• عدد المراجعات :
  • 1272
  • 1/8/2011
  • تاريخ :

شرائط التأويل الصحيح

الورد

ومما يجدر التنبه له ان للأخذ بدلائل الكلام - سواء اكانت جلية ام خفية - شرائط ومعايير، لا بد من مراعاتها للحصول على الفهم الدقيق فكما ان لتفسير الكلام - وهو الكشف عن المعاني الظاهرية للقرآن - قواعد وأصول مقررة في علم الأصول والمنطق، كذلك كانت لتأويل الكلام وهو الحصول على المعاني الباطنية للقرآن - شرائط ومعايير، لا ينبغي اعفاؤها والا كان تأويلاً بغير مقياس، بل كان من التفسير بالرأي الممقوت.

وليعلم أن التأويل - وهو من الدلالات الباطنية للكلام - داخل في قسم الدلالات الإلزامية غير البينة، فهو من دلالة الألفاظ لكنها غير البينة، ودلالة الألفاظ جميعاً مبتنية على معايير يشرحها علم الميزان، فكان التأويل - وهو دلالة باطنة - بحاجة إلى معيار معروف كي يخرجه عن كونه تفسيراً بالرأي.

أن التأويل - وهو من الدلالات الباطنية للكلام - داخل في قسم الدلالات الإلزامية غير البينة، فهو من دلالة الألفاظ لكنها غير البينة، ودلالة الألفاظ جميعاً مبتنية على معايير يشرحها علم الميزان، فكان التأويل - وهو دلالة باطنة - بحاجة إلى معيار معروف كي يخرجه عن كونه تفسيراً بالرأي.

فمن شرائط التأويل الصحيح - اي التأويل المقبول في مقابلة التأويل المرفوض - أولاً: رعاية المناسبة القريبة بين ظهر الكلام وبطنه، أي بين الدلالة الظاهرية وهذه الدلالة الباطنية للكلام، فلا تكون أجنبية، لا مناسبة بينها وبين اللفظ أبدا فإذا كان التأويل - كما عرفناه - هو المفهوم العام المنتزع من فحوى الكلام، كان لا بد أن هناك مناسبة لفظية أو معنوية استدعت هذا الانتزاع.

مثلا: لفظة "الميزان" وضعت لآلة الوزن المعروفة ذات الكفتين، وقد جاء الأمر بإقامتها وعدم البخس فيه، في قوله تعالى: ?وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَان?18.

لكنا إذا جردنا اللفظ من قرائن الوضع وغيره واخلصناه من ملابسات الأنس الذهني، فقد أخذنا بمفهومه العام: كل ما يوزن به الشي، اي شي كان مادياً ام معنوي، فإنه يشمل كل مقياس او معيار كان يقاس به او يوزن به في جميع شؤون الحياة، ولا يختص بهذه الآلة المادية فحسب.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: فالميزان آلة التعديل في النقصان والرجحان، والوزن يعدل في ذلك ولولا الميزان لتعذر الوصول الى كثير من الحقوق، فلذلك نبه تعالى على النعمة فيه والهداية إليه وقيل: المراد بالميزان: العدل، لان المعادلة موازنة الاسباب19.

وروى محمد بن العباس المعروف بماهيار (ت ح330 ) - في كتابه الذي وضعه لبيان تأويل الآيات - بإسناده الى الإمام الصادق عليه السلام قال: الميزان الذي وضعه الله للأنام، هو الإمام العادل الذي يحكم بالعدل، وبالعدل تقوم السماوات والأرض، وقد أمر الناس أن لا يطغوا عليه ويطيعوه بالقسط والعدل، ولايبخسوا من حقه، أو يتوانوا في إمتثال أوامره20.

وهكذا قوله تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ?21. كانت دلالة الاية في ظاهر تعبيرها واضحة، إن نعمة الوجود ووسائل العيش والتداوم في الحياة، كلها مرهونة بإرادته تعالى وفق تدبيره الشامل لكافة أنحاء الوجود.

والله تعالى هو الذي مهد هذه البسيطة لا مكان الحياة عليه، ولولا فضل اللّه ورحمته لعباده لضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

هذا هو ظاهر الآية الكريمة، حسب دلالة الوضع والمتفاهم العام.

وللإمام ابي جعفر الباقر عليه السلام بيان يمس جانب باطن الآية ودلالة فحواها العام، قال: "اذا فقدتم امامكم فلم تروه فماذا تصنعون".

و قال الإمام على الرضا عليه السلام: "ماؤكم: أبوابكم الأئمة، والأئمة: أبواب الله فمن يأتيكم بماء معين، أي يأتيكم بعلم الامام"22.

لا شك أن استعارة (الماء المعين) للعلم النافع، ولا سيما المستند إلى وحي السماء - من نبي او وصي نبي - أمر معروف ومتناسب لا غبار عليه.

