مورد جستجو :
OnlyThisBook :
 
 
 
 
> سباحة في الوحل >

- لماذا تتجاهلني؟

حالة الذهول مرة أخرى؟! من أنت لأتجاهلك؟! إنك تضاعف قلقي. أين أنت؟

- ما أشد ما تنسى! لم أكن أعرف أن ذاكرتك ضعيفة إلى هذا المدى.

تحسسته بكل جوارحي. إنه هو. ماذا يريد مني؟

- لقد تذكرتك. ولكن لماذا تلاحقني؟ وماذا تريد مني؟

- أريد أن أقص عليك ما خفي عنك من تاريخ عائلتك.

- لا أريد أن أعرف. أريد أن أنسى.

- من نسي قديمه تاه.

- وأنا تائه منذ مولدي.

-لا تكن سوداوياً. ها أنت ذا تعيد رسم طريقك كما تريد.

يذكرني بعبد الكريم وفاروق وكل الزوايا المضيئة في حياتي. كيف يريدني أن أرسم حياتي من جديد وهذه الحبال تشدني إلى الماضي. سأحاول!

-لا تحاول. بل افعل. وسأقص عليك ما خفي من أيامك الطويلة هناك في جباليا لتنير لك الطريق.

- اتركني وحدي، أرجوك.

- عنيد أنت كالهلالي الكبير. ومع ذلك اسمع.

حدثتني أختك قالت:

التجأ والدك إلى بيت لاهيا-ما لهذا اللجوء يرافق حياتنا؟ الهلالي الكبير يلتجىء إلى بيت لاهيا، ودليله وزوجها يلتجآن إلى ليبيا وها أنذا أيضاً التجىء إلى دمشق. وهي لا تبعد كثيراً عن دير سنيد. حرقتني حروف الاسم. مررت بها ذات مرة وأنا في طريقي إلى بير زيت- ترك أرضه وبيته واستلقى فوق تراب تلك القرية الهادئة التي لم تطأها أقدامهم. يوسف الهلالي الكبير وسعدى ودليله، ذيب وذيبه وكذلك نايف وزوجته. لم تكن أنت بينهم.

- ماذا تعني؟ سألته بلهفة.

لا تدع الظنون تذهب بك بعيداً. لم تأت أنت بعد. كنت تسكن الهلالي الكبير. امتنع عن إلقائك. كانت المرارة تسكنه. كره أن تأتي وسطها. كما كرهت ذلك سعدى. كانا يظنان إن الأمر لا يعدو عدة أيام ثم يعودان. طالت الأيام واستوطنت المرارة جسديهما. وكان ما كان. أتيت أنت. ضاق المكان، وتقطعت بكم السبل. لا بد مما لا بد منه. باع البقرة. استلقى الهلالي على أطلال سعدى بعد أن أرهقتها الأيام. لم يطق صبراً، ولحق بها بعد أن تزوج مرة ثالثة.

- لماذا تذكرني بما أود أن أنساه؟!

- لن تنساه، ولن تستطيع. ما تود أن تنساه هو ماضيك. أريدك أن تدرك أن المرء لا ينسى نفسه. ماضيك هو أنت، لذلك اصمت واستمع.

- ماذا تريد مني؟! أرجوك..اتركني وحدي، فأنا استعذب وحدتي وأريدها الآن. لا تفسدها عليّ.

- أنت وحيد حتى بين الآخرين.

- وماذا في ذلك؟

- انهض وتجول في شوارع المدينة؟

- لا زلت على أطرافها.

- غداً ستندثر بين أحشائها.

- غداً قصة أخرى.

نهضت. ينبعث الملل والإرهاق من جسدي كله. سرت بتثاقل إلى النافذة. ألقيت نظرة زائغة على دمشق. مضاءة. الأمطار الخفيفة تزيل أوساخها. ومن ذا الذي يزيل أوساخ نفسي؟ سألتها. تحسستها. تنزلق بيسر. هذه النفس المراوغة! لا عليك. تعذبينني أم أعذبك؟ ظني أن كلاً منا يعذب الآخر. هذا الآخر الذي أرهبه. من خلق تلك الرهبة في ذاتي؟ وما هي الذات أصلاً؟ قاطعني بعنف. أوتريد أن تعرف؟ أنا أدلك. أتذكر تلك الأيام الطويلة التي كنت تقضيها وحدك في منزلك؟ أظنك تذكر! بل أنني على يقين أنك تذكر. هم يتكلمون ويتضاحكون في صحن الدار وأنت وحدك تجتر آلامك ومرارة أيامك. كنت تفرغ شحناتك الكهربائية لأحدهم وبعد أيام تبتعد عنه، لأنك كنت تشعر بأنه عرف عنك ما لا يجب أن يعرفه. هذا هو ببساطة سبب خوفك من الآخر. كلمات بسيطة لكنها مقنعة. كنت في قرارة نفسي أعرف هذا، ولكني كنت أتجاهله. أبحث عن الحب والعطف. أحياناً كنت أجدهما في عيون من أحدثهم، وأحياناً أخرى كنت ألحظ نظرات الاستهجان. لكني لا استهجن ما تقصه عليّ. قاطعني مرة أخرى. لذلك أنا أحبك واحتمل حماقاتك وتطفلك. لا تنزعج فأنا لا أقصد الإهانة. عدت إلى السرير. استلقيت عليه بإصرار. لكزني هذا الآخر بشدة أن انهض. عاندته وأغلقت عينيّ. عنيد هو الآخر. استسلمت له. تحسست نقودي في جيبي. غادرت الحجرة. ألقيت نظرة خاطفة في كل مكان ممنياً النفس أن ألقاها. لم تكن هناك. ولم تكن في الصالة أيضاً. ألقيت بالمفتاح أمام موظف الفندق وغادرت. يئست أن أجدها.

أمام سينما دمشق توقفت. حفلة مسائية. ليكن. العشاء أولاً. اشتريت بطاقة دخول. مطعم المصري والحمص الشهي والفتة الدمشقية الرائعة. لأملأ تلك المعدة الخاوية. وهكذا كان. كانت خاوية. متى؟! يوم ذهبت مع مصطفى الواوي لأعمل في قطع ثمار البرتقال. شتاء غزة محتمل البرودة. إجازة مدرسية. ذهبت مع مصطفى وأخته. سيارة نقل ضخمة حملتنا مبكراً إلى بيارة الترك. رغيفان من الخبز وحبة طماطم وبعض الفلفل الحراق. الجمال كله تكثف في ذلك المكان. بجانب سياج البيارة الضخم أشعلنا النيران وأخذنا نحمص الخبز. الحرارة المنبعثة من النار تعانقت وحرارة جسدي المنبثقة من هذا السحر الذي أراه حولي. تتوه نفسي مع ضباب ذاك الصباح الشتوي بجانب السياج. أكلت بنهم. طال انتظارنا حتى ينقشع الضباب.

- لا عمل لكم اليوم. الضباب كثيف ولا يمكن قطف البرتقال. قال رجل.

حملتنا السيارة مرة أخرى إلى أطراف المخيم. روعة الطقس كانت من نوع آخر. الأرض مبتلة بالماء. تتصاعد رائحتها فتزكم الأنوف. تمتزج بأحاسيسي فأرتعش من اللهفة. وميض يطوف جسدي كله. ما كنه هذه المشاعر الثائرة؟! تدور بي وأدور بها. جمال لا ينتهي. جاورني مصطفى الواوي. شاركني اللحظة. غبت عنه في ذاتي. تسربت الدقائق من حولنا. رأيتها تنزلق إلى اللامكان. معدتي خاوية. هذا ما يعكر استمتاعي بالجمال المتداعي حولي. ما قذفته لها احترق في لحظات التيه في ملكوت الله. جائع. من أين تحصل على ما يقيك الجوع؟! مصطفى الواوي بجانبي. ربما كان جائعاً مثلي هو الآخر. فقد والده منذ زمن وتزوجت والدته وبقي مع أخته. هذا الزمن الجائع. سمعت عواء أمعائي.

- مروان..

هو ابن أخي، ومن غيره يستطيع مخاطبة ذيبه.

- مروان..

انتبه لي. أنا عمه. المسافة بيننا شاسعة. ذيب زادها اتساعاً وذيبه زادتها غربة.

- ماذا تريد؟

- اذهب واحضر لي قطعة من الخبز.

لم يكن باستطاعتي أن أذهب أنا. لقد أتيت على مخصصاتي اليومية من طعام الإفطار والغداء ولو ذهبت، فأنني أعرف الرد. "سنضع لك مخلاة في رقبتك. لقد أكلت كالوعل. انتظر حتى يحين طعام الغداء. انتظر قليلاً وسيحضر أخوك." يا لهذا الأخ الذي يشرف على كل شيء. المعدة خاوية، وعواؤها يسمعه من يسكن الطرف الآخر من المخيم. هدأت قليلاً آملة أن يحضر مروان لي تلك القطعة العتيدة من الخبز. عاد. جأرت أمعائي. كانت يداه خاليتين. تبددت آمالي وتسارع عواء أمعائي. ما باليد حيلة. قلت لها. لم أحاول أن أسرق من قبل، ولن أفعل الآن. الأفضل لك ولي أن تنتظري. كانتظار الهلالي وسعدى! قالت بسخرية لم تخف عليّ. احتملت سخريتها. من لا يستطيع أن يصون أمعاءه، عليه أن يبتلع الإهانة. قلت لنفسي. الآمال الخائبة، هذه ليست الأولى. خائب الرجاء متدثراً في إحباطاتك دائماً. هذا هو أنت. قالت لي أطرافي.

- انتظر حتى يحين موعد الغداء. قال مروان والأسى يملأ عينيه.

إنه انتظار سيطول انتظاري له. أعرف هذا. اليوم هو الأحد. وذيب لا يذهب إلى العمل. أعرف أيضاً أن هناك نوعاً من اللحوم. قطعة منه كافية لأن أتذوق طعمه. أتذكر أيها المحروم؟! عاد يذكرني بما أريد أن أنساه. لقد تذكرت أنت حادثة السروال والإبرة. متى؟ سألته. يوم أردت أن ترتق بنطالك؟ لقد تذكرت. يومها حضرت خالتك. من منهن، فهن كثر. تلك التي تحبها كثيراً. آه.. خالتي آمنة. يومها اشتكاك ذيب إليها. قال أنك أخبرت أختك دليله بأنه أكل زوجاً من الحمام لأنه كان قد شرب شربة ملح إنجليزي. يومها نظرت إليه ببلاهة، ثم أقسمت أنت بأنك لا تعلم عن الحمام ولم تر دليله. ولقد كنت صادقاً. كيف ذبحت ذيبه الحمام وكيف طبخته؟! أنت لا تعلم. كل ما في الأمر أنه اعترف بما أراد أن يخفيه عنك. كم عانيت أنت؟! كانت أناتك تصل سعدى والهلالي الكبير هناك في سكنهم الدائم. كل هذا وتقول أنك تريد أن تنسى؟ الماضي يسكنك يا مسكين ولا مهرب لك منه. لا أريد أن أنسى، فقط أريد ألا أتذكر. قلت له. وما الفرق؟ قال لي. ابتعد عني الآن، فليس بإمكانك أن تملأ معدتي الخاوية. تذكرت قطعة اللحم التي تنتظرني، فتراخت أطرافي. ارتدت أمعائي على نفسها. لا طعام الآن. انتظر. سأفعل. وعندما حان الوقت التففنا حول ما صنعته ذيبه. وعاء مملوء بالخبز والرز. هو ما يقولون عنه "المنسف." أما كمية اللحم فهي في صحن آخر وخلف ظهر ذيب. يقتطع منها قطعاً صغيرة ويلقي لكل واحد منا واحدة بعد أن يقضم منها قليلاً بأسنانه الحادة. تلقفت القطعة التي قذفها لي ذيب. ابتلعتها. لا تطفئ نار معدتي المنتظرة الكثير لتمتلئ. عافت نفسي الطعام رغم عوائها الذي لا ينقطع. اقتحمتني الكآبة.

- لم ينضج الخبز إلا منذ وقت قريب. قالت ذيبه وكأنها قرأت أفكاري.

يا لهذا الزمن الأغبر. تجوع في بيتك؟! وهل هو كذلك؟! ازدردت كمية من الطعام بلا رغبة. خرجت.

خرجت من مطعم المصري بعد أن استمتعت بالفتة الدمشقية. ذهبت إلى دار السينما. فيلم عن جميلة بو حريد. تلك الجزائرية التي شغلت فرنسا والعالم أثناء سنوات الجمر في الجزائر. تعيدني إلى ما يسكنني. عميق هو في الذاكرة. لم أعمل الكثير لأفخر به وبنفسي. تألمت. هاجت جراح نفسي. أخرجت لفافة وأخذت أدخن باستمتاع وألم. تداخل دخانها وآهاتي الصامتة الصاعدة من أعماقي.

- أنت..

لم أعر الصوت انتباهاً. تابعت أحداث المقاومة الجزائرية مأخوذاُ بالجرأة والشجاعة. سادية فرنسية تشبه سادية من طردونا. عندما ألقوني في قاع المجنزرة، تمنيت أن أندثر معها في سديمية خانقة. لم يتحقق رجائي. أخذت أعد الضربات على قدميّ وأعيد العد مرة أخرى عندما أصرخ.

- أنت..

انتبهت. لا زالت اللفافة تحترق بين أصابعي ومع احتراقها تتطاير أفكاري الثائرة. دخانها يستلقي في خلايا رئتيّ. لم أحول حواسي عما كنت أراه أمامي. خفت العاقبة، فالتفت صوب الصوت.

- نعم!

- أخرج من فضلك.

"أوتراه أدب مصطنع، أم هم كذلك؟ رجال الشرطة هم كما هم في كل مكان." قلت لنفسي. دقائق وسأتحقق من الأمر. لكنه شرطي سوري. تبينت ملامحه من خلال بقع الضوء التي كانت تتساقط على وجهه. صارم. ألم أقل لك أنهم كما هم في كل مكان. يا رجل! لماذا تلتصق بي؟ أترك لي فرصة كي أتحادث وذاتي. هو شرطي، لكنه لم يخفني؟ لم أفعل ما يستحق العقاب.

- ألا تعرف أن التدخين ممنوع في صالات السينما؟ سألني بصرامة واضحة.

- لا..والله لا أعرف، فأنا قد وصلت اليوم إلى دمشق.

- حقاً؟!

- أنا أقول الحقيقة.

- إذن لا تدخن. قال بلطف لم أعهده من رجال الشرطة!

- لا بأس.

أطفأت لفافتي. عدت مكاني. تقلصت حريتي التي ظننت أنني استرددتها كاملة. لا تدخن. لكنه كان لطيفاً. وما فائدة اللطافة إن كانت ستمنعك من الاستمتاع بلفافتك؟ كانت دموعي تحفر لها مجريين على صفحتيّ وجنتيّ. كنت أبكي نفسي! حالي.. لوعتي..ضياعي وتيهي. أينما يممت وجهك فثمة مأساتك أمامك تفضح بهجة لحظتك ومظاهر سعادتك. مأساتك تلك لن تغادرها ولن تغادرك.

صحوت على صوت دمشق يملأ خلاياي. أنا لك وأنت لي. أخاف منك. أنت الغامضة. أنت الواضحة. أنت المبتسمة. أنت المكتئبة. دمشق.. مرحباً بك أسترد بك ذاتي. بردها أقسى من برد غزة. عدلت عن الذهاب إلى الفندق. آثرت أن أتجول في شوارعها. سرت على طول سور معرض دمشق الدولي. نهر بردى.. جدول ضيق يقسم المدينة إلى جزأين. ومشاعري تقسمني جزأين. روحي وأفكاري هناك في شوارع مخيم جباليا وجوارحي هنا في دمشق. نظيف هذا الشارع. غسلته الأمطار. من يغسل أدران روحي؟ صنعت دنياي. هي لي وحدي. أحدهم يحتضن ذراعاً بضةً أنيقة. يهمس في أذنها وتهمس له. تطايرت الهمسات. طرت معها.

غادة.. تلك الابتسامة الهادئة المرسومة على شفتين دقيقتين انزلق عليهما أحمر الشفاه فترك بصماته عليهما. كلماتها هامسة. غزالة تتجول في المدينة. كنت بجانبها. هي أذن غزالة أليفة وأنا صاحبها. وتقول إن إحباطاتك أبدية؟! هي لحظة ذبت فيها. كثيرة تلك اللحظات. لا ليس كما تظن. لكنها لحظة تساوي العمر كله. ما لهذه الدنيا تستولي على كل لحظات الصفاء التي أقتنصها من بين فكيّ القدر؟! لم ألمس شفتيها، ولم أكن لأفعل لو أتيحت لي الفرصة. هي مقلة العين ومقلة العين لا يمكن تقبيلها إلا عن بعد. تحترق مشاعري داخلي. تحس بها. ذاك زمن مضى. لن تستطيع أن تسترده. ومع ذلك فأنا أخلقها في دنياي.

تزاحمت الأمطار الخفيفة فوق وجهي. أحس بها كوخزات الإبر الخفيفة. إحساس ممتع. تركتها تنساب على هذا الرأس المهموم وأفكاره المتراكمة. تبللت ملابسي. أسرعت الخطى إلى مسكني. نعم إنه مسكني. وعند المدخل انهمرت الأمطار بشراسة. نجوت. وكم مرة نجوت في حياتك؟! بل كم مرة سينقذك القدر من هلاك محقق؟! ها أنت ذا تعود إلى سوداويتك التي كثيراً ما حذرك منها عبد الكريم وفاروق. أين هما؟ وهل سيعوضني القدر بمن هم على شاكلتهما؟ لا أظن. علني ألتقي بهما مرة أخرى! من يدري؟ فالقدر له تصاريفه العجيبة. وقفت دقائق أتابع انهمار المطر من خلف زجاج الباب الأمامي. كأنني تحولت إلى قطرات ماء امتزجت مع هذا المطر، عله يطهر روحي. لا أحد في الشارع المحاذي للفندق. فقط سيارات تمر مسرعة. تحاول الهروب. وكنا نحاول الهروب أيضاً. ولكن من رمضاء الطريق. عندما خرجنا من منازلنا القرميدية، مصطفى الواوي وجهاد وحسان. تسللنا من المخيم إلى قرية بيت لاهيا القريبة. كنا حفاة وشمس الظهيرة تلفح الأرض ووجوهنا بحرارة حارقة. تقافزنا حتى لا تخترق حرارة الطريق الرملية أقدامنا. انتهينا تحت أشجار الجميز . تسلقنا إحداها وأخذ كل واحد منا يزدرد ثمارها باستمتاع. لا يستطع صاحبها أن يكتشفنا، فالوقت وقت غداء واستلقاء، ونحن نستلقي على أفرع الشجرة الضخمة نلتهم ثمارها بنهم يضاهي نهم الجراد إذا حط على شجرة مورقة. امتلأت أمعاؤنا. نزلنا. تركنا أجسادنا تستريح طويلاً في ظلال الشجرة. تفتقت أفكارنا عن فكرة رائعة. اقتلعنا "قولايح" الصبر. خلصناها من أشواكها. بحثنا عن بعض الخرق البالية. صنعنا منها ومن "قواليح" الصبر شباشباً تقي أقدامنا حرارة الطريق الرملية. نجحت الفكرة لبعض الوقت. بعدها تقطعت الخرق البالية وتكسرت "القواليح" وعادت الحرارة تخترق أقدامنا من جديد لتصل إلى مراكز الحس في عقولنا فنقفز بسرعة كمن لسعته عقرب سامة.

