• عدد المراجعات :
  • 4817
  • 1/22/2013
  • تاريخ :

ماهي اهمية حريّة الفكر؟

الفکر

الفكر هو عبارة عن قوّة في داخل الإنسان ناجمةٍ عن امتلاكه للعقل، فالتفكير هو العمليّة العقليّة الّتي يكتشف الإنسان بواسطتها الحقائق. وهذه القوّة قد منحها الله للإنسان الّذي يولد جاهلاً: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)1، وهو من خلال الفكر والدراسة يتعلّم، حيث يفكّر في كلّ مسألة يحتاج إليها بطريقة علميّة ليفهمها فهماً صحيحاً.

حريّة الفكر وحقوق الإنسان

هناك جملة قضايا لا تبلغ النضج الاجتماعيّ المطلوب إلّا بترك الإنسان حرّا فيها، ومنها النضج الفكريّ، لكيلا يعترض تقدّمه أيّ مانع أو حاجز يحول دون تنمية قابليّاته الّتي ينشدها لتحقيق سعادته، وبما أنّ الفكر هو من أهمّ ما ينبغي تنميته لدى الإنسان، والتنمية بحاجة إلى الحريّة كما تقدّم، فالإنسان بحاجة إلى الحريّة في الفكر، لذا تعتبر حريّة الفكر من حريّات الإنسان الاجتماعيّة، وتدخل في صميم شۆونه الحياتيّة.

ومن هنا احتلّت حريّة الرأي اليوم أهميّة عالميّة، وقد ورد ذلك في مقدّمة الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، بل اعتُبرت فيها من "أسمى الأهداف الإنسانيّة". فإنّ أمنية البشر هي في حريّة إبداء الرأي، بالإضافة إلى الشعور بالاستقرار الأمنيّ والرفاه الاقتصاديّ، فتشكّل هذه الأمور معاً هدفاً بشريّاً.

وعليه فإنّ الفكرَ والتفكيرَ عمل ضروريّ وواجب، بل هو من مستلزمات الحياة البشريّة حيث لا تستقيم بدونه.

وكذلك الكلام في مسألة الدِّين، فإنّ الإنسان لا يمكن أن ينضج في القضايا الدينيّة ما لم يُعطَ الحريّة الفكريّة، أمّا منع الناس من التفكير خشية الوقوع في الخطأ فيعدّ خطأ فاحش, حيث يۆدّي إلى عدم النضج في قضاياهم الدينيّة والتقدّم فيها.

حريّة الفكر في الرۆية الإسلاميّة

بعد أن تبيّنت أهميّة حريّة الفكر من الناحية الاجتماعيّة وفي القانون العالميّ الوضعيّ، لا بدّ من دراسة القضيّة بالمنظار الإسلاميّ لتحديد الموقف الصحيح من حريّة الفكر والعقيدة، فالسۆال:هل يۆيّد الإسلام هذه الحريّة أم لا؟

إنّ الإسلام لم يكتفِ بمنح حريّة التفكير بل جعله من الواجبات والعبادات، ويشهد لذلك عدّة أمور:

أوّلاً: ما ورد من الآيات القرآنيّة الّتي تحثّ على التفكّر، بحيث لا نجد في أيّ كتاب دينيّ أو غير دينيّ هذا القدر من دعوة الناس إلى التفكير في شتّى المجالات، كما في قوله تعالى:

(إِنّ‏َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)2، وقوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَات لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)3، ومثل هذه الآيات كثير جدّاً في القرآن الكريم.

ثانياً: اعتبرت الأحاديث الواردة في السنّة الشريفة التفكير عبادة: "تفكّر ساعة خير من عبادة سنة"4.، وفي آخر "... خير من عبادة ستّين سنة"5 ، وفي ثالث "... خير من عبادة سبعين سنة"6...7.

ثالثاً: نلاحظ أنّ الإسلام لا يقبل الإيمان بأصول العقائد تقليداً، بل يطالب الناس بالتحقيق في أصول الدِّين، فهو يرى للناس حريّة فكريّة تكون الأساس لقبول الإيمان بوحدانيّة الله والنبوّة والمعاد، فالإسلام يعتبر أنّ التوحيد والنبوّة والمعاد وسائر الأصول الاعتقاديّة مسائل يجب التفكّر فيها والوصول إلى حقائقها من خلال الجهد العلميّ.

كيف نتعامل مع الوسوسات والشبهات؟

إذا كان التفكير يۆدّي إلى حصول وسوسات وشبهات في الذهن، فهل يحقّ للشخص الّذي يخطر في ذهنه شبهة أن ينقلها إلى الآخرين؟

لا يعتبر الإنسان مذنباً ولا يعذّب ما دامت الوساوس والشكوك في القلب، وقد تطرّقت روايات كثيرة إلى مسألةِ ما لو طرأ على الذهن بسبب هذا التفكير شبهات وشكوك ووسوسة، منها ما روي عنالنبيّ حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: "رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطá والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة"8.

وفي رواية أخرى ذكر: "أو الوسوسة في التفكّر في الخلق"9.

وعلى الإنسان إن كان في حالة تحقيق وبحث، أن يرجع إذا شكّ إلى نبيّه وإلى تعاليم الإسلام، حيث يعتبر هذا الأمر ضروريّاً للوصول إلى الحقائق، وعليه لا بدّ أن نسلّم بأنه يحقّ لأيّ شخص حصلت لديه شبهة أن ينقلها إلى الآخرين بهدف حلّها، وهذا حقّ طبيعيّ له، ويجب حلّ شبهته.

