات عن الاستعمار الفرنسي إلا أنها مازالت مستعمرة بشكل غير مباشر، ابتداءً من الاقتصاد الذي تحتكره الشركات الفرنسية وليس انتهاءً بالنخبة الحاكمة المتأثرة بالثقافة الفرنسية، كما أن لغة الدولة الرسمية هي الفرنسية، ولا توجد عملة نقدية مستقلة لمالي بل تستخدم المارك الأفريقي وهي عملة استحدثتها فرنسا من أجل مستعمراتها السابقة في وسط وغرب أفريقية.

ومثل أكثر دول أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى لا يوجد في مالي تعليم حكومي إلزامي، والكثير من المدارس تتبع إرساليات تبشيرية، وتستخدم مناهج دراسية غريبة عن الخلفية الإسلامية لسكان البلد، أما المدارس الإسلامية إلا أنها لا تدرس سوى القرآن واللغة العربية، وبالتالي فمن أراد إكمال تعليمه الجامعي لا بد أن يدرس مناهج دراسية فرنسية لا تمت لثقافته الإسلامية بصلة، وهذا أدى لأن تكون النخبة الحاكمة نخبة منسلخة عن شعبها وهمومه وغير قادرة على فعل شيء سوى تقليد منقوص للغرب (مثل الغراب الذي حاول تقليد مشية الحجل، فلا هو بقي غرابًا ولا أصبح حجلًا).

وإضافة لذلك مثل الكثير من الدول الأفريقية لا يوجد لمالي جيش قوي ومتماسك مما يجعل الحكومة تعتمد في الملمات على حكومات الدول المجاورة أو الدولة الاستعمارية الأم فرنسا، من أجل نجدتها بالسلاح والعتاد وإن لزم بالرجال.

خلفية الصراع في شمال مالي:

تعود خلفية الصراع في شمال مالي إلى سنوات التسعينات، عندما حصل تمرد في منطقة أزواد ذات الأغلبية الطوارقية، بحجة أن مناطقهم الأكثر تهميشًا والأقل تنمية في مالي الدولة الفقيرة أصلًا (ظلمات فوق ظلمات)، وتدخل القذافي وتواسط بين حركة التمرد والحكومة المالية وتم إنهاء التمرد، وقام باستقدام أغلب المتمردين العسكريين وضمهم إلى كتائبه المسلحة.

قيادات من الطوارق

ويقال أن التمرد أصلًا كان من صناعة القذافي الذي أراد أن يبسط نفوذه على منطقة الصحراء الأفريقية، ومع انهيار نظام القذافي وتفكك كتائبه الأمنية خرج متمردو الطوارق من ليبيا وأخذوا معهم كميات ضخمة من السلاح المتطور، وعادوا إلى منطقة أزواد.

وبالرغم من أن أنصار الدين غيرت أهدافها من استقلال أزواد إلى إقامة دولة إسلامية، إلا أنها تبقى تنظيمًا طوارقيًا ينظر إليه سكان مالي من الأغلبية الأفريقية بعين الريبة والكراهية وأنها قوة احتلال لشمال مالي، بل وجدنا خلال العام الماضي متطوعين في العاصمة المالية ينشئون معسكرات للتدرب على السلاح من أجل تحرير "الشمال"، إلا أن الحكومة أغلقت المعسكرات خوفًا من أن تكون محاولة انقلابية ضدها.

وقرروا العام الماضي إعلان استقلال الإقليم وشنوا هجمات ضد الجيش النظامي المالي تحت اسم الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ولوجود فارق كبير بالتسليح والخبرة بينهم وبين الجيش، حققوا انتصارات سهلة وقاموا بالاستيلاء على الإقليم.

وفي ظل هذه الخسائر قام ضباط من الجيش بانقلاب عسكري ضد الرئيس المنتخب حامادو توماني توري، تلتها خلافات واعتقالات في صفوف الجيش بين مۆيدي الرئيس ومۆيدي الانقلابيين، وأدى ذلك إلى مزيد من الهزائم في شمال مالي وتوسع المتمردون إلى خارج إقليم أزواد واستولوا على مدن الشمال الرئيسي: كيدال وغاو ومدينة تمبكتو التاريخية (والتي كانت في العصور الوسطى مركزًا إسلاميًا عالميًا تجاريًا وثقافيًا رئيسيًا وهامًا وفيها مكتبات تاريخية هامة)، وتحت ضغوط المجتمع الدولي اضطر الانقلابيون إلى التراجع عن انقلابهم وتعيين ديونكوندا تراوري رئيسًا انتقاليًا تمهيدًا لإجراء انتخابات جديدة.