صحوت على صوت موظف الاستقبال في الفندق يدعوني إلى فنجان من الشاي. تقافزت أحاسيسي مختلطة بشهوتي. علها هناك! خاب ظني. خيبتي الأبدية. إحباطاتي المتتالية. دلقت فنجان الشاي إلى معدتي وبرفقته دفقات من لفافة دخنتها باستمتاع. استأذنت الجلوس وغادرت إلى حجرتي. استبدلت ملابسي المبتلة. راقبت المطر الذي لا زال ينهمر بغزارة من النافذة. أطفأت نور الحجرة. استلقيت على سريري.

لم أدخل دمشق بعد.

خطوتك الأولى كانت في دهاليز مظلمة أضاءت دنياك المقفرة. كانت لحظة شعرت فيها برجولتك. عبق السنين التي احتوت تيهك وأنت صبي ترتع في شوارع مخيم جباليا. استنسختها ثانية أمامي. تخلصت من ملابسها. ألست راقصة؟ بلى. قالت. وماذا لو أمتعتيني برقصة قبل أن تنتهكي ذاتي وتستخلصي رحيقها؟ استجابت. انزلقت من على السرير. افترشت أنا الأرض. باردة. الحرارة المنبعثة من أطرافها آنستني تلك البرودة فاحتضنتها بأفكاري. ترقص ومعها ترقص شهوتي وذكرياتي. تهز ثدييها فتهتز ذاتي. إنها لي. هذه الأنانية التي استولت على أفكاري! ترقص. ترقص. تخلصت من ملابسها. تخلصت من ملابسي. شاركتها الرقص. لا أتقنه. تخاصمت حركاتي البلهاء مع حركاتها الرشيقة. احتضنتني. احتضنتها. تهنا في فضاء الحجرة المعتم. ترقص وأرقص معها. أتوه في ثناياها. نرقص. الدنيا كلها ترقص. بدأ العرق يتسرب من جسدينا. ارتفعت حرارة الحجرة. نرقص. اندثرنا معاً استلقينا على السرير. تخلصت من الأغصان الجافة. تناثرت الورود أمامنا. استنشقت عبيرها. نرقص معاً. تأوهت. انزلق بينهما. تأوهت. احتفظ بنفسك سليماً معافى. أما لهذا الانزلاق من نهاية؟! كيف؟ تراقصت أطرافنا. لا زال العرق ينزلق من أجسادنا. توقف. ومن ذا الذي يوقف اندفاعي؟ توقف! أتاني الصوت حاسماً وقاطعاً.

- من أنت؟

- أيها التائه! أوتغتصب هواءنا؟!

- من قال هذا؟

- وماذا تفعل أنت الآن؟

- أتمدد على السرير. احتضن أفكاري ولا أبوح بها.

- أيها الكاذب! لقد قرأتك وعرفت ما تحاول إخفاءه.

- أوتراقب أفكاري وتدقق في ذاتي؟!

- أنت الوباء كله. تصحرت حياتنا بفعلكم.

- يا هذا! الوباء هناك. الوباء هو من اغتصب لحظتي، وربما لحظتك. اقتلعه إن استطعت وإلا اتركني احتضن أفكاري وذاتي.

نمت بعمق. في غفلتي انحدرت يدي تبحث عنها. لم أجدها. تابعت بحثي بلا جدوى. اندثرت من ذاتي كما تندثر أحلامي عندما تصطدم بمصاعب الدنيا. لا بد وأنني صورتها في أفكاري. قلت لنفسي. لا تحزن على ما فقدته فأنه ليس بالحقيقي. حتى حياتي ليست حقيقة! على هامش الدنيا أنقل خطواتي! سلباك كل متع الدنيا. استحوذا على أفكارك. وفي المدرسة حاولت أن تظهر ما حاولا طمسه. لم تفلح. الفشل يشاركني حياتي. فترة الفسحة بين الحصص، وفاروق بجانبي. الأستاذ أبو وردة يستدعي فاروق. أنا بجانبه ولم يلتفت لي. فرضت نفسي عليهما. تجاهلني المدرس.

- كم كانت درجاتك في الصف السادس يا فاروق؟

- مائتان وواحد وسبعون. قال فاروق.

قهرتني الرغبة في الظهور. لم أستطع صبراً.

- حصلت أنا على مائتين وخمس وستين درجة.

تجاهلني. هذا اللعين يزيد مأساتي. مهمل في المنزل وفي المدرسة. ملعون من يصمت عن الحق. لا بد وأن ألفت انتباهه.

- كنت الثاني على المدرسة. قلت بصوت عال، ولكنه يحمل نغمة الاحتجاج والتحدي معاً.

- أعرف هذا. قال اللعين بدون اكتراث.

تعرف هذا وتقتل أحاسيسي وكبريائي التي أحاول بناءها. يا لك من قاتل! ادفع بي إلى الأمام. لو كنت مربياً حقاً لفعلت ذلك. يكرهني. هذه الفكرة لم تغادر رأسي. هو مدرس العلوم. احفظوا هذه الصفحات غيباً. قال ذات مرة. تحديته وحفظتها. في اليوم الثاني أخذ يسألنا واحداً تلو الآخر. انتهى من التسميع لنصف الفصل قرب نهاية الحصة. جواب السؤال الذي سأله لم يستطع أي من الطلاب الإجابة عليه. رفعت يدي مبدياً رغبتي في الإجابة. طلب مني ذلك، وظني أنه كان يأمل بأن أخطئ لأنال عقاباً يريده أن يكون شديداً. أجبت إجابة صحيحة. خاب ظنه. لم يمدحني كما هي العادة. ابتلعت خيبتي وجلست. بدأ يعاقب أولئك الذين لم يحفظوا. طالبان جالسان في المقعد الأول يمسكان أحد الكسالى ويهوي هو على مؤخرته بعصا غير سميكة عدة ضربات. يصرخ أثناءها الطالب صراخاً يفتت الأكباد وهو يستمتع بالصراخ والضرب. سادي. هو كذلك. وفي الحصة الأخرى أحلت الإحباط إليه عندما سألني مرة أخرى. أجبت إجابة صحيحة. لم يستطع كتم مشاعره. حاولت ضرب الهلالي بكل الطرق، لكنه نجح في الإفلات. ملاحظته أرضت غروري. ها هو ذا يمدحني من حيث أراد إهانتي. انسكب حقده عليّ بين كلماته. تركت الحقد وتلقفت الثناء المختفي بين الكلمات. أختار ما يروق لي. فلسفة درجت على إتباعها معظم سني حياتي.

انزلقت تلك الأيام وراءي، وها أنذا في دمشق وحدي. على أطرافها. بلى. غداً سأتوه في أحشائها. لا صبر لديك. استعجل اللحظات لأقرأ ما ستحمله لي الأيام . تنازلت عن سماعة الطبيب. كلية الآداب ليست سيئة. وقسم اللغة الإنجليزية مفخرة تلك الكلية. ابتهج. أنت ستلتحق به. متى؟ انتظر!

- 2 -

- تثير ريبتي.

قال بحدة أخرجتني من كوابيس الذكريات التي تلفني. نظرت إليه مستفسراً. كرهت أن أترك ما أنا فيه. عمّق نظراته في عينيّ.

- ماذا تريد؟ سألته بحدة.

- تتوه بي بين الهلالي الكبير والهلالي الصغير وأنا أعصر عقلي كي أتابعك وأفهم ما تقول. كثيراً ما عصتني أفكاري. لا قدرة لدي لابتلاع ما تقول. تبدو وكأنك تتعمد مضايقتي. أريد شيئاً من الوضوح حتى أجدد حيويتي وأتابعك.

- أنت من يستمع لي، كيف أحاول لي الحقيقة أمامك؟ أغراني إصغاؤك بأن أقول كل شيء، حتى تفاصيل التفاصيل. تعلمت الثرثرة في أجواء الاحتقان في البيت والمدرسة. وأن لم تطق صحبتي، فهذا فراق بيني وبينك.

- لا تكن أحمق، فأنا أستمتع برفقتك، ولكن عليّ أن أوقف سيل ذكرياتك عندما تنقلني من فكرة إلى أخرى بلا مقدمات.

- لا بأس عليك. أفعل ذلك عندما تجده ضرورياً.

-حدثني عن الهلالي الكبير.

- لم أعاصره، ولكن أختي حدثتني عنه قالت:

كان يملك كثيراً من الأرض ولم يكن على وفاق مع أبناء عمومته، لذلك التجأ إلى عائلة الحاج وتزوج منهم زوجته الأولى وهي أخت أمي الزوجة الثانية لأبي.

- توقف. قال. وماذا عن أخوته؟ سألني.

- لا أعرف لي أعماماً. صدقاً أنني لا أعرف. يقال أن ذيبه هي ابنة عمي. ولكني أشك في ذلك. لا تسألني لماذا. حتى وأن كانت ابنة عمي فوالدها لم يكن أخاً لأبي. ربما أبن أخيه. أصدقك القول أنا لا أعرف أقربائي. أعرف منهم خالي صالح وخالاتي وأبنائهم. أما الآخرون فلا أعرف منهم أحداً حتى أن اسم جدي لأبي لم أعرفه إلا من خلال اسمي الرباعي، أما جدي الآخر والد أمي فأنا لا أعرف حتى اسمه.

- أوصحيح ما تقول؟!

- وهل عرفت عني غير قول الحقيقة؟! إن ما قلته هو اليقين بعينه.

- وماذا عن زوجة الهلالي الأولى؟

- لا أعرف تماماً. ولكني استنتجت أنها كانت تذوب فيه حباً. ومع ذلك غادرته مرغمة. لا.. لم تذهب إلى بيت والدها كما تظن. ذهبت إلى بيتها الدائم، ولا زالت ترقد فيه. ربما قابلها الهلالي بعد أن غادر دنيانا وعاتبها على رحيلها المبكر. أنجب منها أخي الأكبر. لا. ليس ذيب. الآخر اسمه نايف.

- وهل رأيته؟

- نعم. كان ضخم الجثة طويل القامة. مهيب الطلعة كما يقولون. لكنه كان يعمل في أرض الهلالي الكبير. وحظه من التعليم كان صفراً. وبعد رحيلنا الحزين أصبح بلا عمل. هل تتصور ذلك؟ رجل يعيل عائلة مكونة من عدة أشخاص ولا يعمل!

- توقف.

- ماذا؟

- اترك قصة نايف إلى وقت آخر وحدثني عن الهلالي الكبير.

- قلت لك أنه لم يكن على وفاق مع أبناء عمه وعندما توفيت زوجته الأولى والتي هي خالتي التجأ مرة أخرى إلى عائلة الحاج وطلب منهم أن يزوجوه أختها والتي أصبحت والدتي فيما بعد. لكنهم قبل ذلك قالوا له يا يوسف إن البنت صغيرة وأنت كما تعرف تقدمت بك السن. قال لهم كما تريدون. وفي الصباح التالي جهز جمله.

*

ماذا قلت؟

- جهز جمله. إنه فلاح ووسيلة تنقله هي الجمل. مرّ على بيت والدتي وقال:

- أبو العبد! وأبو العبد هذا هو والد أمي.

صحا أبو العبد من نومه. توجه إلى مصدر الصوت. رحب بوالدي ودعاه للجلوس. قال له الهلالي الكبير:

- ها أنذا ذاهب لأرتبط بأخرى. وأنت تعرف أن ابن ابنتكم صغير. كرهت أن تتولاه أم أخرى غير أخت الراحلة، لكنكم أبيتم. إن فعلت فلا تلومن إلا أنفسكم.

فكر أبو العبد قليلاً ثم قال:

- يوسف! ترجل عن راحلتك وتعال تناول إفطارك معي وسيكون ما تريده.

وهكذا أجاره أبو العبد وزوجه من أخت زوجته الراحلة والتي أصبحت والدتي. لقد كانت صغيرة وكيفها الهلالي حسب أفكاره.

التجأت إلى دمشق بعد أن لفظتني عمان. حاولت أن أعيد امتحانات الثانوية العامة في عمان، لكني لم أطق الحال هناك كما لم يطق الهلالي الكبير أبناء عمومته الذين ظلموه وحاولوا قتله. احتضنتني دمشق وظني أنها ستلبي مطالبي كما استجاب أبو العبد لمطالب والدي.

صحوت مبكراً. اغتسلت. ولقد أصبحت عندي عادة أن أستحم كل صباح بعد أن كنت أستحم كل شهر أو شهرين وأنا في منزل ذيب!

آه!

كنت ألبس قميصاً جميلاً أحضره لي ذيب. لا تفهمني خطأ. لم يشتره لي. حصل عليه من أحد أفراد قوات الطوارئ الدولية الذين كانوا في غزة وكان ذيب يعمل معهم. لبست بنطالاً جديداً اشتريته أنا بعد أن جمعت مبلغاً من النقود. نعم. كنت أعمل في العطلة الصيفية، وسأحدثك عن ذلك فيما بعد. وفي طابور الصباح مرّ بجانبي الأستاذ عبد السلام، مدرس الرياضيات. وهذا كان جاراً لنا في مخيم جباليا وكان يحبني جداً حيث أنني كنت الأول في مادة الرياضيات وهو أيضاً يعرف ظروفي. أراد مداعبتي، فأمسكني من أذني وفركها. وعندما نظر إلى أصابعه وجدها مملوءة بالأوساخ المتراكمة.

- متى زارت المياه جسدك يا هلالي آخر مرة؟!

- بالأمس تحممت. قلت كاذباً.

- ومن أين أتت هذه الأوساخ كلها على أصابعي؟!

- يبدو أنني نسيت أن أنظف أذنيّ. قلت أيضاً كاذباً.

عرف أنني أكذب وأداري خجلي. فهم. قال، حقاً إنك تحممت، ولكن في المرة القادمة عليك أن تنظف كل جسدك. وعندما لاحظ ذيب مقدار قذارتي طلب من ذيبه أن تحممني. كانت المياه تغلي في قدر على النار المشتعلة في صحن البيت. طلبت مني ذيبة أن أخلع ملابسي. فعلت. أبقيت على ما يستر عورتي وهو يحتاج إلى ما يستره. وقفت أمامها، فدلقت المياه التي تغلي فوق جسدي. أحسست أنني دجاجة مذبوحة توضع في ماء يغلي ليسهل نتف ريشها. صرخت وأخذت أجري حول النار والإناء. خرج ذيب مسرعاً.

- ماذا حدث؟ سأل بغضب.

- لم يطق الماء، فهرب مني حتى لا يستحم. قالت ذيبة كاذبةً.

- إنها تغلي. قلت بحرقة.

لمس الماء، فصرخ فيها أن تترك شيئاً من الرحمة يطفو فوق سطح أحقادها. تتابع صراخهم، وحاولت أنا أن أهدئ ألم جسدي المسلوق.

دمشق..نشيطة في الصباح. تسمع أصوات الباعة يعرضون ما لديهم على المارة. وقفت بجانب عربة مملوءة بالبيض والخبز الطازج. اشتريت سندويشاً. التهمته بسرعة. تذكرت ذلك النصف قرش الذي استوليت عليه من نقود ذيبه. ضحكت. أوقفت سيارة وذهبت إلى القيادة القومية حيث مقر اتحاد الطلبة السوريين. سألت عن مصير طلبي الذي قدمته للالتحاق بالجامعة.

- لقد أرسلت الطلبات كلها إلى وزارة التعليم العالي، يمكنك الذهاب إليها. قال الموظف المسؤول.

من هناك توجهت إلى الوزارة. سألت. عرفت أنني قبلت في الجامعة، كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية.

- هل من الممكن أن أحول إلى كلية الطب؟ سألت الرجل.

- إحضر ورقة من نفس المكان الذي أحضرت منه هذا الطلب. قال.

توزع أمانيك في فضاء بلا حدود. تذوب في أحلام يقظة متواصلة. لماذا الطب؟ ومن أين لك بالمال لمتابعة دراستك؟ أنسيت رسالة أبن خالي؟ هو تعهد بذلك! وماذا بعد؟ الطب، الهندسة. الأولى. لا تصلح لشيء. منثورة أجزاؤك في فضاءات مترامية. تحاول الالتصاق بأحدها. تفشل. صديقك هذا الفشل. انظر إلى أيامك الماضية. كومات من الفشل والإحباط. تصارع الهواء للوصول إلى لا شيء. مرهون أنت لماضيك. وعندما تبللت في تلك الليلة الممطرة، تلحفت مأساتك واستلقيت على أمان فارغة. عد إلى حيث أنت. أو كن أنت كما أنت، كما قالت لك غاده ذات مرة. آه.. غاده. ها أنت ذا تعود أنت. متى قالتها؟ عندما انقطع سيل الكلمات بين شفتيّ. أوتراها تغلفني في قلبها كما أفعل أنا؟! لعل الأيام تجمعنا مرة أخرى، فللقدر تصاريفه العجيبة.

صحوت على صوت أمعائي تصرخ إنها تريد أن تمتلئ. أين أجد ما أسكتها به. كرهت أن أستأجر سيارة. منحت قدميّ حرية مطلقة. كثيراً ما فعلت ذلك؟ الطريق من وزارة التعليم إلى وسط المدينة لم يكن طويلاً؟ سـأتابع على الأقدام. قلت لنفسي.

كنت تصحو الساعة الخامسة صباحاً تذهب إلى بيارة الباشا وهي على الحدود أية حدود تلك التي صنعوها ليفصلونا عن تلك البقعة التي تغبرت أقدام الهلالي الكبير وسطها وماذا حدث للهلالي بعد ذلك شيء كالحلم أيام وتعودون آه أيام فقط وها أنذا أمضي ساعة سيراً على الأقدام في أيام الصيف لأعمل في بيارة الباشا وقف عدنان على أعلى شجرة البرتقال يحاول أن يقطع تلك الأفرع الجافة من الشجرة ثم صرخ بأعلى صوته هناك يهودية بالمايوه البكيني والسنتيانة فقط وأسرعنا نتسلق الشجر لنرى ما لم نره من قبل وفي لهفتنا لنرى ذلك كسرت كثير من أفرع أشجار البرتقال مما دعا المشرف علينا لأن يصرخ فينا يا كلاب يا رمم إنه يكذب عليكم. دارينا خيبتنا ومأساتنا وأخذنا نتابع ما نحن فيه وتسارعت الأيام وأتوا عندنا في غزة كنت أذهب إلى المدينة لأبيع عليهم بعض الأشياء وقفت أمام سيارة ضخمة لهم يبيعون منها قطع الحلوى وقفت طويلاً أمام السيارة وكانت واحدة منهم تبيع تلك القطع كانت تلبس بنطالاً يقال له جينز يظهر كل مفاتنها أما بلوزتها فكانت قصيرة حيث ظهر شعر إبطها أغراني المنظر وأخذت أصورها في مناظر متفرقة نظرت إليها طويلاً وفعلت بها كل ما أتمناه صحوت على صوت أحدهم يصرخ بي أن ماذا أريد نعم ماذا أريد هو ذا السؤال لم أتحرك ولم أتكلم أأقول له ماذا أريد لا كان ولا كنت إن قلت ماذا أقول له

- أيها الهلالي التائه. صاح أحدهم.

