• عدد المراجعات :
  • 1067
  • 6/7/2012
  • تاريخ :

ابن العلقمي واحفاده -1

جنگ نرم

لمن لم يسمع بهذا الاسم، فان ابن العلقمي، واسمه الكامل هو، ابو طالب محمد بن احمد بن علي، مؤيد الدين الاسدي البغدادي  المعروف بابن العلقمي، كان الوزير الاول لـ (خليفة الله في الارض) و (امير المؤمنين) ابو احمد (المستعصم بالله) عبد الله بن منصور، آخر الخلفاء العباسيين، والذي سقطت في عهده وعلى يديه الخلافة العباسية عندما غزا المغول بقيادة هولاكو خان، بغداد في (العاشر من شباط عام 1258) فيما كان (خليفة الله) لحظتها مخمورا ويلعب بقرده المفضل عنده على كل المسلمين وقضاياهم المصيرية والخلافة وما يؤول اليه مصيرها، والطيور تحوم من حوله، مشغولا بموائد البذخ، بعد ان قضى على خزينة الدولة التي صرفها على ملذاته وملذات اولاده وغلمانه وجواريه الذين لم يكن بالامكان عدهم وحصرهم، فلم يعد بامكانه تجهيز الجيوش للدفاع عن دولة (الخلافة الالهية) ما ادى الى سقوطها ومقتل الخليفة على يد الغزاة، وقد اتهم ابن العلقمي هذا بالتخابر لصالح دولة اجنبية هي المغول على حساب دولة (خليفة الله) ما سبب في التعجيل بسقوطها واحتلالها على يد المغول.

ومنذ ذلك اليوم ذهب ابن العلقمي مثلا لكل مسلم يخون المسلمين فيمكن اعداءهم منهم، باي شكل من الاشكال.

وبغض النظر عن صحة الاتهامات الموجهة الى ابن العلقمي من عدمها، وما اذا كان نعته بالخيانة صحيحا ام لا؟ وعما اذا كان هو بالفعل من سبب في سقوط دولة بني العباس، الا انني احاول هنا ان اتتبع خطواته لاتعرف، ومعي القارئ الكريم، على احفاده خلال المئة عام الماضية، خاصة احفاده الذين قادوا (الربيع العربي).

وقبل ان ننطلق في جولتنا التفقدية هذه، اود ان اشير الى الملاحظات التالية:

اولا: ان طاغية ليبيا هو الديكتاتور الرابع الذي يسقط من الحكام العرب، وليس الثالث، فبعد الطاغية الذليل صدام حسين وبن علي ومبارك، يكون القذافي هو الديكتاتور الرابع الذي يرحل عن السلطة غير ماسوف عليه.

ولنحذر، فان ايتام الطاغية الذليل من (المثقفين والكتاب والصحفيين) العرب ومن لف لفعهم، يحاولون خداعنا وتضليل ذاكرتنا عندما يحتفلون بسقوط ديكتاتور ليبيا كونه الثالث في سلسلة الساقطين، في محاولة منهم لنسيان الطاغية الذليل، بل في محاولة منهم لتصويره وكانه بطل من ابطال العروبة وشهيد من شهداء الاسلام، ولذلك لم يعدوه ضمن قائمة الحكام المستبدين الذين سقطوا في العالم العربي.

حذار اذن من التضليل والخداع، ولنقلها وبالفم المليان ونكررها صباح مساء: ان طاغية ليبيا هو الديكتاتور (العربي) الرابع وليس الثالث الذي سقط لحد الان في مزبلة التاريخ.

ثانيا: للانصاف، ينبغي القول بانه لولا سقوط ديكتاتور العراق لما تحركت الشعوب العربية لاسقاط انظمتها المستبدة، ولولا ان العرب، تحديدا، راوا الطاغية الذليل خلف القضبان، يحاكم على جرائمه الشنيعة ضد شعبه، لما تجرا احد منهم على التفوه ببنت شفة ضد ديكتاتور بلاده، ولولا انهم راوا بأم اعينهم جثته متدلية من حبل المشنقة، لما وعوا على حالهم الماسوف عليه البتة.

لولا خريف بطل العروبة والقائد الضرورة والزعيم الاوحد، لما شهد العالم العربي ربيعا يذكر ابدا.

لقد حول العراقيون بتضحياتهم وانجازهم التاريخي العظيم الحلم الى واقع ممكن، فسارت عليه بقية الشعوب العربية، انهم غذوهم الجرأة على السلطان.

ليشكر العرب، اذن، العراقيين الذين كانوا اول من تجرا على حاكمه، ليسقطه ويلقي عليه القبض ويحاكمه ثم يعدمه، ليس في التاسع من نيسان عام 2003، وانما اثر سلسلة من الانتفاضات الشعبية التي بدات في صفر عام 1977 ولم تنته في انتفاضة العام 1999 اثر استشهاد الصدر الثاني وولديه، مرورا بانتفاضة شعبان (آذار) الخالدة التي تمثل المنعطف وحجر الزاوية في القضاء على الطاغية ونظامه.