وخلال تقدم المتمردين الطوارق في شمال مالي حصل انشقاق بين الجناحين العلماني والإسلامي، وقام إياد أغ غالي بتشكيل حركة أنصار الدين وهي تمثل فصيلًا إسلاميًا سلفيًا بين الطوارق (فيما حركة التوحيد والجهاد تمثل العرب)، وحصل صدام بين أنصار الدين وحركة تحرير أزواد والتي طردت من أغلب مدن الشمال على أثر ذلك.

وبالرغم من أن أنصار الدين غيرت أهدافها من استقلال أزواد إلى إقامة دولة إسلامية، إلا أنها تبقى تنظيمًا طوارقيًا ينظر إليه سكان مالي من الأغلبية الأفريقية بعين الريبة والكراهية وأنها قوة احتلال لشمال مالي، بل وجدنا خلال العام الماضي متطوعين في العاصمة المالية ينشئون معسكرات للتدرب على السلاح من أجل تحرير "الشمال"، إلا أن الحكومة أغلقت المعسكرات خوفًا من أن تكون محاولة انقلابية ضدها.

في ظل هذا الجو وفي ظل تحالف أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد مع تنظيم القاعدة، استنفرت دول الجوار الأفريقية وبدأت بالتشاور من أجل طرد هذه الجماعات، ليس فقط لأجل القاعدة بل أيضًا للحفاظ على وحدة مالي وأيضًا لأن الوضع تحول لما يمكن أن نسميه استقطاب عرقي بين الطوارق وحلفائهم من العرب (أي بكلام آخر ذوي البشرة البيضاء) وبين الأفارقة، وهذه ظاهرة للأسف ممتدة على طول أفريقيا الإسلامية من موريتانيا غربًا وحتى السودان شرقًا (حرب دارفور ما هي إلا حرب بين العرب والأفارقة).

كما تدخلت فرنسا وأمريكا والجزائر في هذه المشاورات، وكان الخلاف حول كيفية التعامل مع هذه الجماعات، وخاصة أن قمعها عسكريًا ليس بالأمر السهل نظرًا لتمركزها في منطقة صحراوية بعيدة عن كل القواعد العسكرية الأجنبية والإقليمية، وكانت الجزائر تفضل الحوار بينما كانت دول الجوار الأفريقي ترفض الحوار (وخصوصًا النيجر التي لديها متمردون طوارق تخشى من تقليدهم لمتمردي مالي) ولا تقبل بشيء غير الحل العسكري.

وصول القوات الفرنسية لدعم الحكومة ضد المتمردين

وبينما كانت الدول الأفريقية تتشاور وتضع الخطط العسكرية من أجل التدخل، جاء هجوم لأنصار الدين على مناطق في جنوب مالي مما يعني عزمهم على الإطاحة بالحكومة ووصول العاصمة، لذا قررت فرنسا تسريع مخططاتها وتدخلت جويًا بالبدء من أجل وقف تقدم جماعة أنصار الدين، وبدأت بإرسال جنود إلى مالي، ومن المخطط أن يصل عدد الجنود الفرنسيين في مالي إلى 2500 جندي فيما سترسل الدول الأفريقية المجاورة (وجميعها دول إسلامية) حوالي 5 آلاف مقاتل، وذلك من أجل طرد أنصار الدين من شمال مالي، فيما وقف الجناح العلماني من التمرد (حركة تحرير أزواد) على الحياد.

أخطاء حركة أنصار الدين:

أولًا، ربطت نفسها بنزاع عرقي عنصري بين الأفارقة والطوارق، وأصبحت طرفًا يۆجج هذه النعرات بدلًا من أن تكون طرفًا يعزز الوحدة الإسلامية، وهذا جعلها مكروهة لدى أغلبية الشعب المالي من الأفارقة، وذلك رغم أن خطابها المعلن هو خطاب إسلامي.

وهذه آفة للأسف يجب التوقف عندها فالنعرات العنصرية بين العرب والأفارقة، خربت الكثير من بلدان أفريقية (وخاصة البلدان المختلطة)، ومشاكل موريتانيا والسودان غنية عن التعريف، وعندما نرى مسلمو جنوب السودان يۆيدون الاستقلال عن الشمال المسلم ولأسباب عرقية، فهنالك خلل كبير يجب التوقف عليه، وما يجري في مالي يۆكد على أنها ليست مشكلة خاصة ببلد دون غيره، بل هي آفة عامة وقع بها الجميع بما فيه الإسلاميين الذي يفترض أن يترفعوا عنها.

ثانيًا، ارتكبت (بالتعاون مع حلفائها) ممارسات نفرت السكان منها مثل تدمير أضرحة مشايخ الطرق الصوفية التاريخية في تمبكتو (بحجة أنها قبور شركية كما يزعمون)، وتدمير البنوك وإتلاف أوراقها ومستنداتها في المدن التي دخلوها، مما زاد في كراهية الناس لهم.

ثالثًا، ربطت نفسها بتنظيم القاعدة مما أعطى أعداءها وخصومها مبررًا لضربها والتحريض على قتالها.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)