جذبني من أفكاري. كنت واقفاً في منتصف الشارع أحاول أن أتفادى السيارات لأذهب إلى الرصيف الآخر. لم أعره انتباهاً.

- يا هلالي.

لا أود الحديث معه. يسألني كثيراً ويقطع سيل أفكاري التي أحبها. أشرت له بيدي أن ابتعد. لكنه أصرّ على أن ألتفت إليه. فعلت. شدهت. عمقت نظراتي فيه. إنه هو. من أين أتى هذا الذي أمامي؟ تسمرت قدماي. انعدمت قدرتي على الحركة. وسط الطريق. وصلني. تعانقنا. أخذت السيارات تتزاحم حولنا. شتمنا أحدهم وصرخ فينا آخر أن انتقلا إلى الرصيف. فعلنا متعانقين. أمام مطعم بو كمال وقفنا.

- أين أنت؟‍ سألني أحمد.

وأحمد الشاوي هذا صديق أيام المرحلة الإعدادية. كان يحدثنا عن مغامراته الطفولية أيام كان يذهب إلى مصر حيث كان يرافق والده الذي كان يعمل بالتجارة بين مصر وغزة. كنا نلتف حوله وهو يتوه بنا في مغامراته والتي كان جزءً منها حقيقياً والآخر من بنات أفكاره. كان من الطلبة الممتازين، لكنه لم يصل إلى مستوانا الدراسي حيث كنت وفاروق من الأوائل أما عبد الكريم فكان في مدرسة أخرى.

- ها أنذا هنا في دمشق. قلت بحرارة.

- وماذا تعمل؟

- قبلت في الجامعة.

- دمشق؟

- لا.. جامعة غزة. قلت ساخراً.

- لا زلت ساخراً.

- طبعاً جامعة دمشق.

- في أي كلية؟ تابع أسئلته.

- الآداب، قسم اللغة الإنجليزية.

- والطب؟ سألني أحمد، وهو يعرف مقدار تعلقي بكلية الطب.

- ذهبت مع الريح. قلت له مستعيراً عنوان تلك الرواية الأمريكية الذائعة الصيت.

- أنت كما أنت. أيامك كلها تذهب مع الريح.

وغادة قالت لي ها أنت ذا تعود أنت. من وسط وحدتك تظهر لك. وما أجملها من وردة تنغرس في حياتك وترويها بأفكارك. هذه الأحلام لا تفارقني. وأنا لا أفارقها.

- هي...هي.

- عدت إلى المتاهات.

اختطفني من لحظتي. لحظتي مع أحمد الشاوي، ولحظتي مع غاده. ينتزعني من وحدتي حتى وأنا مع الآخرين.

- ماذا تريد؟

- من هذا الذي احتضنته بكل ثناياك؟

- وما دخلك أنت؟

- ظننت أنني الأثير عندك!

- لا تظن. إبق على يقينك.

لكزني أحمد الشاوي. أعادني إليه.

- أما زلت كما أنت؟

- وماذا تغير؟

- لقد تخلصت من ذيب وذيبه.

- إنهما يسكناني.

- ألست جائعاً؟

- من قال ذلك؟ الجوع والوحدة وأحلام اليقظة هي حياتي.

دخلنا مطعم بو كمال. لم أتردد لحظة. أعرف أن أسعاره غالية. الجيب مملوءة بالنقود. تردد الشاوي. دفعته إلى الأمام. أنت ضيفي اليوم. دخلنا. دخل معنا. ثلاثة. لم يره أحمد. يحدثني وأرد عليه. فيجيب الشاوي. استمتعنا بالطعام والشاي. أشعلت لفافة تبغ. قدمت واحدة لأحمد. اعتذر بأنه لا يدخن. استعرت كلمات فاروق، وربما صديق آخر لا أذكر أسمه. "الرأس اللي ما فيها كيف حلال قطعها." ابتسم أحمد وابتسم ثالثنا. أشعل لفافة هو الآخر.

- أين تسكن؟

- لا زلت بلا سكن. وأنام في الفندق.

- كما أنت دائماً. تسكن ولا تسكن.

يا لهذه الكلمات المنطلقة من فيه تذكرني بصاحبة الغيمة السوداء. تساقطت الأمطار بغزارة. كنت أرقبها من زجاج المطعم الذي يفصلنا عن الشارع. لم أعلق على ملاحظته.

- أين ستذهب. سألني أحمد.

- لا أعرف.

تهت عنه. رجعت إلى تلك الأيام الطويلة في غزة. الأمطار غزيرة. وشوارع غزة موحلة. ومنذ معرفتي بكرة القدم كنت من مشجعي النادي الأهلي المصري. واليوم هو يوم كرة القدم. مباراة بين الأهلي والزمالك. الحجرة مغلقة. حجرة ذيب، ولا أكلم ذيبه. أريد أن أسمع وصفاً للمباراة. رغبتي اكتسحت كل المحاذير. وهذه لحظات لن تتركها ذيبة تمر دون أن تلقي كل القاذورات في طريقي. الراديو.. راديو ذيب في الحجرة. كيف الوصول إليه؟ هو في العمل. تسللت إلى الباب المغلق. حاولت فتحه. مقفل بالمفتاح. كيف السبيل إليه؟

- أريد أن أحضر قصتي من حجرته. قلت.

لم ألفظ أسمها. لا أكلمها. والمرات القليلة التي كنا فيها على وفاق كانت كريمة معي.

- قال أخوك بأن لا يدخل حجرته أحد.

- لكني أريد قصتي.

عرفت قصدي. وعرفت كيف تذلني. وتدلق عفن الزمن على أشلائي.

- سأحضره لك. قالت.

- سأحضره بنفسي.

- لا. قالت بإصرار.

تمزقت حريتي. حكمت عليّ بالحرمان، ولا راد لحكمها. كأنها قاض وحكمه لا يقبل الاستئناف.

- من الأفضل لك أن تعطيني المفتاح. قلت بغضب لم يعد مكتوماً.

- وأن لم أفعل، هل ستضربني؟

- ولك يا بنت الكلب هاتِ المفتاح.

- أنت ابن الكلب...

طار جنوني. كيف تشتمني امرأة؟ رجولتي لا تسمح لي بأن أتحمل هذه الإهانة. تطاير الشرر من عينيّ. لمحت هي ذلك. ركبها شيطان التحدي. حملت إبنها الصغير وأرادت أن تخرج. جذبتها من ثوبها. دفعتني بعيداً. زاد غضبي واحتل مساحات من تفكيري. صادقت الشيطان، ربما هو من صادقني. انتقم. قال. لا تتردد. هي فرصتك. اكتسحها واهرب. لست من هذا النوع من الرجال. قلت له. لا تكن أحمق فالهروب ثلثا الرجولة. لم أكن في كامل وعيي لأعنفه على هذه الفلسفة الحمقاء. عدت إليها. هذه الشيطانة تدوس على رجولتي وكرامتي. أخوك لا يسمح لأحد أن يدخل حجرته. وأنا أخوه. لا، لن تدخل. رأيت الشيطان يتقدم نحوي. وضع يداه على عينيّ. تقدمت منها. تراجعت. دفعني بسرعة. هويت على وجهها بلطمة أظن أنها هائلة. وضعت كل آلام السنين ومهانة الأيام فيها. وقعت على الأرض وإبنها الصغير في حضنها. أخذت تشخر. ظننت أنها ماتت. لم ألتفت إليها. خرجت من البيت. صادفت زوجة خالي صالح. هي تحبني. ضربت ذيبة وأظنها ماتت. قلت لها.

- لا تخف، فمثلها لا يموت. قالت زوجة خالي.

- لكنها تشخر.

- هي تمثل ذلك لتخيفك.

- وماذا أعمل؟

- أهرب.

وهربت. تهت في طرقات مخيم جباليا. صادفني ابن خالي. أوقفني. تائهاً عن نفسي كنت. لا أشعر بما يدور حولي. حتى أزقة المخيم التي أعرفها لم أعد أعرفها.

- أين ستذهب؟ سألني جهاد.

هل تذكر جهاداً هذا؟ هو نفسه الذي حدثتك عنه في روايتي الأولى. ذلك الذي استلفت منه النقود العتيدة وخسرتها في لعبة القمار. أعرف أن لك ذاكرة قوية. هو ابن خالي وصديقي أيضاً. وهو الذي شاركني السطو على أشجار البرتقال التي حفظها أصحابها لهم واستولينا عليها نحن.

- لا أعرف. قلت له.

ومنذ متى وأنا أعرف أين سأذهب. تائه في دنيا الله الواسعة والتي ضاقت بي. قلت لنفسي.

- قريبك في مخيم الشاطئ يريدك أن تذهب إليه لتساعد ابنته في امتحاناتها.

- لكنني لا أملك نقوداً لأذهب هناك. قلت بانكسار.

أعطاني خمسة قروش، فذهبت. تذكرتها أنت أيضاً. نفس الرقم الذي بدأت به لعبة القمار. تلتصق معاناتي بذاكرتك! أوتراك عانيت مثلي؟ سألته لكنه لم يجب. ولم أحاول استدراجه للحديث عن نفسه.

- إذاً أذهب معي لتبيت عندي هذه الليلة. قال أحمد الشاوي.

وهكذا حملت حقيبتي ودفعت ما عليّ من نقود وذهبت مع الشاوي إلى منزله في أحد مخيمات اللاجئين في دمشق. دائماً تصطاد إما جهلي أو ضعف ذاكرتي. لكني هذه المرة أعرف أسم المخيم. أظنه مخيم جرمانا. هل أحسست بمأساتنا. بعد أن كنا في أرضنا أصبحنا في مخيمات منتشرة في بقاع متعددة. نعيد سيرتهم! ربما. لكني أستبعد هذا. وفي المخيم الجديد وجدت أحمد البدوي والذي كان قد قبل في قسم اللغة الإنجليزية. تعانقنا بمحبة، ودارت أحاديثنا تتوه في حجرات المدرسة الإعدادية. تذكرنا الأستاذ نعيم مدرس اللغة الإنجليزية في الأول إعدادي. من هذا النعيم؟ سألني. استعذبت الذكرى. كان مدرساً محروماً من الأولاد. وعندما دخل الفصل، قال لنا أنتم أولادي وأي مدرس يضايقكم قولوا لي عنه وأنا سأخسف الدنيا به وبأهله. وفي ذات يوم وكانت السماء قد أفاضت بكرمها فأغرقت الأرض بالماء. كانت أسطح المدرسة قرميدية. تسربت المياه من خلال السقف واستوطنت الجزء المحاذي للسبورة. كانت أسماء عدة، ومن ضمنها اسمي واسم محمد أبو لحية قد كتبت على السبورة . كنت أظنك نبيهاً وتعرف من تلقاء نفسك. عريف الفصل كتبها، حيث كنا من مروجي الفوضى في الفصل. حضر الأستاذ نعيم تسبقه حقيبته والمسطرة وأصابع الطباشير الملونة. وعندما دخل الفصل، استقبلناه بالهتاف والترحيب. وأمضينا الدقائق الخمس الأولى في مرح، حيث أنه عودنا على ذلك. وفلسفته أن الطالب يجب أن يكون مستعداً نفسياً لاستيعاب ما سيلقيه المدرس من معلومات. رفع يده معلناً أن الوقت قد حان لبدء الدرس. وعندما استدار إلى السبورة، قرأ أسماءنا. خرجنا أمام الفصل. وقال لمحمد أن يفتح يده ليتلقى عقابه. قال محمد أن الدنيا برد ورجاه أن يسامحنا. رفض. ورفضنا نحن أن نفتح أيدينا. أخذ الوضع مقرفصاً وبدأ يلوح بعصاه علينا فنتراجع نحن ويتقدم هو. وفي لحظة فقد توازنه فسقط على الأرض وابتلت مؤخرته بالماء المستوطن تلك البقعة. عندها تجمع غضبه وأخذ يضربنا بدون تركيز. استلقت إحدى العصي على جسد محمد أبو لحية. أخذ يصرخ واستلقى على مقعده وهو يتمتم بكلمات فهمنا منها أنه يتهدد الأستاذ نعيم. والله لأضربك بالسكينة. كانت إحدى الجمل التي سمعناها. جلسنا في مقاعدنا. وبعد دقائق أستدعى الأستاذ نعيم الطالب أبو لحية وأخذ يفتشه. وكان هذا الأخير يلبس بالطو طويلاً أظنه حصل عليه من وكالة الغوث. وعندما أدخل يده في جيب أبو لحية، وصلت إلى آخر البالطو. وجد سكيناً مهترئة فأخذها قائلاً إنها لا تلزم له. أخذنا نضحك. وطالت ليلة الذكريات هذه.

وفي الصباح ذهبنا إلى الكلية. رجعت إلى أيام التلمذة. هذه المرة في الجامعة. حرية أوسع. أنت حر. إن أردت حضرت المحاضرات، وإلا تسكع في شوارع دمشق وهي رحبة ومتنوعة. لا أحد يعرفك. تسلل شعور غامض في أنحاء عدة من جسدي. لبست قميصاً جديداً وما يقيني برد شتاء دمشق القارص. تناولت كأساً من الشاي مع لفافة. شاركني جلستي أحمد الشاوي والبدوي. البدوي هذا يدخن بشراهة تضاهي شراهتي. خرجنا واستقلينا الحافلة إلى جامعة دمشق.

تسربت ذاتي في فضاء دمشق الأبيض. المرة الثانية التي أشاهد فيها الثلوج تتراكم. غطاء ناصع البياض يغلف دمشق. ما أروعه! تركت أطرافي تسير بجانب أحمد البدوي في طريقنا إلى مدرج جامعة دمشق. محاضرة الأدب. احتفظت بنفسي لذاتي. وعند المدخل كانت إحدى الطالبات تجلس على الدرج المؤدي إلى المدرج حيث المحاضرة. كانت تباعد ما بين ساقيها فانحسرت تنورتها قليلاً. بانت ملابسها الداخلية. راودتني نفسي أن ألكزها بقدمي حتى تستر ما بين فخذيها. ولماذا تتدخل فيما لا يعنيك؟ قال لي قبل أن تحيط بي الحماقة وأعمل ما لا يجب أن أعمله. تركتها ودخلت. ارتسمت ساعات طويلة في ذاكرتي. الفخذان ناصعا البياض. بياضهما يضاهي بياض الهالة المحيطة بدمشق.

دي أتش لورانس، كاتب رواية نساء وحب كان موضوع المحاضرة. استمعت للدكتور داغستاني بانتباه. استمتعت باللغة والتعليق. تذكرت الدكتورة نهلة في جامعة بير زيت. غاده. أين أنت؟ كانت بجانبي. تساقط المطر الخفيف. كان يصب في روحينا. لمست يدها. استسلمت بين أصابعي. أنت في دمشق الآن. وبير زيت؟ ذهبت كما ذهب مخيم جباليا ودير سنيد.

فهيمه النجار. جارة لنا. وردة تنثر عبيرها على كل من يود الاستنشاق. وددته. أرسلت لها أنني أطلب ودها. استجابت بسرعة أدهشتني. ظننت أن الدنيا كلها تحبني. فهيمة ملكي. نحاسية اللون. تناسيت أولئك الذين استنشقوها قبلي. هم أنذال امتصوها ثم قذفوها على قارعة الطريق. لأكن أنا ذاك الفارس الذي ينقذها مما هي فيه قلت لنفسي. استلقت بين يديّ. تحسستها. تراخت. انتفضت وتمددت على جسدي. كانت نحاسية ذات لون فاقع فجذبت كثيراً من صيادي الفراشات. حاول أحدهم اعتراضها وهي في طريقها إلى المدرسة الثانوية. أمسكت به وكانت خناقة حامية الوطيس. وكما صورت لنفسي، وكما شاهدت في الأفلام، انتصرت عليه وعلى من كان يناصره. دي. أتش. لورانس وروايته نساء وحب أو نساء في الحب. ترجم العنوان كما يحلو لك. أنهن نساء يعشن في و للحب.

خرجنا من المحاضرة. نصفها التصق بذاكرتي، ونصفها الآخر تداخل والشقوق الندية التي حاولت عبور بعضها وعبرت قليلاً منها. ذهبنا إلى كافتيريا الجامعة. جمال دمشق كله ملقى في تلك القاعة. فاتنات، فارهات، شقراوات، نحاسيات، حنطيات، الجمال كله هناك. سربت نظراتي من بين الجمع إلى فتاة فارعة الطول شقراء. جمالها هادئ، لكنه لا يضاهي جمال غاده. مسحة حزينة تحيط بهذا الجمال الأخاذ. أبقيت عينيّ طويلاً عليها. انتبهت إلى نظراتي. ألقت عليّ نظرة عابرة، ثم استدارت بعينيها بعيداً عني. رسمتها في ذاكرتي. تناولنا فناجين الشاي ثم خرجنا نبحث عن منزل، قل حجرة أقضي فيها أيامي في دمشق.

لم أكن أعرف مخيم اليرموك ولم أسمع عنه من قبل. ذهبنا إلى هناك حيث التقينا بصاحب مكتب عقاري دلنا على حجرة في منزل قال إن أصحابه أناس طيبون. استقبلتنا صاحبة المنزل. جميلة في نهاية عقدها الثالث. تفحصتني. ذبت خجلاً، فأنا من ذلك النوع من الرجال الذي يذوب خجلاً عندما تتقاذفه النظرات الفاحصة. تكلمت مع السمسار.

- نعم أنه طالب في الجامعة. قال لها.

- من أين؟ سألتني.

- من غزة.

وقفت حائرة. أحمد البدوي بجانبي. تفرسها جيداً. أبقيت عينيّ تائهتين في محيط المنزل. كنت أسترق النظر إليها، وعندما كانت تتنبه عيناها لعينيّ، أخفضهما بسرعة.

- هل ستسكنان معاً؟ سألت.

- لا. قال أحمد. فقط يوسف. وأشار إليّ.

- إذاً أنت يوسف! قالت.

- نعم. أجبت.

- أجرة الحجرة خمسون ليرة سورية في الشهر.

- لا بأس.

- أذن اتفقنا. قالت.

- متى يمكنني أن أسكن؟ سألتها.

- الآن إن أردت.

خرجنا من المنزل. حاولت أن أحفظ الطريق إليه. وعند مكتب السمسار، أعطيته خمسين ليرة سورية، وطلبت منه أن يكتب لي العنوان حتى لا أضل طريقي عندما أعود إلى المنزل. اشتريت وأحمد سريراً جديداً وحرام وفرشه وطاولة وكرسياً. ذهبنا إلى منزل أحمد الشاوي وأحضرت حقيبتي واستأجرت سيارة حملت أغراضي فيها وذهبت إلى منزلي الجديد.

