• عدد المراجعات :
  • 2352
  • 2/8/2011
  • تاريخ :

آية اليوم يئس الذين ومسألة الإمامة - المحكمات والمتشابهات

الورد

بمناسبة الحديث عن هذه الآية، أجد من اللازم أن أقف عند مسألة يُصار للعمل بها في كثير من الموارد.

آيات القرآن يفسّر بعضها بعضا"القرآن يفسّر بعضه بعضا". والقرآن كتاب بيّن ومبين، وهو بنفسه يصنف آياته إلى صنفين: آيات محكمات وأخرى متشابهات.

يطلق على الآيات المحكمات وصف أُمّ الكتاب. يقول تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) الآية المتشابهة هي التي تنطوي على مفهوم يمكن تطبيقه بأكثر من صيغة. أما المحكمة فهي التي يمكن متابعة مفهومها وتطبيقه بصيغة واحدة. والقرآن أطلق على المحكمات وصف أم الكتاب، لأنه حتى المتشابه يمكن تحديده وتطبيقه من خلالها وبإعادته إليها.

فلو كانت آية من القرآن يمكن تطبيقها على اكثر من وجه، لا يحق لنا تطبيقها تنفيذها والعمل بها والإفادة منها إلا بالرجوع لسائر آيات القرآن، إذ بهذا الرجوع سنعرف كيف نتابع تلك الآية ونطبقها. فمعنى الآية المتشابهة هي الآية المجملة، أو التي تنطوي على لغة لا نعرف معناها، بل هي الآية التي يمكن توجيهها على وجوهٍ عدّة شبيهة بعضها ببعض.

على سبيل المثال ثم في القرآن آيات ترتبط بالمشيئة الإلهية المطلقة، وهي تنسب كل شيء إلى المشيئة من دون استثناء. من بين هذه الآيات التي تُعدُّ متشابهة بالمعنى المذكور، قوله تعالى: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)1. ليس ثمة ما هو أصرح من هذا التأكيد على أن الله المالك الأساسي لضروب الملك والقدرة كافة، فهو الذي يهب الملك والعزة من يشاء، ويسلبها عمَّن يشاء، والخيرة كلُّه بيده سبحانه.

هذه الآية متشابهة من جهة إمكان تعدّد وجوه مطابقتها وهي تنص على أن كل شيء بمشيئة الله. وهذه المشيئة يمكن أن تكون على ضربين، الأول: ليس في منطق المشيئة الإلهية شيء يكون شرطا لشيء.

وهذا المعنى الخاطئ أفاد بعضهم - من الآية- وقالوا: يمكن أن تتوافر جميع الشروط التي نطلق عليها شروط العزّة، ولكن النتيجة المترتبة على ذلك، أن الذي يأتي هو الذل بدلاً من العزّة !

كما يمكن أن تتوافر جميع الشروط التي نسميها شروط الذلّة، بيدَ أن الذي يتمخّض عن هذه المقدمات، هو العزة بدلا من الذلة!

منطق هؤلاء يقوم على القول: ليس ثمة في السعادة الدنيوية والأخروية، شيء يكون شرطا أو علة لشيء آخر، لأن كل شيء هو بمشيئة الله!

في ضوء هذا المنطق يمكن لقوم - أو فرد - أن ينال السعادة الكاملة في الدنيا من دون أية مقدمة أو سعي يذكر، كما يمكن أن يصاب بالسوء الكامل من دون أية مقدمة أيضا.

كما يمكن لقوم أن يبلغوا في الآخرة أعلى عليين من دون أي شرط وسبب ومقدمة، ويمكن لقوم آخرين أن يهووا إلى قعر سجين من دون مقدمة أيضا.

ما يؤسى له أن قطاعا من المسلمين يقال لهم الأشاعرة، استفادوا من الآية هذا الوجه، وقالوا: ليس هناك مانع من أن يساق نبي الله إلى جهنم، وأن يذهب أبو جهل إلى الجنة، لأن الله ذكر أن كل شيء هو بالمشيئة الإلهية!

هذا - بلا ريب - هو ضرب من التطبيق الخاطئ للآية، فالآية تذكر - فقط- أن كل شيء بالمشيئة الإلهية، بيدَ أنها لم تبين كيف تجري هذه المشيئة، ولم تذكر كيف تعمل في السعادة والشقاء والعزة والذلة.