فكما ان الماء أصل الحياة المادية والمنشأ الأول لإمكان المعيشة على الارض، كذلك العلم النافع وعلم الشريعة بالذات، هو الأساس لا مكان الحياة المعنوية التي هي سعادة الوجود والبقاء مع الخلود.

?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ?23.

?لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ?24.

فهنا قد لوحظ الماء - وهو أصل الحياة - في مفهومه العام المنتزع منه الشامل للعلم، فيعم الحياة المادية والمعنوية.

وأيضاً قوله تعالى: ?فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ?25، اي فليمعن النظر في طعامه، كيف عملت الطبيعة في تهيئته وتمهيد إمكان الحصول عليه، ولم يأته عفو، ومن غير سابقة مقدمات وتمهيدات لو أمعن النظر فيه، لعرف مقدار فضله تعالى عليه، ولطفه ورحمته، وبذلك يكون تناول الطعام له سائغ، ومستدعياً للقيام بالشكر الواجب.

هذ، وقد روى ثقة الاسلام الكليني باسناده الى زيد الشحام، قال: سألت الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قلت: ما طعامه؟ قال: "علمه الذي يأخذه عمن يأخذه"26.

والمناسبة هنا - أيضا - ظاهرة، لأن العلم غذاء الروح، ولا بد من الاحتياط في الأخذ من منابعه الأصيلة، ولاسيما علم الشريعة وأحكام الدين الحنيف.

وثانياً: مراعاة النظم والدقة في إلغاء الخصوصيات المكتنفة بالكلام، ليخلص صفوه ويجلو لبابه في مفهومه العام، الأمر الذي يكفله قانون (السبر والتقسيم) من قوانين علم الميزان (علم المنطق) والمعبر عنه في علم الأصول: بتنقيح المناط، الذي يستعمله الفقهاء للوقوف على الملاك القطعي لحكم شرعي، ليدور التكليف او الوضع معه نفياً وإثبات، ولتكون العبرة بعموم الفحوى المستفاد، لا بخصوص العنوان الوارد في لسان الدليل وهذا أمر معروف في الفقه، وله شرائط معروفة.

ومثال تطبيقه على معنى قرآني، قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه السلام- :?قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ?27.

هذه قولة نبي الله موسى عليه السلام قالها تعهداً منه لله تعالى، تجاه ما أنعم عليه من البسطة في العلم والجسم: ?وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ?28 قضى على عدوله بوكزة وكزه به، فحسب إنه قد فرط منه ما لا ينبغي له، فاستغفر ربه فغفر له فقال ذلك تعهداً منه لله، أن لا يستخدم قواه وقدره الذاتية، والتي منحه الله به، في سبيل الفساد في الأرض، ولا يجعل ما آتاه الله من إمكانات معنوية ومادية في خدمة أهل الإجرام.

هذا ما يخص الآية في ظاهر تعبيرها بالذات.

وهل هذا أمر يخص موسى عليه السلام لكونه نبياً ومن الصالحين، أم هو حكم عقلي بات يشمل عامة أصحاب القدرات، من علماء وأدباء وحكماء وأرباب صنائع وفنون، وكل من آتاه الله العلم والحكمة وفصل الخطاب؟ لا ينبغي في شريعة العقل أن يجعل ذلك ذريعة سهلة في متناول أهل العبث والاستكبار في الأرض، بل يجعلها وسيلة ناجحة في سبيل إسعاد العباد وإحياء البلاد ?هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا?29.

وهذا الفحوى العام للآية الكريمة إنما يعرف وفق قانون (السبر والتقسيم) وإلغاء الخصوصيات المكتنفة بالموضوع، فيتنقح ملاك الحكم العام.

وفي القرآن كثير من هذا القبيل، إنما الشأن في إمعان النظر و التدبر في الذكر الحكيم، وبذلك يبدو وجه استفادة فرض الأخماس من آية الغنيمة، ودفع الضرائب من آية الإنفاق في سبيل الله.

*التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، الشيخ محمد هادي معرفة، الجامعة الرضوية للجامعة الإسلامية، ط1،  ص18-29.

------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- وللتعقيد أسباب لفظية ومعنوية مر شرحها.

18- الرحمن: 9.

19- التبيان، ج9، ص463.

20- نقلاً بالمعنى، راجع: تأويل الآيات الظاهرة للسيد شرف الدين الاسترابادي، ج2، ص 632-633.

21- الملك: 30.

22- تفسير الصافي، الفيض الكاشاني، ج2، ص 727، وراجع: تأويل الآيات الظاهرة، ج2، ص 708.

23- الأنفال: 24.

24- آل عمران: 164.

25- عبس: 24.

26- تفسير البرهان، ج4، ص 429.

27- القصص: 17.

28- القصص: 14.

29- هود: 61.


معاني التاويل

الفرق بين التفسير والتاويل 

جعل القيمومة للرجل (1) 

كيف يتقبل القرآن التفسير؟ 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)