وقفت السيارة أمام المنزل. ضغطت على جرس الباب فخرج لي صبي في حوالي العاشرة من عمره. تأملني جيداً ثم دخل المنزل. حضرت المرأة نفسها. وعندما رأت السائق والسيارة، فتحت الباب على مصراعيه وقالت تفضل. أنزلنا الأشياء على الأرض وذهب السائق. بقيت وحدي في المنزل. أعتذر أحمد عن الحضور معي متعللاً بأن لديه الكثير ليفعله.

دخلت حجرتي. واسعة ونظيفة. الدور الأول. المنزل كله مكون من طابق واحد. لم أعرف عدد الحجرات ولا مكان دورة المياه ولا المطبخ. لست في حاجة لذلك الآن. أشيائي ملقاة في أرض الحجرة. درت حولها. تحتاج لوقت كي أضع كل شيء في مكانه. نظرت إلى ساعتي. الخامسة مساءً. ساعة وتغيب شمس دمشق الغائبة أصلاً. صحوت على صوت المطر يطرق زجاج النافذة بشدة. اقتربت منه. أزحت الستارة جانباً فحال الزجاج بيني وبين صفعات المطر المتهاوي بشدة. تطل النافذة على شارع واسع. تأملته طويلاً. وتأملت المنازل المقابلة. صف طويل من المنازل المتراصة تحوي كماً هائلاً من اللاجئين الفلسطينيين.

كما كنت تحلم وحدتك المفضلة والمحببة إلى نفسك تحققت وذاك الاستقلال الذي عشت من أجله يستلقي بين يديك كم حلمت بذلك وأنت طفل بعد نوبة عراك مع ذيبه كنت تقفل الباب على نفسك ربما تبكي لم يفارقك الألم ولا الأمل بأن تستقل بذاتك وها أنت ذا تفعل مسألة النقود ستجد لها حلاً ألم يعدك أبن خالك بأن يرسل لك مصروفك الشهري كراتب موظف إذا دخلت الجامعة وها أنت ذا وسطها وزوج أختك سيرسل لك لا تخف المستقبل الماضي إنسه آه ذاك الماضي الذي يلاحقني بلا كلل أهل عليه تراب العالم وتخلص منه وفهيمه النجار تلك التي تنشقت رحيقها ثدياها كانا يتقافزان بين يديك وسط الأشجار في الطريق بين غزة وجباليا غاده ورده ندية نبتت وسط أشواك حياتك أمنية لا زالت تنغرس في ثنايا أفكارك أما ذيب وذيبه فهما الماضي بكل عنفوانه وجبروته هما الألم الذي لا يفارقك تركا بصماتهما في أفكارك وتصرفاتك حاولت وتحاول وستحاول اقتلاعهما ولكن هيهات هما الجرح النازف أبداً هما الجرح الدامي في نفسك هذه النفس المثقلة بكل ما هو ثقيل غاده هي الوردة التي داوى عطرها جراح نفسك تعمقت في أفكارك وأخرجت كل جميل منها دفعت الأمل إلى مقدمة المقدمة ونهله القدسي هذا هو الضوء الذي اخترق ظلام أفكارك فادفع به إلى الأمام أيام السجن الطويلة هذبت كثيراً من أخلاقك وأفكارك تخلص من تلك السطحية التي طبعتها ذيبه في ذاتك عمقها ذيب يمكن اقتلاعهما كيف ها أنت ذا وحيد وبعيد عنهما بإمكانك أن تفعل وستفعل أتذكر أيام السجن عندما حاولت اقتلاعهما ونجحت ابتعد عني أنت في هذه اللحظات أرجوك أو دعني أقص عليك كيف نجحت في اقتلاعهما كنت في سجن عسقلان وكان لكل حجرة شاويش نعم من المساجين مكثت في الحجرة شهراً من الزمان وضبطت تصرفاتي وحاسبت ذاتي بشدة على كل عمل تقوم به حتى أصبحت مثالاً للسجين السياسي المحترم كسبت حب الجميع في تلك الأيام اقتلعت ذيبه وذيب من حياتي كانت محاولة قاسية لكنها نجحت وعندما خرج شاويش الحجرة من السجن أردنا انتخاب شاويش آخر لقد علمونا الديمقراطية لا لا أهزأ بك إنها فعلاً كانت كذلك وتعلمنا النظام والانتظام وفي لحظة الاختيار هذه امتدت كل الأيدي نحوي يوسف هو شاويش الحجرة لا زلت أذكر ذلك جيداً أمضيت فترة أتصرف بعدل بين رفاق السجن وعندما اقتحمتني ذيبه ومعها ذيب بدأت أخطئ تراكمت هفواتي فاعتزلت لامني الرفاق لكن إصراري كان شديداً وهكذا نجحت في اقتلاعهما مدة طويلة ولكن مقاومتي ضعفت فتخليت عن موقعي لا لا يمكن أن يحدث هذا خارج السجن انزع عنك الماضي يا رجل وادخل الحياة من جديد سأحاول وفاروق وعبد الكريم أيضاً حثاني على ذلك

-هل بإمكاني أن أدخل؟

صحوت على طرقات على باب حجرتي وصوت تلك المرأة الرقيق. عدت إلى ذاتي. أو عدت أنا كما أنا كما قالت غاده لي ذات يوم. فتحت الباب. رأيت المرأة الثلاثينية أمامي وفي يدها كوب من الشاي. وعندما رأت أشياءي مكومة وسط الحجرة اعتذرت عن اقتحامها وحدتي.

- لا عليك. قلت. أنا أعشق المطر ووقفت أمام النافذة أتحسسه.

- أوتقبل كوب الشاي هذا؟ قالت. السماء ممطرة والبرودة شديدة، فقدرت أنك في حاجة لكأس من الشاي.

- أشكرك، ولقد فعلت ما كنت أفكر فيه.

- إذاً كنت تفكر فيما كنت أفكر فيه!

- هذا صحيح!

تناولت كأس الشاي منها وأشعلت لفافة. وعندما خرجت أقفلت الباب وعدت إلى مكاني المفضل، أمام النافذة. أنهيت لفافتي واستمتعت برشفات الشاي الساخن ثم بدأت أرتب أشيائي. وعندما انتهيت، وقفت أمام باب الحجرة لثوان. فتحته. لمحت ذاك الصبي أبن العاشرة، صحت عليه بصوت منخفض فأتاني.

- ممكن أكلم والدك. قلت له.

- لحظة من فضلك.

لقد نشأ بين جناحي والديه فتعلم كيف يخاطب الآخرين بأدب. قلت لنفسي. بعد لحظات عاد ومعه والدته. أظنها كذلك. ولكن أين والده؟ فأنا طلبت أن أقابل والده وليس والدته! لم أترك أفكاري تأخذني بعيداُ فربما كان في العمل أو في أي مكان آخر. فهؤلاء يعملون كثيراً في الليل والنهار!

- ماذا وراءك؟ سألتني برقة.

كنت قد بدأت أشعر بالجوع. كرهت أن أقول لها أنني سأذهب إلى مطعم مجاور لأتناول عشائي خوفاً من أن تقدم لي شيئاً.

- أريد أن أزور أصدقائي هنا. فهل من الممكن أن تعطيني مفتاح المنزل حتى لا أثقل عليكم عندما أعود. فأنا من الممكن أن أعود متأخراً.

- آه نسيت أن أعطيك إياه. قالت.

غابت لحظات ثم عادت والمفتاح في يدها.

- تفضل هذا هو مفتاح المنزل. وهذا أيضاً مفتاح حجرتك.

أخذتهما شاكراً. وقبل أن أخرج، أخرجت ورقة من فئة المائة ليره وأعطيتها لها.

- هذا مقدم شهرين.

- شهر يكفي.

- عندي من النقود ما يكفي لأن أدفع مقدم شهرين. قلت.

أخذت النقود. أرادت أن تعطيني وصلاً بهما. رفضت. خرجت من المنزل وسرت في أزقة متداخلة حتى وصلت الشارع الرئيسي في المخيم. يقال له شارع فلسطين. في ساحة هناك تزاحمت الدكاكين بجانب بعضها البعض. لمحت مطعماً يقدم الحمص والفول. دخلت إليه بلا تردد فمعدتي خاوية وأحتاج لأن أملأها. أردت أن أسعدها بعد أن أشقيتها كثيراً في تلك الأيام الطويلة في مخيم جباليا.

- مرحباً!

- أنت مرة أخرى؟!

- انتقلت من مخيم إلى آخر!

- وماذا في ذلك؟

- أما كان الأجدر بك أن تسكن وسط المدينة؟

- أصدقائي كلهم يسكنون المخيم.

- تمايز عنهم.

أذهلتني الملاحظة. أتمايز عنهم؟ ولم؟ أنا ما زلت أنا. يوسف بن يوسف الهلالي. ابن مخيم جباليا الذي تغبرت قدماه بتراب المخيم. حتى وإن كانت هناك فرصة لأن أسكن المدينة، فأنا أشعر بذاتي وبوحدتي في المخيم ووسط رفاق طفولتي. لا كنت ولا كانت المدينة إن نسيت من أنا وإن تخليت عن جذوري.

- اذهب عني هذه اللحظة. قلت له بحدة.

- لن أفعل.

- يا رجل!

- سأشاركك عشاءك.

- نقودي ليست كافية لأقذفها في جوفك.

- لا عليك! سأدفع أنا!

- كيف؟ قلت بذهول.

- سترى!

جلست بجانب النافذة أراقب المطر فعشقي له لا ينتهي. طلبت طبقاً من الفول وبعض المخللات. تذكرت محمود النجار. ليرحمك الله يا محمود. أما كان بالإمكان أن تخطئك تلك الرصاصة الغادرة؟! كيف لها أن تفعل وقد انتهت أيامه؟ وأنا متى تنتهي أيامي؟ سحقني السؤال. حقاً، متي تنتهي أيامي؟

- انتهيت؟!

- نعم. أجبت.

- إلى أين؟ سألني.

- إلى المنزل. أجبت.

- لن تبيت في هذا المنزل هذه الليلة! قال بسخرية.

- بل سأبيت فيه. قلت بتحد.

خرجت. لمحته يسير خلفي. تجاهلته. تذكرت أنني لم أدفع ثمن ما تناولته من طعام. رجعت إلى المطعم. ذهبت إلى صاحبه.

- عفواً.. لقد نسيت أن أدفع ما عليّ من نقود.

- لا.. لقد دفعت. قال بثقة.

نظرت إليه بذهول. ونظر هو إلي باستغراب. ثم أكد لي بأنني دفعت ثمن طعامي. خرجت. تجاهلت من يتبعني. لقد دفع ثمن طعامي. من هو؟! سؤال لن أقدر أن أجيب عليه. التفت خلفي، لكنه اختفى. أين ذهب؟ سألت نفسي. سيعود. لا بد له من أن يعود. لقد تعود عليّ وتعودت عليه.

دخلت إحدى الأزقة. سرت طويلاً دون أن أهتدي إلى المنزل. عدت مرة اخرى ودخلت زقاقاً آخر. لكنه كالأول أوصلني إلى منطقة لا أعرفها. درت حول نفسي، وبين الأزقة. لكني لم أهتد إلى المنزل. تماماً كما تهت في أزقة مخيم جباليا يوم ضربت ذيبه وهربت من المنزل. يومها أنقذني أبن خالي وأعطاني خمسة قروش ذهبت بها إلى مخيم الشاطئ عند قريب لنا.

لا زلت أدور في الأزقة. دقائق طويلة تلك التي قضيتها تائهاً. وأخيراً وجدت نفسي في نفس الساحة التي حاولت منها الوصول إلى المنزل. وعندما أعيتني الحيلة لأصل إلى هدفي، قررت أن أذهب إلى فندقي الأثير وأبيت فيه ليلتي. ركبت السيارة، فوجدته جالساً بجانبي وقد برزت أسنانه وهو يقهقه. لقد صدق وخسرت أنا التحدي. وماذا في ذلك؟ فأنا دائماً الخاسر. ربما يأتي يوم تتغير فيه اللعبة. ربما!

3

وصلتني ضحكته الساخرة، فامتعضت. ما له يلاحقني كظلي؟ تجاهلته، لكنه لم يتجاهلني. يتعمد إغاظتي. ورغم كثافة الرمال التي أهلتها على الماضي، إلا أنه يغوص بين ذراته ويعرضه أمامي بألوانه الفاقعة. لم يكن أمامي إلا أن أغوص فيه. الماضي. هو ما أبني عليه. هش ومتداع، ومع ذلك لا بد من الاعتماد عليه. وعندما دخلت حجرتي في فندق سوريا، دخل خلفي. حاول أن يزاحمني ويدخل أمامي. منعته. ولم يكن في مقدوري أن أغلق الباب دونه. استلقيت على فراشي فجلس بجانبي.

- ماذا تريد مني؟!

- هل مللت صحبتي؟!

- مللت اقتحامك وحدتي.

- تريد الاحتفاظ بخيبتك لوحدك. تكره أن أكون شاهداً عليها.

- إخفاقاتي تلاحقني كما أنت.

- أمن المعقول أن تضل طريقك إلى منزلك؟

سخريته قاسية. الأفضل أن أتجاهلها.

- هذا ما حدث. قلت بلا اكتراث علني أغيظه.

- لقد ضل الهلالي الكبير طريقه ذات مرة.

- هل بات ليلته في فندق؟

- لا.. ليس كما تظن.

- كيف؟

هو يحب ليالي الطرب. يألف الأنس رغم صرامته. ارتدى جلبابه وغطاء رأسه ومضى. سألته سعدى عن وجهته. غمرها بنظراته النارية، فانزوت في ركن الحجرة الطينية الواسعة. لم تخرج من بين شفتيه كلمة واحدة. خرج وبقيت سعدى تنتظر عودته. لقد انتظرت طويلاً. لكنه لم يعد إلا وقد كانت الشمس تشق طريقها في فضاء دير سنيد. أثار لهفتي. لم أستطع إخفاءها.

- أين ذهب؟ سألته بلهفة.

- لا تستطيع الاستغناء عني. ألم أقل لك؟

- تذكرني بما لا أريد أن أتذكره.

- لكنك لا تذكر ذلك.

- أقول لك الحق، لقد أثرتني.

في مساء ذلك اليوم حضر إلى دير سنيد غجري يصطحب غجرية فاتنة ومعهما قرد. يقوم الأخير بحركات بهلوانية تثير الضحك. تقاطر فلاحو القرية إلى حيث الغجري والغجرية وقردهما. كان الهلالي من ضمن أولئك الذين تصدروا المجلس. بدأت الغجرية ترقص وتتمايل. لفت انتباهها صرامة ذاك الهلالي. اقتربت منه. استجاب لها. أخذت تتمايل حوله وأمامه. تمايل هو طرباً. مالت نحوه، تلقاها بيديه. اقترب منها الغجري. جاوره القرد. وفي لحظات كان القرد قد اجتث الجنيهات العشرة من جيب الهلالي اللاهي بحركات الغجرية الحسناء. في نهاية الحفلة، تحسس ملابسه. لم يجد نقوده. أمسك بالغجري من رقبته وحمله في الهواء.

- إن لم تخرج الجنيهات العشرة أخرجت روحك. قال الهلالي بغضب.

برزت عينا الغجري من شدة قبضة الهلالي. يقال أنه إذا سدد الهلالي نظراته النارية إلى إحدى بناته، بالت على نفسها. أدركت الغجرية أن رفيقها ميت لا محالة. أخذت تصرخ بكل قوتها. تزاحم الرجال يريدون تخليص الغجري من بين مخالب الهلالي. لم يستطع أي منهم فعل ذلك.

- ستقتله يا يوسف. إطلق الرجل، وستعود جنيهاتك العشرة إليك. قال أحدهم.

- فليذهب إلى الجحيم. قال الهلالي.

قفزت الغجرية على ظهر الهلالي. تلقفها بيده الأخرى، فأصبح الاثنان في قبضتيّ يديه. وعندما اندفع الجمهور باتجاههم، حالوا بين الهلالي وروحيّ من بيديه.

- أين العشرة جنيهات؟! قال الهلالي والغضب يتطاير من عينيه.

- لا أعرف. قال الغجري بصوت غلب عليه البكاء.

واقع الحال أن الغجرية أخفت الجنيهات العشرة بين ملابسها الداخلية. ورغم أن أحدهم قام بتفتيش الغجريين، إلا أنه لم يعثر على أثر للنقود.

- سأترككما الآن. ولكن، وحياة من رفع السماء عن الأرض إن لم تعيدا العشرة جنيهات لي بعد ساعة، سأمسحكما عن وجه الأرض. ولقد صدق الهلالي. فما أن أصبح الصباح حتى كان الغجريان قد رحلا عن القرية ولم يعودا إليها مطلقاً.

أيقنت أنني نمت بملابسي. فأنا لا أملك غيرها. غسلت وجهي وأقفلت باب حجرتي ونزلت إلى الصالة. تناولت كأساً من الشاي مع لفافة ودفعت أجرة الحجرة وخرجت. عند الباب صادفت تلك الشجرة الندية التي سبحت بين أغصانها ذات ليلة عندما اقتحمت عليّ حجرتي. كان مرافقها شخص آخر. نظرت إليها. غرست عينيّ بين فخذيها. لم أكلمها ولم تفعل هي. دخلت هي وخرجت أنا في طريقي إلى الجامعة.