هذه الآية إذن يمكن أن تطبق على وجوه - وهي مثال للآية المتشابهة- ولكن عندما نعود إلى آيات أخرى في القرآن، نرى أن تلك (الآيات) تتحول إلى أم (أم الكتاب - محكمات) وتُفسّر لنا هذه الآية. على سبيل المثال: هذه الآية تقول

بمنتهى الصراحة (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)2. أو الآية الأخرى التي تعد - من إحدى الجهات - أعم من الأولى، حيث يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)3

في كل آية من الآيتين شيء لا تحويه الأخرى. فالثانية تقول: إن الله لا يسلب ما عند قوم حتى يسلبوا أنفسهم ما عندهم.

وهذه الآية عامة، بمعنى أن الله لا يسلب عن قوم نعمة فيهم ولا يبدلها عليهم نقمة إلا أن يتغيروا، ولا يزيل عن قوم نقمة فيهم - ليبدلها إلى نعمة - إلا إذا غيروا ما بأنفسهم.

أما الآية الأولى فتتحدث عن النعم ولا شأن لها بالنقم، ولكن بإضافة نقطة ملخصها:"ذلك بان الله لم يك مغيرا" أي إن الله لم يكن كذلك. وعندما يطالعنا في القرآن قوله:"ما كان الله" فإن ذلك بمعنى: إن ربوبيته تعالى لا توجب ذلك. وذلك على الضدّ من ربوبيته الربّ الذي يسلب النعمة عن قوم جزافاً وعبثاً.

إن القول أن مشيئة الله تجرى جزافا وعبثاً، وأن لا شيء يكون شرطا لشيء، هو أمر بخلاف الحكمة والكمال الذاتي والربوبي لله.

هكذا إذن تنتهي هذه الآيات لتكون أمّاً بالنسبة إلى تلك الآية.

إن غاية ما تقوله الآيات الراجعة إلى المشيئة، أن كل شيء بمشيئة الله. أما هذه الآية، فهي تقول إن مشيئة الله تجري على هذا النحو، ولها هذا القانون.

عند العودة إلى القرآن إذن، نجد أن هذه المسألة تعبر عن نفسها من خلال أصل أساسي يتسم بغاية المتانة والإحكام، وقد تكرر ذكره في آيات كثيرة. ومفاد هذا الأصل هو: إذا شكرتكم نعمتي، أي إذا أخذتم منها على نحوٍ صحيح فسأبقيها، أما إذا كفرتم بها فسأسلبها عنكم.

وبه يتضح معنى قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون". فالمراد أن الكفار خارج المجتمع الإسلامي قد يئسوا من استئصال دينكم، وهم لا يعودون بعد الآن خطرا على العالم الإسلامي. والمطلوب إزاء ذلك "اخشَونِ " أيْ خافوا من أنفسكم.

وكأن الخطاب: أيها المسلمون، إذا كان هناك خطرا بعد الآن فهو يتمثل بسوء صنيعكم مع نعمة الإسلام، إذ تكفرون بالنعم، ولا تستفيدون منها كما ينبغي، وعندئذ يجري عليكم قانون (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

ليس هناك بعد ذلك اليوم خطرا يهدّد المجتمع الإسلامي من الخارج، بل الخطر الذي يتهدّده هو من الداخل.

*الامامة،الشيخ مرتضى مطهري، المترجم :جواد علي كسّار

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- آل عمران/26

2- الأنفال: 53

3- الرعد: 11


الإمامة في رؤية الأئمة الأطهار- شرائط الإمامة ومواصفاتها

الإمامة في رؤية الأئمة الأطهار- حديثان عن الإمام الصادق

الإمامة في القرآن - الشواهد التاريخية

الإمامة في القرآن - اليوم أكملت لكم دينكم

الإمامة في رؤية الأئمة الأطهار -رواية عن الإمام الصادق

الإمامة في القرآن - الوضع الخاصّ للآيات التي ترتبط بأهل البيت

آية اليوم يئس الذين ومسألة الإمامة - رأي الشيعة

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)