• عدد المراجعات :
  • 1558
  • 2/14/2012
  • تاريخ :

تساؤلات نقدية حول التربية والتعليم (1)

هل هما في وضع تطابق أم يعيشان حالة تباين؟

تشكل التربية النقطة التي يتقرر فيها ما اذا كنا نحب هذا العالم بما يكفي لنتحمل مسؤوليته

استهلال:

شاع خلط كبير عند عامة الناس بين التربية والتعليم واعتبر التقريب بينهما معطى بديهي ومسألة متداولة وهذا صنيع غير مفهوم وأمر غريب نظرا للاختلاف التخصصي بينهما وانتماء الطرف الأول الى دائرة الأخلاق والطرف الثاني الى دائرة المهنة وقد عززه وقوع غالبية العلماء والمفكرين في نفس الحكم المسبق وهو أن كل فعل تربوي يرتكز بالضرورة على تجربة تعليم معمق ومتدرج وكل مراحل تعليمية يمر بها الانسان تفضي الى امتلاك المرء لتربية متوازنة وعقلانية. لكن التعليم قد يعني التكوين والتبليغ والتلقين وتصنيع الذكاء واكتساب الخبرة في مجال معين والمهننة، أما التربية فقد تطلب الآداب والتنوير والاضاءة والتثقيف والصلاح وتعني السمو الروحي والارتقاء الأخلاقي والتحلي بالفضيلة وطلب الخير.

فما مرد هذا الخلط بين التربية والتعليم؟ وماهي الوسائل الكفيلة بالتمييز بينهما؟ وما المقصود بالتربية؟ وماهي مميزات التعليم؟ وماذا لو شخصنا المسالة التعليمية عند العرب ؟ وكيف نفسر الوضع التربوي اليوم؟ وهل يمكن الحديث عن أزمة حقيقية يمر بها هذا القطاع؟ وماهي أسباب هذه الأزمة؟ وهل يمكن تصور بدائل ومخرج منها تبعث على الأمل وتحفز نفوس الناشئة على الفعل وعلى الابداع؟ وماذا يمكن للتفكير الفلسفي المعاصر أن يقدم بهذا الصدد؟ وما العمل لكي تتفادى التربية السقوط في هاوية التقليد واعادة انتاج النظام القائم؟ وكيف نتفادى تحول سلطة التعليم الى نوع من الدكتاتورية والوصاية؟ ومتى تبدأ مرحلة التربية والتعليم بالنسبة للمرء؟ وفي أية زمانية يجب أن تتوقف؟ وماذا نحتاج بالضبط في الوقت الراهن؟

هل الأمر يتعلق بتطوير المناهج التربوية عن طريق علوم التربية أم ابداع نمط فلسفي مابعد حديث في التعليم؟ وماهو تأثير التغيرات التاريخية والتحولات السياسية على هذا المجال؟ والى أي مدى يتأثر الفعل التربوي بالتدافع الاجتماعي والمتطلبات الاقتصادية؟ وما السبيل الى احداث ثورة في قطاعي التربية والتعليم؟ وألا تقتضي المسألة التمييز بين التعليم بخبير والتعلم الذاتي؟ ومتى نشهد ميلاد طريقة جديدة للتعلم ويصبح الفضاء التربوي فرصة لتنمية المهارات ولانخراط المرء في عالم مختلف؟

ان رأس الأمر هنا ليس اصلاح المنظومة التربوية وايجاد حلول ترقيعية للتعليم يخدم النظام السياسي المزمع تشكيله ويبشر بخياراته الايديولوجية وانما اعادة بناء المرجعية التربوية برمتها على أسس علمية وموضوعية محايدة عن كل توظيف وبريئة من كل استغلال سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.

 المراهنة على التعليم:

 السلم الاجتماعية لا تتحقق إلا إذا وضع كل واحد بين قوسين الحركيات العميقة التي تبرر هذه القيم المشتركة

العناية بالتربية والتعليم رهان حقيقي بالنسبة إلى كل الدول التي تنشد النهوض والتقدم وذلك لما يفضي إليه من حسن تصرف في الموارد البشرية وتهيئة مدنية متبصرة للأجيال المستقبل من أجل أخذ المشعل وتحميلها مسؤولية تنظيم الشأن العام والارتقاء بالحياة المؤسساتية نحو الأفضل وتوفير اطر وكوادر قادرة على تسيير شؤون المجتمعات.

لقد مثل الاعتناء بالتربية والتعليم الجسر الذي يوصل الأنظمة السياسية الى الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي وذلك بتنوير الجموع وتثقيف الجماهير وتحسين وسائل الاتصال بالناس وقدرتهم على الاقناع والتسيير نحو احترام القوانين والتشريعات واستبطان جملة القيم الحداثية التي تسعى الدولة الى غرسها في المجتمع المدني عبر مؤسساتها الثقافية.

ان الخروج من حالة البداوة الى حالة الحضارة ومن الحالة الطبيعية التي تتميز بالتلقائية واتباع الغريزة الى الحالة المدنية يقتضي امتلاك العلم والفن والتقنية والتمرس على ذلك ضمن مؤسسات تعليمية متطورة وذلك كانت الانسانية هي موضوع التربية المفضل وكان التعليم موجه بالأساس نحو الانسان قاصدا اخراجه من التوحش الى التآنس.

