• عدد المراجعات :
  • 590
  • 2/7/2011
  • تاريخ :

التوسل باختصار

الورد

إنّ حياةَ البَشَر قائمةٌ على أساس الاستفادة من الوسائل الطبيعيّة والاِستعانة بالاَسباب، التي لِكلّ واحدٍ منها أثرٌ خاصٌ.

فَكُلُّنا عندما نعطش نشربُ الماء، وعندما نجوعُ نأكلُ الطعام، وعندما نريد الانتقالَ من مكانٍ إلى آخر نستخدم وسائلَ النَقل، وعندما نريد إيصال صوتنا إلى مكانٍ نستخدم الهاتفَ، لاَنّ رفعَ الحاجة عن طريق الوسائل الطبيعيّة بشرط أن لا نعتقد بإستقلالها في التأثير هو عينُ "التوحيد" ومن صميمه.

فالقرآنُ الكريمُ وهو يُذكّرُنا بقصّة ذي القرنين في بنائه للسدِّ يُخبرُنا كيف طلب العونَ والمعونة من النّاس إذ قال: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)(الكهف:95).

وإنّ الذين يُفسّرُون الشركَ بالتعلُّق والتوسُّل بغير الله، إنَّما يصحُّ كلامُهم هذا إذا اعتقد الاِنسانُ بتأثيرِ الوسائل والاَسباب على نحوِ الاِستقلال والاَصالةِ.

ولقد قامَت حياةُ البشرية من أوّل يوم على هذا الاَساس والقاعدة أي على الاستفادة من الوسائل والوسائط الموجودة، ولم يزل يتقدم في هذا السبيل.

وأمّا إذا اعتقد بأنَّها تؤثّر بإذن الله فإنّه سينتهي حينئذ إلى نتيجةٍ لا تُخرِجُه عَن مسيرِ التوحيد.

ولقد قامَت حياةُ البشرية من أوّل يوم على هذا الاَساس والقاعدة أي على الاستفادة من الوسائل والوسائط الموجودة، ولم يزل يتقدم في هذا السبيل.

والظاهر أنّ التَوَسُّل بالاَسباب والوسائلِ الطبيعيّة لِيس مَحَطّاً للمناقشة والبحث، إنّما الكلام هو في الاَسباب غير الطبيعيّة التي لا يعرفها البَشرُ، ولا سبيلَ له إليها إلاّ عن طريق الوحي.

فإذا وُصِفَ شيءٌ في الكتاب والسُّنة بالوسِيلِيَّةِ كانَ حكمُ التوسّل به نظير حكم التوسّلِ بالاَُمور الطبيعيّة.

 

وعلى هذا الاَساس فإنّنا إنّما يجوز لنا التوسل بالاَسباب غير الطبيعيّة إذا لاحَظنا مطلبين:

 

1- إذا ثَبَتَ كونُ ذلك الشيء "وسيلةً" لنيل المقاصد الدنيويّة أو الاَُخروية بالكتاب أو السنة.

2- إذا لم نعتقد بأيّة أصالةٍ أو استقلال للوسائل والاََسباب، بل اعتبرنا تأثيرها منوطاً بالاِذنِ الاِلَهي والمشيئةِ الاِلَهيّة.

 

إنّ القرآنَ الكريمَ يدعونا إلى الاِستفادة من الوسائل المعنوية إذ يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِليْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة:35).

هذا ويجب الاِنتباهُ إلى أنّ "الوسيلة" لا تعني (التقرُّب) بل تعني الشيء الذي يوجب التقرّبَ إلى الله، وأحَد هذه الطرق هو الجهادُ في سبيل الله الذي ذُكِرَ في الآية الحاضِرة كما يمكن أن تكون أشياء أُخرى وسيلة للتقرّب أيضاً1.

 

التوسُّل بأسماء الله الحسنى ودعاء الصالحين

ثَبَت في الاَصلِ السابقِ أنّ التوسّلَ بالاَسباب الطبيعيّة، وغير الطبيعيّة (بشرط أن لا تُصبَغ بصبغة الاَصالة ولا يعتقد فيها بالاِستقلال في التأثير) عينُ التوحيد، ولاشك في أنّ القيام بالواجباتِ والمستحبّاتِ، كالصَّلاة والصَّوم والزَّكاة والجِهاد في سبيل الله وغير ذلك وسائل معنويّة تُوصِل الاِنسان إلى المقصد الاَسمى، ألا وهو التقرّبُ إلى الله تعالى.

فالاِنسان في ظلّ هذه الاَعمال يجد حقيقة العبوديَّة، ويتقرّب في المآل إلى الله تعالى.