حتى منزلك الجديد ضللت الطريق إليه آما آن لهذه الأقدام أن تتخلى عن ضلالها ربما القلب هو التائه أفكارك هي أيضاً تائهة لا زلت تحمل بعضاً من النقود وميعاد محاضرتك مجهول لديك الطريق إلى الكلية أتذكر اليوم الأول الذي وصلت فيه بير زيت كطالب جامعي كم كان جيبك يحمل من النقود ليس كثيراً يومها لمحت غاده كانت كوردة فاقع لونها بين الورود الكثيرة التي تشاهدها لأول مرة تلفت الأنظار وأنت بملامحك الثقيلة لفت نظرها التقت عيناك وعيناها للحظات ثم بدأت الأيام تنسج قصة حب أتمنى ألا تنتهي هذا هو مطعم المصري على يمينك أدخله فالمعدة خاوية وأنت لا تقبل أن تعوي مرة أخرى لقد بح صوتها من كثرة النباح في أيامك الماضية ملأتها دمشق تحتضنك إنها تحتضن آلافاً مثلك أنت أنت تحتضنها إنها لك عجباً لقد نسيت ذيب وذيبه هل تحبهما يا لهذا السؤال الذي لا يفارق أفكارك هو أخي وهي تقول إنها ابنة عمك وعندما وجد ذيب رسالة فهيمه عاتبك كثيراً على الارتباط بمن فاحت رائحة عطرها في كل مكان لا يأكل المرء من صحن تركه الآخرون قال لك ومع ذلك كانت الواحة التي التجأت إليها من رمضاء الطريق وأنت وذيبه كنتما على وفاق سأبيع ذهبي لأقدم لك مهر فهيمه هي حلوة يا عبيد قالت لي ربما كانت تسخر مني لاحظ أنها نادتني بالاسم الأثير لدى سعدى وماذا في ذلك فهو اسمي الذي يعرفني به القاصي والداني ومع أنني لم أصدقها إلا أنها رتقت جزءاً من الجرح الغائر في النفس هي كثيراً ما رتقت هذا الجرح ولكن طغيان انتقامها كان يفتحه مرات كثيرة حتى أنه تقيح ولا أمل في شفائه وتلك القابعة في المنزل الجديد ماذا يدور في أفكارها ستنتظر لا تبادر بالغوص في الماء المالح حتى لا تكون ضحية أوهامك التي كثيراً ما أودت بك إلى مواقف فاجعة والجامعة هي إحدى الأمنيات التي تحققت التصق بها واحصل على شهادة تفتح لك الطريق لتعيش بأمان كما باقي خلق الله ربما تتخلص من شعورك بالدونية هذا الشعور الذي لازم أيامك كظلك إذا كانت النقود هي الطريق إلى الأمان فسهل أن تحصل عليها ولكن الشهادة شيء آخر لا تدع الفرصة تتسرب من بين يديك كما تاهت الفرص منك لا تته عنها هذه المرة سأفعل نعم سأفعل هذه مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية إذهب إليها ابتعد عني سأساعدك

- لا أريد مساعدتك. صرخت فيه فانتبه من بالشارع على صراخي. نظروا لي باستغراب. تجاهلتهم ودخلت المكتبة.

- كتب سنة أولى في قسم اللغة الإنجليزية.

قلت لصاحب المكتبة الذي بدأ يكومها أمامي. دفعت ثمنها وانصرفت.

- أين ستذهب؟ سألني.

- إلى الجامعة. قلت.

- ستترك الآخرين يرمقونك بنظرات مستفسرة وربما مستهجنة.

- إذاً إلى المنزل.

- ستضل طريقك كما ضللتها بالأمس. قال ساخراً.

وما العمل؟ سألت نفسي. تناسيته وتابعت سيري في ساحة المرجة. ومرة أخرى يدفع القدر بأحمد البدوي في طريقي. نظرت إليه. هو تائه بأفكاره في أماكن شتى. أحببت هذا البدوي وأحببت أفكاره. رمقت ذاك الساخر مني بنظرة شامتة. لن أضل طريقي. قلت له. فهذا البدوي سيدلني عليه. الأيام بيننا. قال ساخراً. تركته يلعق وخزات شماتتي واتجهت إلى البدوي.

- أحمد. صرخت عليه.

لم يلتفت. تابع طريقة بتيه هو إلى تيهي أقرب. لا وجهة له. كأنه يذرع شوارع دمشق جيئة وذهاباً. ما بال هذا التيه يسكن عقولنا؟ قلت لنفسي وحاولت مرة أخرى.

- أحمد....يا بدوي!

انتبه. أسرعت إليه. ضحك من قلبه عندما رآني. وضحكت أنا.

- أين أنت؟

- لقد تهت عن منزلي ونمت في الفندق.

- خمنت ذلك فأنت لا زلت مسكوناً بهم. قال. وأظنك تخلفت عن المحاضرة الصباحية. تابع ووجهه ينطق بالسعادة والسخرية معاً.

- هذا ما حدث. هل هناك محاضرات أخرى؟ سألته.

- لا..فاليوم هو الخميس وهذه هي المحاضرة الأخيرة عندنا هذا اليوم.

- لقد فقدت كثيراً من المحاضرات ولا يضيرني أن أفقد واحدة أخرى. أتذهب معي إلى المنزل؟ سألته.

- هيا بنا.

أقدام مغبرة تسير في شوارع ضيقة وسيارات فقدت لونها تسير مسرعة ولا مبالية. وقفنا في محطة الحافلات ننتظر وصول إحداها. نريد أن نذهب إلى المخيم. هناك شارعان رئيسيان لمخيم اليرموك. شارع فلسطين وشارع اليرموك. انبسطت أساريري عندما عرفت من أحمد أنني أسكن شارع فلسطين. لماذا؟ لا أدري. ربما لأنه يحمل أسم البلد الذي أدعوه الوطن. هذا الوطن الذي أنوء بثقله. لماذا فلسطين؟ يقولون أنه القدر. هل أنت نادم أنك فلسطيني؟ لا والله لست نادماً. ربما فخور أنا كوني فلسطينياً! شعب مميز. لا تكن عنصرياً. وكيف هذا؟ أن أفخر بما أنتمي إليه يسمى عنصرية؟ لا أنا لست كذلك. كل ما في الأمر أنني ولدت هناك والتصق الاسم بي. ولأننا كذلك التصقت المآسي بنا نحن أبناء ذاك الوطن المسروق.

فلسطين!

كانت بلداً وأصبحت شارعاً كم تقزم هذا الوطن أوترانا نتعمد تقزيمه ربما قرى ومدن وموانئ وشوارع وحدود إلى شارع وحيد في مخيم مملوء باللاجئين يا سبحان الله وهم تجمعوا من كل أماكن شتاتهم وسكنوا مدننا وقرانا نقتلع ويزرعون مكاننا أي عدالة هذه وأي قدر سلط علينا وماذا نعمل نحن ننتظر ما تجود به علينا وكالة الغوث من طحين ورز وزيت وسكر وخلافه وفي بداية كل شتاء حزمة من الملابس ملت أصحابها الأصليين فاستجارت بنا لنستر بها ما لا يستر وهل تستر الهزيمة والهوان والكرامة المسلوبة كنت انتظر تلك الحزمة من الملابس بفارغ الصبر ربما أجد بنطالاً ألبسه لقد وجدت ذات مرة بنطالاً من الجينز ربما كانت تلبسه فتاة أمريكية سالت المياه القذرة عليه فاقتلعته وكأنها تقتلع خطيئتها وتلقي به وبها بين الحزم فوصلني لبسته فضغط على فخذي ووسطي ومع ذلك واصلت لبسه وأسميته بنطال شن الغارات لا تكن أحمقاً كيف أشن غارات على الذي سرق أرضي وكرامتي وأولئك الذين يتربعون على الكراسي الوثيرة لا تحلو لهم جلسات اللهو والسمر إلا معهم كنت أذهب وجهاد إلى بيارات البرتقال نقتنص منها ما تصل إليه أيدينا من البرتقال الذي كان يملأ بياراتنا هناك في دير سنيد وفي نهاية الموسم اكتشف جهاد ثلاث شجرات محملة بالبرتقال من النوع الجيد احتفظ به أصحاب البيارة حتى يستمتعوا به في غير وقته حدثني في الأمر فقلت له لنغزها الليلة لبست بنطال شن الغارات وحملت كتابي وغادرت المخيم مع جهاد بعد انتهاء اليوم الدراسي وفي المساء عندما انعدمت الأقدام تسللنا عبر البوابة الكبيرة خلف سيارة شحن ضخمة تابعت هي طريقها وانحرفنا نحن باتجاه الهدف الذي درسنا الطريق إليه جيداً تسلقنا إحدى الشجيرات الثلاث كان جهاد قد أعد عدته فأخرج مخلاة ملأها بالبرتقال أما أنا فاقتلعت فانلتي الداخلية ربطت طرفيها وحشوتها بما لذ وطاب من البرتقال وعندما أردنا الخروج من البيارة طاردتنا الكلاب تفرقنا قفزت أنا من فوق السور رآني رجل يركب دراجة حياني بسخرية لكنه تابع طريقة وقفزت فتناثرت حبات البرتقال لم أتركها تضل طريقها جمعتها وسرت وكأني عابر سبيل وفي وسط الشارع صادفت جهاد هل أنت بخير سألته نعم والبرتقال هو ينتظرني في أول منعطف وعندما وصلنا منازلنا كان ذيب وخالي ينتظراننا شاهدا البرتقال الذي نحمله تطاير غضبهما ودخلت المنزل فانتثرت حبات البرتقال بين فكيّ ذيب وذيبه

- ها قد وصلنا.

صحوت على صوت أحمد البدوي يطلب مني النزول من الحافلة. فعلت.

- أين العنوان؟

أعطيته له فقادني إلى المنزل. أخذ الآخر يرمقني بنظرات الشماتة والاستهزاء. تجاهلته. هكذا يجب التعامل معه حتى لا أزيد شماتته. قلت لنفسي وضغطت على جرس الباب. خرج الصبي الذي لا أعرف اسمه حتى الآن. وعندما رآني صرخ بأعلى صوته.

- ماما ها هو يوسف وقد عاد.

أيقنت أنها قلقت عليّ. صراخ ولدها عبّر عن مقدار قلقها. داريت أفكاري عندما خرجت والدته تستقبلنا. رأيت اللهفة تتقافز من عينيها. خجلت من نفسي. وعندما رأت البدوي بجانبي كبحت مشاعرها. تماسكت وارتدت قناع الهدوء.

- أين ذهبت؟ لقد قلقنا عليك. قالت بهدوء.

- لقد ضللت طريقي فنمت في الفندق.

- خمنت هذا. قالت. ولكنك قلت أنك ذاهب إلى أصدقائك.

- لم أهتد إلى منزلهم أيضاً وعندما ضاقت بي السبل التجأت إلى الفندق.

اللجوء! ما كنه هذه الكلمة؟! تلتصق بشفتيّ. ليتها كذلك فقط. إنها تلتصق بذواتنا أيضاً. وعندما لفظتها اهتز أحمد البدوي. لقد حصل على جواز سفر أردني مؤقت ومع ذلك أظنه يعاني مثلي. ربما معاناته أقل، لكنه يعاني فبئر السبع، بلده، على مرمى البصر. والبدوي يعشق الترحال. وأحمد بدوي أصيل ولكن ثقافته التي استمدها من الكتب الكثيرة التي قرأها أعادت له وعيه بالمأساة.

دخلنا المنزل، ثم انحرفنا باتجاه حجرتي. لقد تركتها مفتوحة، وأدهشني أن أجدها نظيفة ومرتبة. جلست على السرير وجلس أحمد على الكرسي الذي اشتريته. تزاحمت الكتب على الطاولة. نظرت إليها. انتظري قليلاً، فسأعود إليك. قلت لها.

- هل حفظت الطريق؟ سألني البدوي.

- أظنني كذلك. قلت.

- لا تظن. بل تأكد. قال بحدة محببة.

- سأحفظه. فلي ذاكرة أظنها قوية.

-أعرف ذلك منذ أيام المدرسة الإعدادية.

دخل الصبي بفناجين القهوة. سعدت برؤيته. وضعها على الطاولة وأراد أن يخرج. أومأت له أن انتظر، فانتظر.

- ما اسمك؟

- وسيم.

- وسيم من؟

- وسيم علي الحمدان.

قدمت له ليرة سورية. رفض أن يأخذها. أصرّ عليه البدوي. قبلها بتردد. وبعد دقائق حضرت السيدة. هادئة ولكن جمالها ينطق بتحد غريب.

- يوسف. قالت بصوت رصين.

- تفضلي. قلت بصوت يحاكي رصانة صوتها.

- أعرف أنك كريم، ولكن لي رجاء إلا تقدم لوسيم أية نقود. قالت وكأنها تأمرني.

- هذه لنباهة وسيم، وليس لأنه قدم لنا القهوة. قلت بصوت معتذر.

- مهما كان السبب، أرجوك ألا تقدم له نقوداً بعد الآن.

- كما تشائين. وأرجوك ألا تغضبي.

- أنا لست غاضبة. قالت وانصرفت.

مكثنا عدة دقائق صامتين. عمقت نظراتي في وجه البدوي أريد أن أقرأ أفكاره. لكنه كان صخرة صماء يصعب الحفر فيها.

- أنت محظوظ يا يوسف. قال.

- ومن أين لي هذا الحظ الذي تتكلم عنه؟

- جارتك هذه ستجعل حياتك سهلة وربما ممتعه.

أخيراً باح بما يجول في خاطره. لم أجبره على ذلك. تبرع هو بالتعبير عن خواطره. في قرارة نفسي تمنيت أن تتحقق نبوءته.

- ماذا تعني يا أحمد؟ سألته محاولاً أن أجبره على البوح أكثر عما يدور في رأسه ممنياً النفس أن يخوض فيما يخبئه لي القدر مع هذه السيدة.

- لا.. لا تذهب بعيداً. لا أعني إلا ما قلته.

خذلني. لم يقل ما أود سماعه. أخرجت علبة لفائفي. قدمت واحدة له. تناولها وبدأنا ندخن باستمتاع. وبعد أن انتهينا من شرب القهوة سألته.

- كم من المحاضرات فاتني؟

- الكثير.

- وهل تعتقد أنني سأعوض ما فاتني؟

سؤال من تلك التي تنطلق بلا استئذان. ماذا أفعل وقد تسرب من بين شفتيّ؟ يمكن لسامعه أن يكوّن صورة واضحة عن شخصيتي. لا أظن الظنون تذهب بالبدوي بعيداً ويحلل شخصيتي من سؤالي هذا. وفوق ذلك فهو يعرفني جيداً.

- أعتقد ذلك. وسأمدك بكل المحاضرات السابقة.

- وأي من الروايات أبدأ بقرائتها الآن؟

- اللؤلؤة لجون شتاينبك.

بحثت عن الرواية. وجدتها. صغيرة الحجم، ويمكن قراءتها بسهولة. قلت لنفسي. أمضينا بعضاً من الوقت نتحدث في مواضيع شتى. بعدها غادرني البدوي وبقيت وحدي.

كما تحب وتهوى. وحدتك الأبدية. أغلقت باب حجرتي، فاكتملت وحدتي التي أعشقها. جلست على مقعدي بمحاذاة الطاولة. فتحت الرواية على الصفحة الأولى. حاولت أن أقرأ. تداخلت حروف الكلمات مع بعضها البعض. دققت النظر. لا فائدة. غابت حتى الحروف. كنت أنظر إلى صفحة خالية من الكلمات. ما الذي يحدث؟ كنت أستعد لامتحان الشهادة الإعدادية. امتحان الجغرافيا. ومادة أخرى نسيت ما هي. كان ذلك منذ سنوات طويلة يوم كنت مطوقاً بساديتهم وشهوة الانتقام لديها. الكل لا يكلمني، حتى أولادهم. كيف بدأت المشكلة؟ حتى تلك نسيتها. تلاسنت وذيبه. لو كانت سعدى حية ترزق لأتتني بكأس من الشاي. حتى هذه لم أنلها. لا أعرف طعم الشاي إلا لماماً. ولست في حاجة إليه. حتى الآن بعد أن ملكت حريتي لا اشتهيه. إن وجدت كأساً من الشاي شربته، وإن لم أجده لا أطلبه. أغاظتني. كيف؟ لا أدري ولا قدرة لدي على التذكر. كانت تعرف كيف تثير الغضب في نفسي وتكومه فوق كل أحلامي وهدوئي. لا أريد أن أدرس! صحت فيها وخرجت. تلقفني ابن خالتي الذي يكبرني بسنوات عديدة. كان أيضاً يتقدم لامتحان الشهادة الإعدادية محاولاُ أن يرقى درجة ثانية في وظيفته. دعاني لأن أدرس معه. استحسنت الفكرة ودخلت معه المنزل. بدأنا نذاكر معاً. حضر الأستاذ سالم. هو قريب لنا. أين هو الآن؟ إنه مدرس في السعودية. كان قد تخصص في علم الجغرافيا. بدأ يساعدنا ويلفت نظرنا إلى ما هو مهم. وفجأة دخل علينا ذيب. كيف دخل؟ لا أعرف. كيف عرف أنني هناك؟ لا أعرف أيضاً. المهم إنه كالقدر وقف أمامي. نعم أمامي أنا. تجاهل الآخرين. كانت أنيابه بارزة ووجهه ينطق بكل الكراهية التي يكومها داخله. من أين له بكل هذه الأحقاد؟! ارتعدت أطرافي. كانت ليلة الأحد ولا يريد لليلته هذه أن يفسدها عليه أحد، حتى أنا. أنت يا مسكين! من أنت بالنسبة له؟ الآن وأنا أتذكر عرفت لماذا تصرف معي بكل هذه الشراسة. لقد أمسكني من أعلى قميصي خلف وجهي. حملني بكل احتقار. إذا كنت لا تريد أن تدرس فلماذا أتيت هنا؟ لم أجب. ومن أين لي أن أنطق فمظاهر الكراهية والاحتقار التي كانت تشع من عينيه أذابت لساني بين فكيّ. لماذا بلاني الله بك؟ تابع فحيحه الذي تفتت حرارته الصخر. تابعت صمتي. نظر ابن خالتي إليه ببلاهة. وكذلك فعل الأستاذ سالم. من أين لي بداهية تأخذك عني. يا لطيف يا الله. هل هذا هو أخي؟ ولولا تأكيد أقاربي بقوة شرف والدتي لظننت أن أحدنا كان تائهاً وتعثرت قدماه فاندلق في منزلنا. دفعني بقوة فوقعت لحسن حظي على الكرسي. تجمد الدم في عروقي. تحسسته بيديّ. تشنجت كل جوارحي. اتركه يا ذيب، فغداُ عنده امتحان. قال الأستاذ سالم. وهل سيصبح دكتوراً؟ لا أريد دكترته! قال بسخرية واستهزاء. رمقني بنظرة حارقه، ثم خرج دون كلمة اعتذار لابن خالتي الذي اعتدى على حرمة منزله. لا تلتفت إليهم، وغداً ستنجح وتصبح دكتوراُ وتنساهم. قال لي الأستاذ سالم مواسياً. ولقد كانت نظرات تعاطفه معي هي ما أعادت دورة دمي إلى سابق عهدها. بدأ وجهي يسترد لونه الطبيعي. وبدأت أشعر بذاتي المحطمة. لكني لم أعلق على ما حدث. وظني أن ذيب ذهب وحدث ذيبه بما فعله بي ليحمي ليلته من الضياع. كنت اعتدت على الإهانات ونظرات الاحتقار والكراهية التي يسددونها لي. لحظات وبدأت أدرس من جديد. كان تصميمي على أن أنجح وأصبح دكتوراُ قد أزداد باطراد. ولقد نجحت نجاحاً باهراُ حيث كنت من العشرة الأوائل على المدرسة كلها. أصبحت مشهوراُ في محيط مخيم جباليا بأنني من عباقرته المظلومين.

صحوت على طرقات خفيفة على باب حجرتي. مكثت جزءاً من الثانية شارداً ثم استرددت ذاتي ثانية. فتحت الباب وأذ بالسيدة الثلاثينية تتجسد أمامي.

- تفضلي. قلت لها بصوت خافت.

عندما نظرت إليّ، انتابتها قشعريرة خفيفة رأيتها تسري من رأسها حتى قدميها. يبدو أن ألم الذكرى كان يشع من عينيّ. حاولت أن أهدئ نفسي، فشلت.

- تفضلي. قلت مرة أخرى.

- يبدو أنني حضرت في وقت غير مناسب. قالت بصوت ساحر.