التربية والتعليم يساعدان الانسان على تحصيل المعرفة وصناعة الذكاء واكتساب الوعي وفي نفس الوقت تدربانه على أن يكون حرا ومسؤولا وعلى امتلاك القيم الأخلاقية وجعل الحياة الاجتماعية التي ينخرط فيها حياة هادفة وذات غائية وقصدية نبيلة.

ولئن حاولت بعض الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال المراهنة على هذا القطاع الاستراتيجي وقامت بإصلاحات هيكلية في نظم التعليم وتجاوزت الازدواجية وأرست برنامجا موحدا وتخطت المسالك الموازية والطرق التقليدية إلا أن البعض الآخر ركز انتباهه على مشاكل أخرى وتعامل ببرودة مع ملف التربية والتعليم وكان الحصاد هو بقاء نسب الأمية مرتفعة وفقدان الكفاءات وتدني مستوى الثقافة والوعي لدى عامة الناس.

لكن الا يجب ان نعود الى الحياة اليومية للمدرسة والتدريس من أجل وصف أزمة التعليم كماهي في الواقع دون أحكام مسبقة وحتى يتسنى لنا فهم الأزمة التي يعاني منها هذا القطاع؟

 تشخيص الأزمة:

ان الانسان لا يستطيع أن يصبح انسانا الا بواسطة التعليم. وهو لا يكون الا ما تصنع التربية منه.

إن أسباب الأزمة عديدة ويمكن أن نذكر منها ما يلي:

- فراغ البرامج من المضامين والمبادئ المتوازنة التي تقدر على بناء مواطن متصالح مع ماضيه ومتطلع إلى المستقبل عبر قراءة نقدية لواقعه. ما نلاحظه هو تركيز مختلف البرامج المدرسة على الجانب الشكلي وإسقاط جملة من المقررات دون مراعاة خصوصية البيئة الاجتماعية والنسيج النفسي والثقافي الذي تتنزل فيه.

- فوضى القرارات التنظيمية وارتجالية التدابير وضعف في المناهج والأسانيد البيداغوجية وغياب الرؤية الإستراتيجية والتخطيط العلمي والإبقاء على الطرق التقليدية التي تكرس نفس الذهنية القروسطية وتشجع على الإتباع والتلقين.

- تدهور قيمي كبير وأزمة روحية وأخلاقية تمظهر في بروز العنف اللفظي والبدني في الوسط التربوي بين جميع مكونات العلمية التربوية وتوتر العلاقة بين المربين والتلاميذ والمشرفين.

- سلعنة التعليم وربطه بسوق الشغل واختزاله في عملية التكوين وتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية والتعويل على الحلول التسكينية من أجل تحقيق أعلى نسب النجاح كميا دون مراعاة الكيف والدرجة.

- الوضعية الاجتماعية الصعبة للمربي وتشوه صورته في المجتمع وتدهور طاقته الشرائية ومحدودية إمكانياته المادية مما يفتح الباب بالنسبة إليه لتقديم تنازلات على حساب آداب المهنة والتضحية برسالة العلم من أجل ضمان لقمة العيش.

- تراجع التعويل على اللغة العربية الفصحى وضعف الناشئة في مستوى تعلم اللغات الأعجمية وميل المربين إلى استعمال اللهجات الدارجة حرصا على التبليغ والإفهام.

- استخفاف بالمواد الاستراتيجية التي تمتلك تأثيرا مباشرا على شخصية التلميذ وتشكل النواة الروحية التي يتغذى منها وتحدد رؤيته اجمالية للعالم ونذكر منها الانسانيات وخاصة فيما يتعلق بالتفكير الديني والعلوم الاجتماعية والمدنية والفلسفة.

علاوة على ذلك هناك تراجع في المردود في البلدان التي عنيت بالتربية والتعليم وظهور بوادر أزمة خانقة في مستوى الجودة والمردودية وفي مجال الانقطاع المبكر عن الدراسة وفي معدلات النجاح وقيمة الشهائد العلمية بالمقارنة مع بقية بلدان العالم وفي ترتيب المؤسسات الجامعية على الصعيد الدولي وتقلص نسب صناعة الذكاء وهجرة الأدمغة إلى دول المركز. فماهي أسباب تردي الوضعية التي تحيط بالعملية التربوية؟ ولماذا بات تعليمنا لا يخرج سوى الفاشلين العاطلين عن العمل؟

هذه بعض من مظاهر الأزمة التي تعصف بالتربية والتعليم وذلك من خلال تشخيص جزئي.

لكن ما الحل للخروج من هذا المستنقع ومواجهة مشكل تردي وضع التربية والتعليم لدينا؟


حقائق لابد أن يعيها الشباب في سيرهم التكاملي

طريقة التعامل مع المراهقة

مشاكل المراهقة

نصائح للمراهقين لإكتساب الثقة بالنفس

خطر الفراغ على سلوك الشباب

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)