ثَبَت في الاَصلِ السابقِ أنّ التوسّلَ بالاَسباب الطبيعيّة، وغير الطبيعيّة  عينُ التوحيد، ولاشك في أنّ القيام بالواجباتِ والمستحبّاتِ، كالصَّلاة والصَّوم والزَّكاة والجِهاد في سبيل الله وغير ذلك وسائل معنويّة تُوصِل الاِنسان إلى المقصد الاَسمى، ألا وهو التقرّبُ إلى الله تعالى.

ولكن يجب الاِنتباهُ إلى أنّ الوسائل غير الطبيعيّة لا تنحصر في الاِتيان بالاَعمالِ العبادِيّةِ، بل هناك سلسلة من الوسائل ذكرَت في الكتابِ والسُّنةِ يستعقبُ التوَسلُ بها استجابةَ الدعاءِ، نذكر بعضَها فيما يأتي:

 

1- التوسُّل بالاَسماء والصّفات الاِلَهيَّة الحُسنى التي ورَدَت في الكتاب العزيز، والسُّنة الشريفة، إذ يقول سبحانه:(وَللهِ الاَسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها)(الاَعراف:180).

ولقد وَرَدَ التوسُّل بالاَسماء والصفات الاِلَهيّة في الاَدعية الاِسلامية كثير.

 

2- إن التوسُّل بأدعية الصالحين، والذين يكون أفضلُ أنواعه: التوسّلُ بالاَنبياء والاَولياء المقرّبين إلى الله، لِيَدعو للاِنسان في محضر ذي الجلال.

إنّ القرآنَ الكريمَ يحثُّ الذين ظَلَموا أنْفُسَهم (أي العُصاة) إلى أن يذهَبوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ويطلبوا منه أن يَستغفِرَ لهم، إلى جانب استغفارِهم هم بأنفسِهم، ويبشِّرُهم بأنّهم سيجدون الله توّاباً رحيما:(وَلوْ أنّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوك فَاْستغَفُروا اللهَ واْسَتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوجَدُوا اللهَ توّاباً رَحِيماً)(النساء:64).

ويَذمُّ في آية أُخرى المنافقين، بأنّهم كلّما دُعوا إلى الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لِيَستغفر لهم أعرَضوا عن ذلك إذ يقول:

(وَإذا قِيْلَ لَهُمْ تعالَوْا يَسْتغْفِرْ لَكُمْ رسُوْلُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتكْبرُون)(المنافقون:5).

ويُستفاد من بعض الآيات أنّه كان مثل هذا العَمَل جارياً ورائجاً في الاَُمم السابقة.

وللمثال: طلبَ أبناءُ يعقوب من أبيهم أن يستغفرَ لهم، واستجاب لهم أبوهم يعقوبُ عليه السلام ووعدهم بذلك:(يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنا كُنّا خاطِئِين * قال سَوْفَ أسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَبِّي إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ)(يوسف:97ـ 98).

ومن الممكن أنْ يُقال أنّ التوسُّل بدعاء الصالحين يكون في صورةٍ خاصّة عين التوحيد (أو على الاَقلّ مفيداً ومؤثراً) وهي إذا كان من نتوسّلُ به على قيد الحياة.

 

أمّا إذا ماتَ الاَنبياء والاَولياءفكيفَ يكونُ التوسُّل بهم مُفيداً وعين التوحيد؟

في الجواب على هذا الاِشكال لابدّ من التذكير بنقطتين

أ- إذا افترَضْنا أنّ التوسُّل بالنَبي أو الوليّ مشروطٌ بكونهم على قيد الحياة، ففي هذه الصورة يكون التوسُّل بالاَنبياء والاَولياء الاِلَهيّين بعد الموت مجرّد عملٍ غيرِ مفيد، لا أنّه يكون موجباً للشرك.

وقد غُفِلَ عن هذه النقطة الهامّة في الغالب، وتَصوّر البعض أنّ الموتَ والحياةَ رمزُ التوحيد والشرك! مع أنّ هذا الشرط (أي حياة النبيّ أو الولي عند توسُّلِ الآخرين به) ملاكٌ لكون التوسّل مفيداً أو غير مفيدٍ، لا أنّه "ملاكٌ" لكون التوسُّلِ عَمَلاً توحِيديّاً أو شِركياّ.

ب- إنّ تأثيرَ التوسّل وكونَه مفيداً يُشترط فيه أمران:

 

1- أن يكونَ الفردُ المتوسَّلُ به مُتصِفاً بالعلم والشعور والقدرة.