ونحن إذا راجعنا التاريخ نجد أنّ الناس كانوا يسألون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهارعليهم السلام عن أمور كثيرة يتعلّق قسم كبير منها بمجال الاعتقادات10.

من هنا يتبيّن أنّ الشكّ الّذي هو أمر سيّ‏ء في نفس الوقت هو معبر جيّد وضروريّ.

نعم، لو بقي الإنسان في حالة الشكّ وبقي في مكانه فهذا هو الهلاك وشكّ الكسالى، وكذلك الأمر لمن أصبح عنده التشكيك هدفاً يحاول بواسطته التشويه والتشنيع على تعاليم ومفاهيم الإسلام، كما نرى ذلك في كلّ عصر من العصور، حيث تظهر طائفة من الشكّاكين الّذين ينشرون الشبهات بين عامّة الناس11.

نماذج مشرقة من الحريّات

يلاحظ المتتبّع للتاريخ الإسلامي أنّ الإسلام لم يُكره الناس على الإيمان ولم يحارب الشعوب، نعم حارب الحكومات المستبِّدة الّتي قيّدت الناس بسلاسل فكريّة خياليّة، ولهذا آمن الكثير من الشعوب بالإسلام عن رغبة وشوق, فحريّة العقيدة من الصفحات الساطعة في التاريخ الإسلاميّ، وقد ذكر سببان أساسيّان لانتشار الحضارة الإسلاميّة وهما:

1- الحثّ المستمر للإسلام على التفكير والتعلّم والتعليم.

2- احترام الإسلام لعقائد الشعوب، والتسامح والتساهل في هذا المجال الّذي أدّى إلى الذوبان التدريجيّ للأديان الأخرى في الإسلام.

فالإسلام الّذي يثق بمنطقه يطلب من المسلم التفكير بكلّ ما يرغب، ولكن ضمن قواعد، وعلى ضوء المنطق وفي حدود القدرات الفكريّة للناس.

والنتيجة: يتبيّن مما تقدّم أنّه بنظر الإسلام ليس التفكير في أصول الدِّين جائز فحسب، بل هو أمر واجب، فحريّة التفكير هي من مفاخر الإسلام الّتي أعطاها لجميع المسلمين والشعوب الأخرى ومنذ بزوغ فجر الإسلام.

بين الإسلام وبقيّة الأديان

يظهر الفرق بين الإسلام وسائر الأديان، من خلال ما تقدّم من تأكيد الإسلام على وجوب التفكير لتحصيل الاعتقادات، ففي المسيحيّة مثلاً الأمر بالعكس, حيث اعتبرت أنّ أصول الدِّين فوق مستوى العقل والفكر، فقالوا إنّ هذه الأصول تدخل في دائرة الإيمان وليس في دائرة العقل، ولا يحقّ للناس التفكير في دائرة الإيمان، فإنّها دائرة التسليم فقط.

فالفرق بين الإسلام وغيره: إعلان غيره أنّ أصوله الدينيّة هي منطقة محظورة على العقل والفكر، فيما الإسلام يعلن أنّه لا بدّ من اقتحام العقل والفكر لهذه المنطقة ومن ثمّ يحصل الاعتقاد، وهذا معنى حريّة التفكير.

الشهيد مرتضى مطهري

اعداد: سيد مرتضى محمدي

 

الهوامش

____________

1- سورة النحل، الآية: 78.

2- سورة آل عمران، الآية: 190ـ 191.

3- سورة الذاريات، الآية: 20ـ 21.

4- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 86، ص 129.

5- م. ن، ج 66، ص 293.

6- ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللئالي، ج 2، ص 57، نقلاً عن الديلمي.

7- ويستفاد من هذه الأحاديث أنّ من التفكّر ما يدفع الإنسان إلى الأمام بمقدار سنة من العبادة، وهناك تفكّر يدفعه بمقدار ستّين سنة وآخر بمقدار سبعين سنة.

8- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة (آل البيت)، ج 51، باب جملة مما عفي عنه، ص 369.

9- م.س، ج 3، ص 270.

10- من هذا القبيل ما كان من رجوع الناس إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للاستفسار وأخذ الجواب منه، وجلوس الإمام عليّ عليه السلام في زمن الشيخين للإجابة على أسئلة القادمين من أطراف المجتمع الإسلامي، الذين اطّلعوا حديثاً على الإسلام، ونجد في كتب الإحتجاج مباحثات ومناظرات جرت بين الأئمّةR وبين علماء الأديان الأخرى اليهود والنصارى والمجوس والصابئة والوثنيّين والدهريّين والماديّين.

11-هناك وجه آخر لظهور الشكّاكين الّذين يلقون محاضرات ويكتبون مقالات ضدّ الإسلام، فإنّهم يۆدّون إلى جلاء وجه الإسلام أكثر، حيث يتصدّى العلماء لهم بما يۆول لصالح الإسلام.. وهذا ما حصل فعلاً حينما كتبت بعض الكتب والمقالات ضدّ الإسلام، ما أدّى إلى قيام العلماء بشرح مسائل كانت غامضة لفترة من الزمن. وذلك من قبيل الإمامة والتشيّع والتقية والبدَاء و... .


الشــك المقدس

حرية الإرادة في القرآن الكريم

حرية البشر

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)