ان سقوط طاغية العراق كان المفتاح الحقيقي الذي فتحت به الشعوب العربية باب التغيير على مصراعيه امام رياح الثورة التي ستاتي على النظام السياسي العربي الفاسد بالكامل، ان عاجلا ام آجلا، واذا كان بعض الحكام، مثل آل سعود وآل خليفة، يتصورون بان سياسات القمع والقتل وانتهاك الاعراض وتدمير البيوت على رؤوس اصحابها والاعتقال والتعذيب وتدمير المساجد والحسينيات سيساعدهم في القضاء على تطلعات شعوبها في الانعتاق من ربقة العبودية والديكتاتورية والاستبداد، فانهم واهمون، فلقد دمر الطاغية الذليل اكثر من (200) حسينية ومسجد في مدينة كربلاء المقدسة لوحدها ابان انتفاضة شعبان الخالدة في محاولة منه للقضاء على جذوة الثورة، فماذا كانت النتيجة؟ اسالوا الحفرة التي اختبأ فيها الجرذ لتعرفوا النتيجة.

ثالثا: من الذي يقرر ما اذا كان هذا الحاكم بطلا من الابطال ام ديكتاتورا مستبدا وطاغية قاتل؟.

برايي، فان المصدر الوحيد الذي ينبغي الاعتماد عليه لتحديد هوية اي حاكم هو الشعب المحكوم بسلطته فقط، فليس من حق احد ان يقرر ما اذا كان الحاكم في اي بلد عادلا ام ظالما، رحيما بعباد الله ام ديكتاتورا، مستبدا ام ديمقراطيا، الا الشعب المحكوم بسلطته.

فحاكم مثل صدام حسين لا يحق لاحد ان يقرر ما اذا كان طاغية ام لا الا العراقيين انفسهم، فهم الذين اكتووا بنيران ظلمه، وهم الذين دفنوا احياء في مقابره الجماعية، وهم الذين ماتوا خنقا بالسلاح الكيمياوي في حلبجة وفي غيرها، وهم الذين تحولوا الى وقود لحروبه العبثية الداخلية منها ومع الجيران.

ان العراقيين هم الذين يقررون ما اذا كان مستبدا ام ديكتاتورا؟ عادلا ام ظالما؟ وليس من كان يستلم منه كوبونات النفط ليمدحه بمقال او تحقيق او موضوع، او من حصل منه على شقة فاخرة في العاصمة الاردنية عمان وغيرها، او سيارة آخر موديل او ساعة ذهبية او آلاف الدولارات، فهؤلاء ليس من حقهم ابدا ان يقرروا من اي نوع كان هذا الحاكم طوال النيف والثلاثين عاما من حكمه الاسود.

ليس من حق الموظفين والمفتشين في هيئة الامم المتحدة او في الجامعة العربية او في بقية المؤسسات الدولية والاقليمية، ان يقرروا ما اذا كان صدام حسين طاغية اهبل ام حاكما عادلا؟ فالمترف المستفيد من الحاكم لا تقبل شهادته ابدا، لانه يميل اليه بالفطرة كونه مستفيدا من عطاياه.

وهكذا بالنسبة الى بقية الحكام في البلاد العربية، فالشعب الليبي وحده هو الذي يحكم على حاكمه، ومن اي نوع من الحكام كان طوال النيف والاربعين عاما من سلطته؟ وكذا الشعب المصري والتونسي واليمني والبحريني وغيرهم من الشعوب العربية، فهي وحدها التي تقرر من اي نوع كانوا حكامها الذين سقطوا بثوراتها في اطار الربيع العربي، او الذين سيسقطون حتما.

اسالوا الدم الذي اريق في الشارع والروح التي ازهقت في المعتقلات والعرض الذي انتهك في السجون والطفولة التي ضاعت في الازقة والطرقات، ولا تسالوا البطون التي تكرشت والرقاب التي غلظت والجيوب التي امتلات والقصور التي شيدت.

رابعا: مشكلتنا، نحن العرب، والمسلمين بشكل عام، لا نتصف بالموضوعية باي شكل من الاشكال عندما نريد ان نصدر حكما على احد، خاصة اذا كان جزءا من التاريخ والماضي السحيق، واقصد بالموضوعية هنا هو دراسة الظروف السياسية والاجتماعية والامنية والاقتصادية المحيطة بالحدث او الموقف او الشخص الذي نريد اصدار الحكم عليه، ولعل خطا من اتهم ابن العلقمي بالخيانة هو انه اصدر حكمه اما بدافع طائفي يتلفع بالحقد الدفين، او انه قراه مجردا عن كل الظروف والملابسات التي احاطت بالوزير في تلك المرحلة، او انه فتح عينا واغمض اخرى عندما اراد ان يقراه، فاستغرق بالتفاصيل والجزئيات وهو يقرا الوزير، وغض الطرف عن الكبريات وعظائم الامور وهو يقرا الخليفة، ولذلك لم يات حكمه صائبا، وانما هو الى الخطا اقرب.

 

الكاتب: نزار حيدر


ابن العلقمي واحفاده -2

ابن العلقمي واحفاده -3

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)