- بالعكس، فأنا في حاجة لأن أتحدث مع شخص ما. قلت صادقاً.

دخلت. لم ألحظ كأسي الشاي وهما يستلقيان على الطاولة. عندما انتبهت، أخرجت لفافة من علبة لفائفي وأشعلتها. ترددت لحظة، ثم قدمت لها واحدة بيد مرتجفة. لدهشتي قبلتها. ثم بدأنا ندخن معاً ونرتشف الشاي الذي بدأ يدفئ أجسادنا في هذا الشتاء البارد.

- من أين أنت يا يوسف؟ سألتني برقة.

- من فلسطين.

- من أي بلد في فلسطين؟

هذا هو السؤال الذي أنتظره دائماً ولا يتأخر في زيارتي عندما أقابل أحدهم لأول مرة. لا بأس. سأقول لها الحقيقة.

- من غزة.

قلت وعمقت نظراتي في عينيها لأرى رد فعلها.

- أولئك الذين زرعوا الرعب في قلوب الإسرائيليين!

ها هي قد أنصفتك على غير ما كنت تتوقع. إنها تقدر ما نقوم به. لماذا يعتبرنا الآخرون من جنس آخر غير جنس البشر؟!

- كيف؟!

ذهلت. نظرت إليها، وجدتها صامتة وعيناها تحدقان في لا شيء. إذاً هي لم تنطق. من إذاً الذي سألني؟ سألت نفسي.

- سألتك فأجبني!

إنه هو مرة أخرى. كيف دخل حجرتي؟ لا أراه. لكني أحس به. ولحسن حظي فأن السيدة لم تره.

- ألا ترى كيف يعاملوننا إذا انتقلنا من بلد إلى آخر؟

- كيف؟

- يحتجزوننا حتى آخر قادم. ثم يبدأ التحقيق ومعه تبدأ رحلة العذاب بين الأسئلة والأجوبة والشك الذي يبرق من عيون المحققين.

- ولكنهم لا يهينونكم!

- وما هي الإهانة؟ هل تعني الضرب؟

- هذا ما أعنيه.

- وامتهان الكرامة؟ ونظرات الريبة؟ ماذا تسمي هذا؟ أن لا تعامل كالآخرين، هي الإهانة بعينها. ثم أنهم قد يمنعونك من الدخول، أو يرحلونك على نفس الطائرة التي حضرت عليها. هذا كله هو الإهانة بعينها.

صمت وصمت أنا. انتبهت السيدة.

- كيف حضرت إلى دمشق؟ سألتني .

- ببطاقة فدائي.

- كلهم يفعل هذا.

- حقاً؟

- أولا تعرف ذلك؟!

- دمشق شيء آخر. تشعر كأنك في وطنك.

- وما هو الوطن؟ سألني.

- ذاك هو السؤال!

صمت فالصمت ملاذ قليلي الحيلة وأنا منهم. معظمهم يفعل ذلك. من أين لهذه السيدة أن تعرف؟ هذا شأنها. قلت لنفسي. الجهل زينة العقل أحياناً. لا تتحامق. الجهل جهل والعلم علم والدهاء دهاء وكل له أصحابه.

أنا تائه في صحراء مترامية واحاتها كثيرة ألقي نفسي في كل واحة وأجد فيها ما يذيب ذاتي فتنسكب بين يديّ أتلمسها تستسلم لي أقترب منها تبتعد من العدم أوجدت لنفسك مكاناً تحت هذه الشمس حافظ عليه أنت الآن في الجامعة وفي قسم مملوء بالحسناوات سوريات وفلسطينيات ألتقط أي وردة يقذفها القدر أمامك لا تتردد فالتردد من شيم الضعفاء وأنت تحاول أن تكون قوياً كيف وأنت سلبت من ذاتك طيلة تلك الأيام الماضية التي قضيتها مطية لأحقادها وجبروته وتلك الوردة الندية هناك في بير زيت أحفظها في قلبك واروها من دمائك فلا بد أن الأيام ستجمعك بها وفاروق وعبد الكريم صدى أيامك في جباليا وبير زيت لا تنسى بيت لاهيا وعمان محطة في سنوات تيهك التي تبدو طويلة والعودة إلى غزة حلم سيطول انتظارك له ليتحقق أنت أنت ودمشق محطة زاخرة بكل ما يريح النفس ونفسك هذه المحطمة تحتاج لما يريحها ها هي دمشق تفتح ذراعيها أقذف بنفسك بينهما أرح جسدك وروحك المنهكة بينهما حاول لملمة أجزاء هذه الذات المحطمة وسترتاح وذيب وذيبه عالقان في هذه النفس الخربة يا رجل آلاف الأميال تبعدك عنهما لكنهما ملتصقان بالذاكرة وبالنفس عمان الحبال التي كانت تصلني بأحبائي قصيرة طالت وتباعدت المسافات اقرأ وأنت الذي قرأ القصص البوليسية وقصص أرسين لوبين ونجيت محفوظ والسباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس قرأت أيضاُ لسومرست موم الخطيئة السابعة مترجمة كم قرأت اقرأ الآن فاروق كان يمدك بالقصص والآن جيبك مملوءة بالنقود في إمكانك أن تشتري ما تشاء من القصص وها أنت ذا في قسم اللغة الإنجليزية والأدب الأمريكي والإنجليزي أمامك ستسترد ذاتك حاولت الكتابة وأنت في المرحلة الإعدادية كنت تكتب مذكراتك تجمع الأوراق البيضاء تخيطها معاً وتصنع منها دفتراً تخط عليه ذكرياتك وكان ذيب يقرأها كل يوم ليعرف أخبار البيت حيث كنت تكتب عما تفعله ذيبه صعب عليك أن تتحكم في مفتاح ذاكرتك تتركه لحظات فتنسكب مصائبك أمامك تحيل لحظتك إلى كابوس من الألم واللوعة تترك من حولك وتعيش في ذاتك أنت وحيد حتى بين الآخرين حاول أن تتجانس مع واقعك فقط حاول فربما تنجح

- لقد ذهبت بعيداً! قالت بصوت عذب.

- استميحك عذراً. فغزة تجذبني إليها حتى وأنا بين أصدقائي.

قلت وحاولت أن أسترد ذاتي إلى لحظتي.

- هل أهلك هناك؟ سألتني.

- ماذا تعنين؟

ارتسمت الدهشة على مساحة وجهها. سؤالها واضح لا يحتاج إلى إيضاح. زمت شفتيها ورفعت حاجبيها مستنكرة سؤالي. ومع ذلك حاولت إيضاح ما هو واضح.

- أقصد والديك وأخوتك.

- لم أر والديّ، ولي أخ عشت معه وآخر توفي، وأما أختي ففي ليبيا مع زوجها وأولادها منذ مدة طويلة.

بكلمات قليلة وأسلوب مباشر فردت قصة حياتي أمامها، ومع ذلك بقي شيء غامض حاولت أن تستوضحه في أفكارها. مكثت هنيهات تفكر ثم سألتني:

- لم تر والديك؟

- توفيا بعد مولدي.

- حادث؟

- لا.

- إذاً كيف؟

- وفاة طبيعية.

تيبست عيناها على صفحة وجهي. حاولت أن تقرأ ما هو مخفي في ثنايا عقلي. وظني أنها قرأت كثيراُ، فأنا أبدو كصفحة مطبوعة ومفتوحة لمن يريد أن يقرأ. عندما رفعت عينيّ لألتقي عينيها لمحت علامات الأسى تتراقص بين جفونها. لكن فكرة أخرى طفت على سطح مستودع الأفكار. تكدرت. أوتكون هي الأخرى فكرت فيما أفكر فيه؟ لا أؤمن بذلك. لا..ليس شؤماً. ولكن الفكرة السائدة هي كذلك. انتزعت الفكرة وقذفت بها في سلة القاذورات التي أحتفظ بها دائماُ في زاوية من عقلي. الأفكار المهترئة يجب أن تستلقي بلا حراك.

أصبحت أكواب الشاي فارغة. أشعلت لفافة ثانية وقدمت لها واحدة. اعتذرت بأنها لا تدخن كثيراً سألتني عن الغداء وهل لدي رغبة في تناوله. أكدت لها بأنني أفطرت متأخراً ولا رغبة لي في الطعام. مكثت دقائق، ثم استأذنت وخرجت. بقيت وحدي. ألقيت نظرة على الباب. مغلق. أقفلته بالمفتاح. تخلصت من ملابسي كلها إلا ما يستر عورتي. تمددت على السرير وأشعلت لفافة ثالثة بدأت أنفث دخانها في فضاء الحجرة. صعدت معه إلى فضاءات واسعة. غاده. الجمال الهادئ الذي يتسلل إلى القلب بسهولة ويسر. صفان من اللؤلؤ يستوليان عليك على حين غرة إذا ما ابتسمت، وهي قليلاً ما تفعل. وأنا بجانبها نتوه معاً في ثنايا الحياة. حدثتها مرة عن آمالي وكيف سأشتري سيارة وأضع الستائر في أرجائها حتى لا يراها أحد غيري. ابتسمت فلمعت حبات اللؤلؤ. نظرت إليها مشدوهاً. ارتخت أجزائي وأحاسيسي أمامها. صمت وعندما طال صمتي لمست يدي فازداد هذيان روحي. نظرت لها، فانطلقت منها ضحكة خافتة. شعرت أنها تغلفني بخيوط من حرير. رفعت يدي أريد أن أزيح بعضها حتى لا تحجب ناظريّ عن الجمال السائر بجانبي. أثارتها حركتي. يوسف. صوت موسيقى هادئة يتسلل عبر حبات اللؤلؤ المصفوفة على الصفحة البرونزية ذات الغيمة التي توشك أن تسكب ماءها على الأرض العطشى. غاده. قلت بهمس. يوسف. ماذا جرى لك؟ قالت. هل تخدرت بفعل ما سكبته في جوفك من نبيذ مجهول أصله؟ أنا فعلت. وعندما لامست يدي، ارتعشت أطرافي. عدت مرة أخرى للحياة. زاد صمتي. في الجنة التي صنعتها أنا. غابت أحاسيسي في ثناياها. تجولت في ساحاتها. ظهور فاروق وعبد الكريم أعادنا إلى دنيانا.

- أيها الدميم! قال فاروق.

- التناقض يخلق جمالاً لا مثيل له. قال عبد الكريم.

حتى أنت يا كريم؟! ما بالك تجاري هذا الفاروق في سخريته الرائعة؟ أحبهما. هما كذلك يوداني. وغاده تعرف ذلك.

- من أين تأتي الذئاب الهائمة؟ قلت. كنت في مأمن من شرها، لكنها تأبى إلا أن تعيد أسري. تابعت واتجهنا إلى مبنى كلية بير زيت.

وفي الصباح التقيت البدوي والشاوي بصحبة طلاب آخرين عرفت منهم عياد الهادي وعبد الرحيم الحفناوي. بعد المحاضرة تجمعنا مرة أخرى في كافتيريا الكلية. صعب أن تقارن بين اللحظتين. لحظتي مع غاده وفاروق وعبد الكريم وهذه اللحظة. جلسنا وأصرّ البدوي على أن يزودنا بالشاي والسندويشات لمن يريد. كنت أنا أحد الذين حصلوا على الساندوتش وفنجان الشاي. أخرجت علبة لفائفي. دخنت لفافة وهكذا فعل البدوي وعياد الهادي. نحن فقط الذين ندخن. بعد لحظات انضم لنا طالب مصري الجنسية يقال له أبو على. وأبو على هذا مكث في جامعة دمشق فترة طويلة حتى أطلق عليه لقب شيخ الطلبة. استولى على الجلسة بقفشاته وأحاديثه المضحكة. اختار من بيننا أحمد البدوي وقال له سأكشف لك عن حظك.

- أوتستطيع؟ قال البدوي ضاحكاً.

- بالتأكيد. قال أبو على. أعطني نصف قرش.

تردد البدوي، فأخرج أبو علي النصف قرش وقدمه لأحمد البدوي وطلب منه أن يضعه في أحد كفيه. لا تدعني أرى إي من يديك يحتوي النصف قرش. وعندما فعل البدوي ذلك، قال له أبو علي "هات النصف قرش." تحسسه ثم قال للبدوي:

- أنت بدوي، أيامك زاهية وستتخرج من الجامعة إن شاء الله.

- هذا ليس الحظ. قلت ثم تابعت، وعرفت أنه بدوي من لهجته. هذه ليست حكاية صعبة. ابحث لك عن شيء جديد.

- انتظر قليلاً. قال. ثم وجه حديثه للبدوي.

- افرد كفيك وقل سأنال ما أريد.

- سأنال ما أريد. قال البدوي بلهجته النافرة.

- لا.. مش كده. قل ذلك بصوت حنون. قال أبو علي.

- سأنال ما أريد. قال البدوي محاولاً أن يقلد لهجة أبو علي الجميلة.

- أيوه كده. ثم وضع إصبعه الوسطى في يد البدوي قائلاً هذا ما تريده.

انفجرنا ضاحكين. وكذلك فعل البدوي رغم أنه هو من تلقى الهدية من أبي علي. ولكن من يغضب من هكذا مواقف وبالذات من أبي علي هذا؟ وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي أراه فيها. بعدها لم ألتق به قط ولا أدري أين ذهب.

في المساء عدت إلى البيت. دخلت حجرتي دون أن أرى أحداً. أغلقت الباب وتخلصت من ملابسي. لبست البيجاما هذه المرة وتمددت على السرير. أردت أن أغفو قليلاً قبل أن أبدأ مذاكرتي.

- لقد سهوت عني. تركتك ونفسك حيناً من الزمن آملاً أنك ستلتفت لي. لكنك تماديت في سهوك. قلت عليّ أنا أن أذكره.

- عدت ثانية! قلت له باستياء.

- وددت أنا أن تعود أنت.

- يومي مملوء بما أود القيام به. أظنك تقدّر ذلك!

- وهل هذا ما تعتذر به عن عدم لقائي؟

- ماذا وراءك؟ قلت منهياً فترة المجاملات التي لا أحبها كثيراً.

- كيف ترى حياتك الجديدة؟

- كيف تراها أنت؟ أعدت السؤال عليه.

- رغم أنك تناسيتهما، إلا أنهما في أعماقك، يديران تصرفاتك دون أن تدري.

- أوتقول الحقيقة؟

- بكل تأكيد.

يتهدم البناء إذا كانت قاعدته هشة. وكما قال فأنهما أسسا لي قاعدة متآكلة مملوءة بالثقوب. عدت إلى الهلالي الكبير وسعدى. أما كان بالإمكان أن يبقيا معي حتى أجتاز مرحلة التأسيس تلك؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يرفع يد القدر عنهما؟ قلت لنفسي. ما كان قد كان وعليك أن تصنع مستقبلك بنفسك. كيف؟ وذيب وذيبه يحرسان طريقك ويحددان سلوكك. أنت.. كن كما أنت ولا تبالي. وحياتك ستكون كما هي حتى وإن حرفتها عن حركتها الطبيعية. سأحاول. حاول ربما تنجح! أنت من يقرر. نمت. نمت بعد أن اشتعلت اللفافة حتى النهاية. قذفت بعقبها في صحن اللفائف ونمت. نمت بعد أن طرت مع هواء اللفافة الذي تصاعد حتى سقف الحجرة ثم اندثر. نمت دون أن يزعجني أحد. حتى السيدة الثلاثينية التي تمنيت أن أراها قبل أن أنام لم أرها. نمت.

بدأت أصعد الجبل. طريق طويل متعرج تنتثر فيه الصخور والنباتات وتمتد على مدى البصر. عليّ أن أتسلقه. قطعت مسافة ليست بالقليلة في طريقي إلى القمة. توقفت. استظللت بظل صخرة ضخمة. ارتكزت عليها في الوضع واقفاً. نظرت إلى أعلى. لا زال أمامي الكثير لأصل. لم أشعر بالإحباط بعد. خانتني قدماي.اهتزتا أسفل جسدي المتداعي. جلست. مددت ساقي على طولهما. ارتعبت. ثعبان ضخم قادم من بعيد. تعاميت عنه. ربما لا يقترب مني. قلت لنفسي. لا زال يتقدم. بدأت أنفاسي تتصاعد بشدة. صدري رأس قط ينتفض بعد أن غمر في الماء. اقترب مني. تيبست أطرافي، فانعدمت حركتي. توقف الدم في عروقي. إنه ثعبان! وأي ثعبان! ضخم ومخيف. بني اللون مبقع بنقط سوداء. أحاطني. ليفعل ما يشاء. حدثت نفسي. فأنا بلا حول ولا قوة. ومتى كنت بحول وبقوة؟ توقعت أن يقتلع روحي وأن يوقف تنفسي. لم يفعل. ذهلت. دائماً يتملكك الذهول. كرة أنت تتقاذفها الأقدام. ما يصدر عنك هو رد الفعل فقط. استسلمت لقدرك. تماماً كما فعلت يوم ألقوك في المجنزرة وأقدامهم تضغط على رأسك وكل أنحاء جسدك. يومها تمنيت أن تنفجر تلك المجنزرة وأنت وسطها. اليوم تتمنى أن ينفجر هذا الثعبان وحده وتبقى أنت. التف حولي. رأسه يحاذي أنفي. أوهكذا تكون النهاية؟ ثعبان يعتصرك حتى تختنق؟ قاوم يا رجل! ومن أين أحصل على القوة لأقاوم؟ أفرد أمانيك أمامك واتل صلاتك الأخيرة، فأنت معلق بين عضلات ثعبان لا يرحم. توقعت النهاية أن تكون قريبة، لكنها طالت. لذهولي لم يعتصرني. ها أنت ذا تعود للذهول مرة أخرى. حياتك لحظات من الذهول والدهشة والاستسلام. أما حان الوقت لتقرر أنت مصير لحظتك؟ تحسست ذهولي. أمسكته بيديّ، رفعته فأصبح أمام ناظريّ، وجهاً لوجه كما يقولون. قلت له أنه لم يؤذني، أنه حتى لم يحاول. ابتعد عني. تحسست جلده بأحاسيسي. ناعم الملمس. تحسسته بأنفاسي. رائحة مريحة تنبعث منه. عجبت. تتعجب؟! عدت للأحاسيس التي تصورك كقشة تتطاير مع نسمات الهواء. مكث طويلاُ يطوقك بعضلاته. مرتاح أنت له، لكنك خائف. خائف وتتمتع بلحظتك. حاول جرذ الإقتراب منك. يقضمك كما يقضم شبكة التفت حوله. لمحه الثعبان. انتفض. آلمتك انتفاضته. أطلق سراحك. انقض على الجرذ. ابتلعه في لحظة. ها أنت ذا قد تحررت منه ومن الجرذ. انطلق صوب هدفك إلى القمة. وقفت. تحسست قدميّ. داميتان. تابع. تابعت. قطعت مسافة أخرى. تعثرت قدماي. اختل توازن جسدي. على وشك السقوط كنت. ألقيت نظرة إلى أسفل، عميقة هذه الحفرة. سقطت. تمسكت بجذع شجرة ظليلة وأوراقها كثيفة. حمتني من السقوط. استرحت. صحوت.