2- أن يكونَ بين المتوسّلِ، والمتوسَّل به ارتباط واتصال وكلا هذين الشرطين (الاِدراك والشعور ووجود الارتباط بينهم وبين المتوسَّل بهم) موجودان في التوسّلِ بالاَنبياء، وإن فارقت أرواحُهم أجسْادَهم وذلك ثابت بالاَدلة العقلية والنقلية الواضحة.

إنَّ وجودَ الحياة البرَزَخيّة من المسائل القرآنيّةِ والحديثيّةِ المسلّمة الضَّرُورية.

 

فإذا كانَ الشهداء الّذين قُتلُوا في سبيلِ الحقِّ أحياءً حسب تصَريح القرآن الكريم، فأولى أن يكون أنبياء الشهداء والاَولياء المقرّبون أحياءً عند ربّهم خاصة وانّ أكثرهم قد استشهد في سبيل الله أيضاً بحياة أعلى وأفضل.

 

ثم إنّ هناكَ أدلةً كثيرةً على وجود الارتباط بيننا وبين الاَولياء الاِلَهيين نذكر بعضَها

1- إنّ جميع المسلمين يقولون في نهاية الصَلاة مخاطِبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "السَّلامُ عَليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتهُ".

فهل هم يقولون ما يقولونه لغواً وعبثاً؟ وهل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمع كلّ هذه التحيات وكل هذا السلام ولا يردّ عليها؟!!

2- إنّ النبيَ الاَكرم أَمَر في معركة بدر بأن تلقى أجسادُ المشركين في بئر (قليب) ثم وَقَفَ يُخاطبهم قائل: لَقَد وَجَدْنا ما وَعَدنا ربُّنا حقاً، فهل وَجَدتُم ما وَعَدَكم ربُّكم حَقاً؟

فقال أحدُ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسولَ الله أتكلم الموتى؟!

فقالَ النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أنْتُمْ بأسَمعَ مِنْهُمْ"2.

3- لقد ذَهَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البقيع مراراً وقال مخاطباً أَرواح الراقدين في القبور والاَجداث: "السَلامُ على أهلِ الدّيار مِن المؤمِنين والمؤمِنات".

وفي رواية كان يقولُ: "السلامُ عليكمْ دارَ قومٍ مؤمِنين"3.

4- روى البخاريُ في صحيحهِ أنّه لما تُوفّي النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم دخل أ بو بكر حجرة عائشة ثم ذهبَ إلى حيث سُجِّيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فكَشَفَ عن وجهِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم وقَبَّلهُ ثم قال وهو يَبكي: بأَبي أنتَ يانبيَّ الله لايجمعُ اللهُ عليكَ موتَتَين أمّا الموتة الاَُولى التي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فقد متّها4.

وإذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياةٌ برزخيّةٌ، ولم يكن بينه وبيننا أيُّ ارتباط فكيف خاطَبَه أبو بكر قائِل: يا نبيّ الله؟!

5- عندما كان الاِمامُ عليٌ عليه السلام يغسّل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ويجهّزه قال: انقطَعَ بموتِكَ ما لمْ يَنْقَطِعْ بموتِ غَيْرِك مِن النُبوَّة والاِنْباءِ، وأخبارِ السماء بأبي أنَت وأُمّي اذكُرْنا عند ربِّكَ واجْعَلْنا مِن بالِكَ5.

وفي الختام نُذَكّرُ بأنّ للتَوَسُّلِ بالاَنبياء والاَولياء صُوَراً مختلِفةً جاء شرحُها في كُتُبِ العَقائد.

*العقيدة الاسلامية،آية الله جعفر السبحاني

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- قال الراغبُ الاِصفهاني في مفرداته (في مادة وسل): الوَسيلة التوصّلُ إلى الشيء برغبة،  وحقيقةُ الوسيلة إلى الله سبيلُه بالعلمِ والعِبادة وتحرّي مكارم الشريعة.

2- صحيح البخاري، ج 5، باب قتل أبي جهل؛ والسيرة النبويّة لابن هشام: 2:292 وغيره.

3- صحيح مسلم، ج 2، باب ما يقال عند دخول القبر.

4- صحيح البخاري ج 2 كتاب الجنائز ص 12؛ والسيرة النبويّة لابن هشام 4:305 ـ 306.

5- نهج البلاغة قسم الخطيب، الرقم 235. 


بقاء الروح دليل على البعث

الموت نافذة إلى حياة جديدة (2)

المعاد في تجليات الفطرة

الله سبحانه وتعالى احيا الموتى لقوم من بنى إسرائيل  

البعث في ميزان العدالة

 

 

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)