مورد جستجو :
OnlyThisBook :
 
 
 
 
> آفاق الرواية >

أقصر طريق روائي عثر عليها توفق الحكيم لهذا الغرض هي تقنية المسرحية الكلاسيكية الحديثة وهو ما يعرف بين كتّاب فرنسا وإنجلترا Neo-classicism والذي يرتكز على الثالوث المكوّن من وحدة الحدث ووحدة الزمان ووحدة المكان وأنموذجه بالإنجليزية مسرحية درايدن في القرن الثامن عشر وعنوانها كل شيء في سبيل الحب All for love تلك المسرحية التي أعادت إلى الأذهان مسرحية شكسبير أنطونيو وكليوبترا، فبدلاً من التشعبات والتفاصيل التي استخدمها شكسبير في إخراج المسرحية، قدّم لنا درايدن عملاق المسرحية الكلاسيكية الجديدة في القرن الثامن عشر مسرحية شكسبير بوحدة ثالوثية تتكوّن من وحدة الحدث وهو الحب بين أنطونيو وكليوبترا بدلاً من الحوادث الأخرى الكثيرة، ووحدة المكان الإسكندرية بدلاً من روما والإسكندرية، ووحدة الزمان وهو الوقت الذي وصل الغرام فيه بين كليوبترا وأنطونيو قمته، في آخر أيّامه.

هذا ما فعله توفيق الحكيم الذي آثر أن يختار لروايته وحدة للحدث، وهي التنافسس على حب سنيه بين محسن ومصطفى مثل التنافس على حب كليوبترا بين أنطونيو وقيصر، واختيار مقهى العم شحاته وبيت الدكتور حلمي كوحدة للمكان في الرواية مثل اختيار الإسكندرية، ووحدة للزمن وهي ثورة 1919 على الرغم من أنّ هذه الوحدة الزمنية لم تبرز إلاّ في الفصل الأخير من الرواية والتي هي أشبه في المسرحية الإغريقية بما يعرف باللاتينية deus ex machina، أو بالفرنسية tour de force.

وزيادة على ثلاثية الوحدة هذه، فقد كتبت الرواية بتقنية المسرحية الكلاسيكية المعروفة، وكأنّ الرواية أعدّت لتمثّل على المسرح. فعندما يظهر محسن على مسرح الحدث يختفي الجميع تقريباً ليأخذ دوره الرئيس في الرواية، وعندما يغيب محسن عن خشبة المسرح ويسافر إلى دمنهور لمدة أسبوع في زيارة إلى والديه، يظهر مصطفى على المسرح، ممّا يؤدّي إلى ضرورة ظهور زنوبة التي تعقد الحدث بالطريقة الكلاسيكية، وهي سوء الفهم، ويحدث ما يحدث من تعقيد للحدث في غياب محسن. وعندما يرجع محسن وقد تعقّدت الأمور في غيابه، ينشط دور مصطفى الذي يظهر على مسرح الأحداث على حساب دور محسن الذي يتقزّم نتيجة لذلك، وينشط دور زنوبة أيضاً ليزيد الحدث تعقيداً ودور محسن تقزيماً خصوصاً عندما يلحق مصطفى سنيه إلى عيادة الأسنان ويسلّمها رسالة يعرض فيها رغبته في الزواج منها.

باختصار كل ما يحدث في الرواية من حدث هو مسرحي في ظاهره وباطنه، ولا تحتاج الرواية إلى جهد كبير لتحويلها إلى مسرحية، بل. لو تحوّلت إلى مسرحية فربما تكون عملاً مسرحيّاً ناجحاً.

ومهما يقال حول الخلفية المسرحية لعودة الروح، وأنّها تستعير في بنائها من المسرحية أكثر مما تستعيره من أي جنس أدبي، ومسرحة الحدث فيها، فإنّ هذا لن يدعنا ننسى أنّ توفيق الحكيم كتب هذا العمل وفي حسابه أن يكون عملاً روائياً، ولابُدّ عند النظر إليه أن نتفحّص خصائصه الروائية مهما اختلطت بالعناصر المسرحية التي لا بد أنها كانت في العقل الباطني للكاتب آنذاك.

  • النتائج : 136