4

- أصبح غريباً عنا الآن، أصبح على دين زوجته، من عائلة الحاج.

قال هلالي ضخم الجثة طويل القامة يحمل نبوتاً طويلاً. استشاط يوسف الهلالي الكبير غضباً. هو أيضاً يتكئ على نبوت ضخم. وقف بجانبه ابنه نايف يحمل نبوتاً أقل ضخامة من نبوت والده. تململ في وقفته. بدأت يده تهتز، فأخذ نبوته يئن ويهتز بفعل اهتزاز يده التي تود أن ترتفع وتهوي على رؤوس من يهينونه. زجر فورات الغضب الطاغية فازداد تحكمه باهتزاز يده التي أعادت إحكام السيطرة على النبوت الذي يتفجر غضباً كما صاحبه. بعد لحظات، وبعد أن تزايد لغط مناوئيه، فكر أن يهوي على رأس ذاك الهلالي المتوحش بضربة تطيح به أرضاً وإلى الأبد، وهو حقيقة قادر على ذلك بما لديه من جرأة وشجاعة. لكنه قدّر عواقب الأمور. إن هو فعل، فأن النبابيت ستنهال عليه وعلى ولده من كل مكان. آل الهلالي جميعهم تكاثروا عليه، لكن لم يجرؤ أي منهم على مسه بسوء. هم يعرفون شدة بأسه وشراسته إن هم أثاروه. وهو كذلك اتجه وجهة أخرى. فلأحاول أن أصل إلى ما أريد سلماً، فكر لنفسه. ألقى بجسمه كله على نبوته دون أن يفقد حذره، ثم قال:

- ما الذي يرضيك يا عيسى؟

سأل الهلالي بصوت ضمّنه نغمة مسالمة لكنها محذرة حتى لا يطمع فيه آل الهلالي. وعيسى هذا هو ابن عم الهلالي. شنبه كث يغطي ثلثي وجهه. وفي اللحظات الصعبة نبوته دائماً يسبق كلمته. إن أوقف عيسى عند حده، فإن الأمور ستتخذ وجهة أخرى وستتحلل عقد الغضب والحقد، ويمكن الوصول إلى تفاهم بين أبناء العم. هكذا فكر الهلالي عندما وجه سؤاله إلى عيسى الهلالي بليونة واضحة.

- الأمتار الخمسة بمحاذاة أرضي. قال عيسى.

- ولكن هذه الأمتار الخمسة هي جزء من أرضي.

قال الهلالي بنبرة جادة لا أثر للتراجع فيها.

- والدي أوصى بذلك. قال عيسى.

- ووالدي ترك لي هذه الأرض.

- والدي أكبر سناً من أخيه والذي هو أبوك، وعليه عليك التخلي عن الأمتار الخمسة. قال عيسى باستفزاز.

- هذا لن يحدث أبداً.

- سيحدث غصباً عنك! قال عيسى.

التهبت أحاسيس الكرامة عند يوسف الهلالي الكبير. لوح بنبوته في الهواء. ارتفعت النبابيت كلها في الهواء. فعيسى هذا له أخوة ثلاثة وأولاد عم وكلهم وقفوا بجانبه. أما الهلالي يوسف فهو وحده مع ابنه نايف الذي لم يبلغ الثلاثين من عمرة بعد. أما أخوه الذي هو عمي والذي لا أعرفه، فهو ليس موجوداً الآن بجانب أخيه. كان الفريقان يتجادلان أمام منزل الهلالي الكبير. مساحة من الأرض مزروعة بالأشجار بعضها مثمر كالتفاح والتين والجميز، والآخر غير مثمر كالكينياء وهي شجرة ظليلة شاهقة العلو. احتمى الهلالي بجذع تلك الشجرة الضخمة ووقف نايف بجانبه.

- ألم أقل لكم أنه ذو رأس عنيد. قال عيسى بتحد.

صمت الهلالي. كتم غيظه وهو الذي يعرف مدى شراسة عيسى هذا ومن يحيط به من أخوة وأبناء عمومة.

- سنستولي على الأمتار الخمسة، وإن كان هذا اليوسف رجلاً فليقترب من الحاجز الذي سنقيمه. تابع عيسى تحديه.

كانت سعدى تستمع من خلف الباب. وعندما وصلت الأمور هذا الحد من التحدي، ظهرت. نظرت إليهم نظرة غاضبة، ثم انفجرت فيهم.

- أنت يا عيسى وأنت يا عبد ربه تريدان أن ترثا يوسف وهو حي. أوليس له أولاد؟ تريدان قتل ابن عمكما؟ أما هناك شهامة عندكم؟

- ادخلي يا خالتي البيت. قال نايف برجاء.

- والله إذا مس أحدكم يوسف بسوء، أنا التي سأقتله.

عندها التفت لها يوسف الهلالي الكبير ونهرها بشدة. فكرامته لا تسمح له بأن تطلق سعدى غضبها أمام الرجال، حتى وإن كانوا أقاربه.

- إنه يحتمي بالمرأة. قال عبد ربه الهلالي وهو صلب مربوع القامة مفتول العضلات، شرس كذئب لم يذق الطعام منذ أيام.

لم يحتمل يوسف هذه الإهانة. انهال بنبوته عليهم جميعاً بالضرب المبرح. شاركه نايف في الهجوم. كان يحمي ظهره. كلما اقترب هلالي خلف ظهر الهلالي الكبير كان نايف يعاجله بضربة قاسمة. انزلق نبوت الهلالي على رأس عبد ربه بضربة ساحقة أطاحت بالأخير أرضاً غارقاً بدمائه. ثم اتجه بنبوته إلى عيسى ووضع كل قوته في ذراعه وانهال عليه بضربة شديدة ساحقة تجنبها الأخير وبدلاً من أن يستقر النبوت على رأسه استقر على كتفه فشل حركة ذراعه الأيسر. انهال نايف الهلالي بنبوته على الهلاليين . تلقى ضربة كادت أن تسحق والده. وقع أرضاً. انتبه الهلالي الكبير له. حاول مساعدته. وفي وسط الغبار المتصاعد من أرض المعركة تلقى الهلالي ضربة ساحقة ترنح من تأثيرها، لكنها لم تسقطه أرضاً. وقف نايف ثانية بجانبه يتلقى الضربات عنه إما بجسده أو بنبوته. فنايف الهلالي هذا طويل القامة، قوي البنية وشديد البأس أيضاً كوالده. في هذه الأثناء أسرعت سعدى إلى والدها تستجير به قائلة أن الوحوش من آل الهلالي يريدون الفتك بيوسف. انهال رجال عائلة الحاج على موقع المعركة. حاولوا أن يفصلوا الطرفين عن بعضهما البعض، وفي واقع الأمر كانوا يناصرون الهلالي يوسف. ففي محاولتهم فصل الفريقين كانوا يسددون ضرباتهم إلى بعض أجساد فريق عيسى.

- كيف عرفت تفاصيل المعركة؟ سألته.

- هل تريد العنب أم الناطور؟ رد على سؤالي بسؤال.

- طبعاً العنب. قلت.

- إذن لا تسأل مثل هذا السؤال. قال.

لا تسأل مثل هذا السؤال! هل تعلمت الدرس؟ أسئلتي تنطلق بلا تردد. لا أحسب حساباً للعواقب. كيف تأصلت هذه العادة في ذاتي؟ لا تسأل كثيراً. أو اختر اسألتك لتناسب الموقف. كيف السبيل إلى ذلك؟ سؤال يتردد في زوايا عقلي كلما صدمت نفسي بمواقف خاطئة.

- عدت إلى ذاتك.

دائماً في ذاتي. أقلب أحداث اليوم وأصفع نفسي على التقصير. أقرعها على هفواتها. أجلد ذاتي، كما يقولون. أهو مرض؟ ربما. أنشد الكمال، وهذا صعب المنال. لكن هذه المحاسبة الدقيقة للذات لا تتوقف. كيف يكون السلام مع النفس؟

- وماذا أعمل؟

- كيف تسأل هذا السؤال؟!

كنت أود أن أكون بجانب الهلالي الكبير أدافع عنه. تحرقني الذكرى، ذكراه، والألم يغزوني فأنا أتصوره يتلقى الضربات من بني عمومته. كم تألم؟ أظنه قوي الشكيمة لا يستسلم أبداً. وأنا لماذا يغمرني الاستسلام أحياناً وأتجاهل مواقف يجب أن أغضب لها؟ أين أنت يا هلالي لتأخذ بيدي؟ وأنت يا سعدى كنت ستقودين أفكاري لو بقيت بجانبي. كم وددت أن تكوني بجانبي!

كانت بجانبي. هي تلك الشقراء التي لمحتها في كافتيريا الكلية. شقراء طويلة ذات شعر أصفر لامع يذكرني بفاروق. أين هي من غاده، برونزية شعرها فاحم السواد يتماوج على وجهها الساحر كغيمة توشك أن ترشح أمطارها. أنت الآن في دمشق، ودائماً تتلألأ غاده أمامك، حتى أنها تداخلت وملامح جمانه.. جمانه، هذا هو أسم تلك الشقراء ذات المسحة الحزينة. إنها بجانبي الآن، وغاده كانت أيضاً بجانبي. في بير زيت كنا حوالي عشرين طالباً، أما الآن فنحن بالمئات في السنة الأولى. وجمانه بجانبي. حضر الدكتور وهو فلسطيني. المحاضرة عن المسرحية الإنجليزية. السلاح والرجال لبرنارد شو.. ركزت انتباهي كي أفهم ما يقول. فهمت. كانت المحاضرة الأخيرة عن هذه المسرحية، بعدها سنبدأ بمسرحية أخرى لشكسبير. ضحكت من كل قلبي عندما تكلم الدكتور عن تلك الأرملة التي صورها شو وهي تود أن تتزوج حتى مما يشبه الرجل. التفت إلى جمانه، وجدتها وقد انفرجت شفتاها عن ضحكة ساحرة. ولكنها ليست في سحر ابتسامة غاده. التقت عينانا. قالت كثيراً، لكني كنت بحواسي كلها مع غاده. لتكن صديقة قريبة من النفس، قلت لنفسي. جمانه.. تسرب اسمها من بين شفتي صديقتها فالتصق بالذاكرة. ومن غرائب الصدف أن اسم صديقتها غاده وهي قريبة في الشكل من غادتي، إلا أنها أقصر قليلاً منها.

تسللت من المدرج إلى الكافتيريا. المكان الذي تهاجمني فيه الذكرى وتهيج فيه الحواس. فاروق وعبد الكريم وغاده. تحتقن حواسي، فأندثر في مساحات واسعة. تطوقني الرغبة في أن أصرخ غ...ا...د...ه. أصارع الفكرة فأصرعها. تهدئني اللفافة وكأس الشاي. يلومني أحمد البدوي على صمتي الدائم. اختبئ في ذاتي وأجتر ذكرياتي. تركت الأيام تنساب حولي وداخلي. تركت نفسي أتنقل بينها صوب هدف واحد: الحصول على الشهادة الجامعية. الأرض ضاعت وكذلك الهلالي الكبير وسعدى والأمل معلق على تلك الشهادة. غريب هذا القدر! لا زلت تائهاً بين أصدقائي وأيامي. قذفني البدوي بلفافة دخنتها بأسرع مما توقعت. هاجمني الملل، فغلف أفكاري بغلاف صلد صعب الإنفكاك منه. دقائق ثم غادرت الكافتيريا في طريقي إلى المنزل.

- إلى أين؟ سألني البدوي.

- إلى البيت.

- وماذا ستعمل هناك؟

- لا أدري.

- انتظر حتى تتناول طعام الغداء معنا.

- لا رغبة لي فيه.

مررت بها. أوقفتني. لا بل توقفت أنا. جاورتني. لم أسألها. فقط اصطحبت يدها وخرجنا. سارت بجانبي، يدها تستلقي في يدي باطمئنان. سرنا بلا هدى خارج مباني الكلية. يعرف هذا الطريق وقع قدميّ. سرت فيه كثيراً مع عبد الكريم. أخذني إلى ذاك البستان المحتضن لأشجار المشمش والبرقوق. تخطينا السياج الذي ليس سياجاً. أصبحنا وسط البستان. توقفنا تحت ظل شجرة ممتلئة بالمشمش. نظرت إلى إحداها. متوردة كخدي غاده.

- تحاكين وردتي. قلت لها.

- هي التي تحاكيني. قالت.

- لا تكوني مغرورة.

- لا تكن متيماً بغادتك هذه.

تغار منها. قلت لنفسي. قطفتها. صرخت متألمة. ماذا ستفعل بي. سألتني. وبدون أن أنطق، قدمتها لغاده. قسمتها نصفين. وضعت أحدهما بين شفتيّ. قضمتها ببطء. تأوهت. حتى لا تضاهي من لا يضاهى. قلت لها ساخراً. تسللت راحتيّ إلى الوجه الملائكي. كأنني ألمس القمر. رفعت راحتيها ووضعتهما فوق يديّ. تعمقت عيناي في عينيها. أطلقت سراحهما. تتوهان في فضاء بلا فضاء. انسدلت الرموش فوق الزمردتين واستدار القمر بدراً لا يضاهي جماله جمال. لم أنطق. وماذا تقول الكلمات وقد تحدث الصمت فأجاد. بقينا على هذا الحال زمناً طال أمده. الشجرة تلك أصبحت العالم كله. تقدمت خطوة، وأخرى فأصبحت ملاصقة لي. ضممتها فغبت عن ذاتي تحت تأثير عطرها الصاعد ليس من غيمتها الندية فقط، بل من كل أنحاء جسدها. التصقت بجسدي أكثر. حنوت عليها.

- لا تتركيني.

- اصمت.

- أنت مرفأي الذي طال بحثي عنه.

- اصمت.

صمت. استلقت أفكاري فوق أنفاسها. تطايرت معها. حلقت بعيداً. ماذا لو كنا ننعم بالسلام كما الآخرين؟ أرضنا تداس بأقدام لا ترحم! أفكارنا تسجن! أجسادنا تنتهك كل يوم! وأنت هنا تتوه مع أحلامك حول عقل صقل ليضاهي ذكاؤه جمال من يحمله. لو كان الآمر كما تتمنى، هل كنت ستلتقي بها؟ من يدري؟ انس الوطن للحظات، فأنت الوطن وأنت من يصنعه! من قال هذا؟ تتلفع بغادتك تحت ظل شجرة، موطئ قدميك هو الوطن. لا..لا.. الوطن شيء ملموس ولا يمكن لمسه. غاده هي الوطن، أفكارك هي الوطن. الوطن أنت وأنت الوطن. يا من تحمل أثقاله على ظهرك، ارتح، فأنت في حاجة للتريث. أنت تحت ظل شجرة المشمش هذه. حولك الدنيا خضراء مبقعة بألوان صفراء وحمراء ساحرة. تنفس الوطن في هذه البقعة. فغاده حلم يتجسد بين يديك، أما الوطن فلا زال حلما؟ حلم وردي، وهل لا زال وردياً؟ أظنه يهترئ! غاده ودير سنيد والهلالي وسعدى والأرض كلهم الوطن. أنت جزء منه. تدافعت الأفكار حولي.

تدافع الجمع حولي. دفعوني دون رغبتي باتجاه الحافلة. إنها متجهة إلى مخيم اليرموك. هو وجهتي. ولكن لماذا اليرموك؟ جزء من مخيم فلسطين. امتلأت الحافلة. امرأة عجوز وقفت بجانبي. كرهت أن أستلقي أنا على المقعد وهي واقفة. وقفت وتركت لها مقعدي. فليحفظك الله لشبابك. قالت. لو كانت سعدى بدلاً منها، لأسكنتها بين جفوني. سعدى الشمس التي غابت خلف الأفق وطال انتظاري لها. تحركت الحافلة، تحركت أفكاري.

جباليا في القلب ودير سنيد الأمل الضائع الحلم الوردي الذي لم يتحقق أوتراه يتحقق كل هذه الشراسة في تلك الأرض تمزق الحلم تحت وقع أقدامهم نزيلهم كيف حلم يتقوقع بين الأيدي المرتجفة والمكبلة بالمقاعد الوثيرة حتى جباليا أصبحت حلماً مقطع الأوصال وعمان بقعة في الخاصرة عمان رصاصة طائشة اخترقت رأس محمود النجار تلك الحرب العبثية كما وصفتها تلك المرأة التي تشك أن زوجها مات شهيداً لأنه مات في حرب عبثية بعيدة عن الهدف الذي رسمناه هناك فوق أرضنا أوعبثية هي إنها ليست كذلك أنتم والله فدائيون بحق قال جندي البادية العائد لتوه من الميدان نظر إلينا فاتجهت أفكاره صوب هدف آخر وذاك الثوري الذي يحاول رتق خروق الحلم يقال أن الدولارات تملأ منزله أشاح بيده آووه أم على وفلوس ولدها الشهيد وأنت وزوجتك والدولارات التي تتسرب من بين أيديهم لقد ضاع مني ألف من الدنانير يا نصاب الثورة المأفون ألف من الدنانير وهذا الشيخ الذي يحلم بدرهم أو بلفافة يضعها بين شفتيه يلعن د....ديكك ويقول في قرارة نفسه أنه كاذب مأفون وتسألني كيف يتمزق الحلم أنت ابن أبو ندا وورقة مكتوب عليها أمر صرف بمقدار مائة دينار ويتمزق الحلم وتلتصق الرصاصة برأس محمود النجار ويتمزق الحلم حاول لملمته لن تستطيع وحدك الأيام ستفعل وحدها لن تستطيع أدفع بها لتفعل حاول نعم حاول وستنجح نعم

صحوت على فرملة عجلات الحافلة في موقف هو موقفي. نزلت من بطنها. ذاك زمن كدت أن التصق بها وأبيت أن أنزلق من داخلها، وعندما فعلت رحمة بها غادرتني، تلك كانت سعدى. يا لألم الذكرى! سعدى! أغراني المطعم الملتصق بجانب الشارع. دخلته. وضعت كتبي على حافة الطاولة وبدأت أتناول طعامي الذي أحضره لي صاحب المطعم. محمود النجار هنا في دمشق! هاجمتني الذكرى. أما كان في مقدور تلك الرصاصة الغادرة أن تضل طريقها وتخطئه؟ وكيف ينفذ القدر ويقتنص ضحاياه. ماذا حدث لأولاده؟ وهذه المعدة التي أنصاع لأوامرها بلا تردد، كم خذلتها في أيامي الماضية! أقسو عليها حتى لا تعتاد حلو الحياة وسهل الأشياء! لقد ظلمتها كثيراً وآن لها أن تسعد بما تسربه لها. دخنت لفافة مع كأس من الشاي وخرجت. أبطأت سيري لألقي نظرات متفرقة على الوجوه الجامدة. صعب أن تقرأ ما يدور فيها. أفكار متناثرة ومتناقضة تلتصق بذاكرتك. ماذا يدور في هذه العقول؟ صعب أن تفصح عما بداخلها! اتركها فالخوف يلصق الألسن بالأفواه.

ها أنت ذا في بيتك. دخلت. وقبل ذلك ضغطت على جرس الباب حتى لا تفاجئ السيدة. تسربت نظراتك تتفحص المكان الذي اعتادت عليه. هل كنت تتمنى أن تراها؟ ها هي ذي أمامك تخرج من حجرتها في ازهي صورة. ملابسها بسيطة لكنها أنيقة. ألقيت عليها نظرة خاطفة فاصطادت نظراتك وهي في الطريق إليها. تلقفتها. انسحبت أنت وقدت خطواتك في الطريق إلى حجرتك. لكنها غمرتك بنظرات صعب عليك أن تفسرها في اللحظة. تجمعت في الذاكرة، وقد قررت أنت أن تتفحصها في وقت لاحق. اقتربت منها. جميلة، لا بلفاتنة. عبثت هي بملامح وجهها قليلاً فزادته جمالاً. لا زالت نظراتها تتكوم في زاوية من الذاكرة. أبقيت عليها. سربت نظرة مستفسرة إلى كل أنحاء جسدها. اقتحمتك الرغبة على غير ما كنت قد قررت. قفزت من عينيك. لحظات ثم تحكمت بها. ضغط عليها في ثناياك. تمردت، تأوهت، تمددت في كل أنحاء جسدك. صرخت. كتمت صرخاتها حتى لا تفضحك أو تفضح أفكارك. لا زلت تقترب من السيدة وهي لا زالت تقترب منك. تسللت رائحة عطرها الخفيف إلى روحك. استقبلته بارتياح. تسرب إلى جسدك. التقى ورغبتك المكتومة. أثارها. ازداد صراخها. أيتها اللعينة! أما كان من الأجدر أن تندثري في ثناياي أو تندلقي في مكان آخر؟! أما هنا، فهذا مكان يجب أن يكون نظيفاً. قلت لها زاجراً. لكنها لم تستمع ولم تأبه لكل ما تقوله. تأطرت حول السيدة تغزوها وتجردها من ملابسها. تغوص فيها. وأنت لازلت تقترب وتقترب تسبقك نظراتك التي ربما باحت بما يدور في نفسك وتفضح تلك المعركة الدائرة بينك وبين رغبتك وشبقك. ظني أنها هي الأخرى تعمقت في ثناياي وعرفت وفهمت كل شيء، ومع ذلك لا زالت تتقدم. أنزلت عينيك إلى أسفل، إلى تلك البقعة التي تسبق قدميها بمسافة قصيرة. ارتسمت فيها عارية من كل ما يمنع عينيك من النظر إليه والاستمتاع به. يا لهذه الرغبة اللئيمة! تندفع وتندفع حتى رأتها في بقعة أمامها. لا زلت تقترب ولا زالت هي تقترب أيضاً. تكلم. قل شيئاً. ولماذا لا تقول هي؟ الرجل هو من يبادر. هي من تشعل الضوء الأخضرِ. أصبحت تفلسف الأشياء في وقت لا يحتاج للفلسفة.

- مساء الخير.

قلت بصوت مكتوم لونت نغماته رغبتك التائهة التي استولت على كل أجزائك.

- أهلاً يوسف.

قالت بصوت للغنج هو أقرب، لكنه لا زال غامضاً لا يوحي بشيء. لك أن تفسره كما يحلو لك. حتى الآن لك الإيحاءات فقط. توقف لسانك عن الدوران في محيطه. انعدمت الكلمات، لكنك أبقيت على نظراتك مستلقية على كل جسدها. وفجأة وبجرأة غير معتادة أبقيتها ملاصقة لعينيها. استجابت لك. تورد خداها. ذبلت عيناها. تاهت أفكارها وتناثرت. اصطدمت بك إحداها. تلقفتها بلهفة لم تغب عن ناظريها. لم تأسف على ما حدث، ولم تحاول منع رغبتك من أن تطل من عينيك. أطلقت سراحها. وهم أيضاً أطلقوا سراحك! كيف؟ متى؟

في سجن كفار يونا. كنت قد أوقفت شهراً آخر. كم مضى عليك في السجن؟ سنة ونصف السنة. وها هم يضيفون إلى زمن عذابك شهراً آخر. لقد تعاطف معك ذاك الشرطي اليهودي الذي أبلغك القرار. ماذا في تلك الورقة التي تحملها في يسارك؟ سألته. أسماء. قال. هل اسمي من بينها؟ سألته. وما هو اسمك؟ سألك. يوسف بن يوسف الهلالي. نظر في الورقة. لم ينطق. عرفت كل شيء. ومع ذلك ألححت عليه في السؤال. لم يتكلم. بعدها ذهبت مع الشاويش بنحاس. ذلك الشرطي اليهودي اليمني الجنسية. صادقك، أو صادقته. ربما أحبك. أما أنت فظني أنك أحببته. بدأت تساعده في عمله. هو من ضمن الفريق المكلف بصيانة السجن. اختارك لأنك موقوف إداري ولا قضية واضحة عليك. لا خطر منك عليهم. وصلت إلى هذه الدرجة من التقييم لديهم! لا مشاكل في السجن ولا خناقات. وعندما أضربتم عن الطعام كنت مع أولئك الذين صمدوا حتى اللحظة الأخيرة. سبعة أيام متواصلة. أما غيرك ممن هم في عمرك، فقد أنهوا إضرابهم بعد اليوم الثالث، وأحدهم لم يضرب مطلقاً عن الطعام. كان يعمل في مطعم السجن، ويقال، ولقد أصبح القول حقيقة فيما بعد، أن الاستخبارات الإسرائيلية جندته للعمل معها كعميل. لكن عليه أن يمكث في السجن فترة طويلة حتى يرتدي ثوب الوطنية. ولقد خرج من السجن حال انتهاء الإضراب. وبعد حين وعندما كان أمام طلابه، حيث أصبح مدرساً بعد خروجه من السجن، أعدمته قوات الثورة. أما السجين الآخر والذي أنهى إضرابه عن الطعام في اليوم الثالث أو الرابع، فقد خرج من السجن بعد ذلك بيومين. أنت فقط من بقي في السجن. أرسل لك مع أحدهم بأن لا تبتئس، فأنك ربما تخرج بعد أيام قليلة. وبعد أيام أوقفوني شهراً أخر. لم تبتئس. لقد اعتدت على ذلك، فأصبحت ضربات الزمن وغدر الحياة من سمات حياتك. استدعاك الشاويش بنحاس للعمل معه في الصباح. عند الظهيرة قال لك، يوسف لا تذهب إلى حجرتك. تناول الغداء مع رفاقك هنا في مطبخ السجن. ولقد فعلت. بعدها عرفت لماذا أراد هو ذلك. الصحن مملوء باللحمة والخضراوات. عبّر عن محبته لك بهذه الطريقة. ولقد كنت ممتاً له. وعندما طلبت منه بدلة سجن جديدة، حاول أن يوفرها لك، لكن الشاويش المسؤول عن ذلك رفض، وعرف بنجاس السبب، لكنه لم يقله لك. وفي صباح اليوم الثاني عرفت أنت أيضاً السبب حيث كنت في سيارة نقل المساجين في طريقك إلى سجنك الجديد، بيت ليد. أسم عبري لا تعرف معناه. وهناك، وبعد عدة أيام، ألقوك في سيارة ثانية في طريقك إلى سجن بئر السبع. عرفت يومها أنك سترحل، سيبعدونك إلى الأردن. اختلطت مشاعرك. سعادتك بمغادرة السجن تعادل سعادتك بالانسحاب من حياتهم. ستبدأ حياة جديدة. وأظهرت الأيام عكس ما ظننت، فأيامك الماضية معلقة بين عينيك وفي ثنايا عقلك. ها أنت ذا تتحرر.

دخلت حجرتك بإرادتك. كنت تجبر على ذلك. أنت حر. لم تغلق الباب. هل تنازلت عن قرارك بترك هذا المكان نظيفاً؟ هو كذلك وإن حدث ما تتمناه. لا قدرة لديك على كبح تلك الرغبة المجنونة، ومن لديه مثل تلك القدرة؟ أوتريد أن تعرف؟ حقاً. سحبت لفافة من علبة لفائفك. وضعتها بين شفتيك. أردت أن تشعلها. بحثت عن ولاعتك، لم تجدها. أين ذهبت تلك اللعينة؟ اختفت مع رغبتك التي كتمت أنفاسها بقوة. رغبة التدخين ألحت عليك. قاومتها. تغلبت عليك. أنت فاعل لا محالة. أيهما؟ أي منهما. لا زلت بملابسك كاملة. نظرت إلى الطاولة، كتبك مرتبة على غير العادة. من الذي قام بترتيب ما تركته مبعثراً؟ أنها هي. اللفافة بين شفتيك. لم تشعلها بعد، والولاعة تاهت بين أفكارك ورغبتك وكتبك المرتبة. خرجت تطلب ولاعة. وعند الباب كانت في طريقها إليك! هل هي حقاً في طريقها إليك؟ ربما كانت تريد الذهاب إلى المطبخ. لا بأس، إنها الآن أمامك.

- أم وسيم!

قلت بصوت خافت. خفت أن تتسرب رغبتك بين حروف الكلمات فينكشف سرك الذي تجهد كي تخفيه عنها. التفتت هي إليك. لم تتكلم. أوتراها هي أيضاً خائفة من أن تقفز رغبتها بين كلماتها إن هي تكلمت؟ سألت نفسك. ما أجملها! غلفتها رغبتك، واستمتعت هي بالغلاف. توقفت أمامها، وتوقفت حركتها. ظني أن عقلها يعمل بكل طاقته، ولكن في اتجاه واحد. أنت. استجوبتك عيناها! لا زالت تنظر إليك. تتلقى أوامرك.

_ أويوجد عندك علبة كبريت؟ لقد فقدت ولاعتي وأريد أن أشعل لفافتي.

فضحتك الرغبة. كل كلمة نطقتها كنت تحوي حرفاً مما تريده أنت منها حقيقة. تجرأت ووقفت أنت مقابلاً لها. عيناك في عينيها. أفكارك تغزو أفكارها. تسللت إليها. ربما هي من تسلل إليك. هي في طريقها إلى رغبتك. انتظرها. استحث خطاها. انتظر. انتظرت. في تلك اللحظة تقدمت فتاة صغيرة، ربما في الرابعة أو الخامسة من عمرها. نظرت إليها.

أحضرتها. امتدت يدها الدقيقة تقدم علبة الكبريت لي. تناولتها، لمست أصابع الفتاة الرقيقة. هي صورة من أمها. تذكرت أيامك الماضية. هل كنت نظيفاً كنظافة هذه الفتاة؟ صعب أن تجيب. امتدت رغبتك إلى السيدة. أشعلت لفافتك بيد مضطربة راجفة. كانت هي تنتظر. لم تتحرك. حتى أن عينيها توقفتا في محجريهما. استلقت عليك. مددت لها يدك ترجع علبة الكبريت ومع يدك تقدمت رغبتك. اصطدمت بها. تحركت داخلك. ارتجفت من وهج الأفكار الكاتمة لجسدي كله. أدخلت كماً من دخان اللفافة إلى رئتيك. تركته فترة يبدو أنها طالت، ثم نفثته ببطء في فضاء بلا حدود. ألقيت نظرة عليها. كانت تلحظك وأنت تطلق دخان لفافتك. كانت تراقب رغبتك وهي تتصاعد مع لهب اللفافة. قدمت لها لفافة ثم دعوتها للجلوس. اعتذرت عن الدعوتين. تأوهت رغبتك. كنت ترتكزين على كومة من الأوهام، ما كان عليك أن تفعلي ما فعلت. آن لك أن تندثري في ثناياي. قلت لها زاجراً وبحدة ظهرت على محياك، فقرأتها السيدة. لا تتسرع في اتخاذ القرار. ما زال هناك متسع من الوقت لأحقق ما أريد. قالت بصوت خافت. نظرت إليها لائماُ وساخراً. اهتزت مشاعرك بشدة. ارتجفت اللفافة بين إصبعيك بفعل ارتعاش يدك. وعندما انعدمت السبل أمامك، تشبثت قدماك بموقعهما. أن لا تتخذ قراراً هو القرار بعينه. لا زلت تحت مجهر السيدة. تراقبك، ولكنك لا تراقبها، ولو فعلت لشعرت بالحيرة التي كانت تحيط بها وهي أضعاف حيرتك لو تعرف. ولو فعلت لاستكانت أفكارك وهدأت مشاعرك. كل هذا الحشد الهائل من الأفكار والرغبة المجنونة والشبق المتصاعد من عينيك يتمدد بينك وبينها.

- انتظرني، فسأصنع فنجاناً من القهوة نشربه معاً وأدخن لفافة.

كان رد فعل رغبتي المجنونة سريعاً. ألم أقل لك انتظر؟ لا تتسرع في اتخاذ قراراتك. قالت بنبرة منتصرة. ها هي قد أمدتك ببصيص من الأمل كاد أن يتلاشى بفعل قراراتك المتسرعة. عندما تحطمت الرغبة، أحيتها هي. رغبتها ربما انبثقت من بين شفتيها. انتظرني، وأنا يا سيدتي أمضيت العمر كله في الانتظار. انتظر ما لا ينتظر. أو انتظر ما لا يأتي. عندما عادت دورة دمي إلى حالتها الطبيعية، بدأت أحس بما يدور حولي. تحسست قدميّ. عادا كما كانا. سحبتهما ودخلت حجرتي. وقفت أمام طاولتي ولفافتي بين شفتيّ. نظرت إلى لا شيء. نقلت اللفافة من شفتيّ إلى أصابعي. بحثت عن صحن اللفائف لألقي رماد لفافتي فيه. لفت انتباهي مشبك شعر ملقى وسط الطاولة لم أره من قبل، وأنا الذي يقرأ الأفكار وهي تتطاير في الهواء. وضعت اللفافة بين شفتيّ والتقطت الملقط. تأملته، انبعثت منه رائحة جذابة. اقترب من فتحتيّ أنفي، فاندلقت الرائحة إلى كل أجزاء جسدي. تحركت تلك الرغبة المجنونة بعنف. تمددت بين مكونات دمي. تركت لها العنان لتصرخ كيفما أرادت. رغبتها هي أيضاً عانقت رغبتي، اتحدتا، وحدة ظننت أن لا انفاك منها.

يوم أعلنت الوحدة ظننا أنها وحدة لا انفكاك منها. ستعملان ككماشة لإنقاذ ما سرقوه. تصاعدت الآمال وعانقت أرواحنا التائهة في ضياع تكاثف حتى لم نعد نرى إلا ما هو بين أقدامنا غيوماً صعب الوصول إليها. وعندما زار دمشق حملوا سيارته وحملناه نحن بأرواحنا. أخذنا ننتظر وطال هذا الانتظار. أعطوه فرصة حتى يعد العدة، قال أحدهم. ورسم الأستاذ مراد صورته معانقة صورة صلاح الدين. ذاك اليوم المشهود قادم لا محالة وقطعاً سنشهد يرموكاً آخر. وها أنذا أشاهد يرموكاً آخر، ولكن هذه المرة يرموك الضياع. تائه بين أزقته تتلوى الرغبة داخلي وتتمدد. أجهد نفسي كي أكتم أنفاسها وأفشل فشلاً يضاهي فشلهم جميعاً.

- تباً لأفكارك الحمقاء. تستعد أنت لتعوم في المياه الدافئة، فتدفع بأفكارك بعيداً إلى زمن مضى.

قال بحدة صاخبة. اختزلني من ذاتي. كمن سكب ماءاً بارداً على وجهه في ليلة باردة. انتشلني من ذاكرتي الخرقاء. ما العلاقة بين الوحدة وما أنا مقدم عليه؟

- سامحني طافت بي الذكرى. قلت معتذراً.

- زمن مضى وانقضى.

- هذا صحيح، لكن تقطع الأوصال مزق حلمنا.

- ومتى كان هذا الحلم براقاً؟

- أيام اندفاع الأفكار الرائعة، أيامه.

- لقد مات.

- أعرف ذلك. ومن حقي أن أتذكر أيام العز تلك.

- ليس في هذا الوقت.

نظرت إليه، تجسد أمامي. لماذا تلاحقني كظلي؟ سألت نفسي ولم أجرؤ أن أسأله. لا سلطة لي عليه. يفاجئني عندما أنسى واقعي وأتوه بين ثنايا الذاكرة. تجاهلته، وذهب هو. سأرتب لك ما تود حدوثه، قال، ثم انصرف. طرقت كلماته أذنيّ، ولم يترك لي وقتاً كي أستوضحه. تجردت من ملابسي، ثم تذكرت أن السيدة قادمة فارتديت بيجامتي، وأخذت انتظر جالساً على الكرسي المجاور لطاولتي. فتحت رواية اللؤلؤة. كنت قد قرأت عدة صفحات. كينو، الشخصية الرئيسية في الرواية، ذاك الصياد الحائر في تقادير الحياة، يصطاد لؤلؤة. ذهب إلى زوجته. وفي هذه اللحظة تذكرت ما استولى على أفكاري شهوراً طويلةً. تذكرت ذلك المشهد الذي قتل فيه جون كنيدي في دالس وهو في سيارته المكشوفة وبجانبه زوجته جاكلين. عندما اخترقت الرصاصة رأسه سقط بين ذراعيّ زوجته. كيف كانت حالتها في تلك اللحظة؟ كيف لزوجة أن تحتضن زوجها ورأسه مخترقة برصاصة غادرة؟ أسئلة مكثت شهوراً تؤرقني. ومحمود النجار أيضاً تلقى تلك الرصاصة، لكنها طائشة وغادرة. لم تتلقفه زوجته بين ذراعيها كما فعلت جاكلين. بين ذراعيها!

دخلت!

في أبهى زينتها. تتطاير القهوة من الفناجين لتحملق في هذا الجمال الذي يحملها. تقافزت عيناي تطوفان جسدها كله! يا لهذا الجمال الأخاذ الذي تجسد في هذه السيدة الثلاثينية! مكثت لحظات ملقياً نظراتي عليها. اهتزت فناجين القهوة بين يديها. قدمت لها الكرسي الآخر لتجلس عليه. واجهتني. قدمت لي فنجان القهوة، وفي اللحظة التي لامسته، لامست يدي أصابعها الدقيقة. مسني تيار كهربائي ذو قوة عالية زاد من ارتعاش يدي المرتعشة أصلاً. ازداد تسارع نبضات قلبي، فانسكب بعض من القهوة على الطاولة. تقافز دمها إلى وجهها، فأصبح برتقالة طال انتظارها على الشجرة المورقة تحت الشمس المحرقة فازداد احمرارها. إنها تنتظر من يقطفها، وأنا من سيفعل. قدمت لها لفافة فوضعتها بين شفتيها. اقتربت منها لأشعلها لها. أسكرتني رائحة عطرها. تمايلت شعلة عود الثقاب بين أصابعي. تمايلت رغبتي، رقصت طرباً. إنها تقترب من لحظتها. استقبلت دفقات الدخان المتصاعد من بين شفتيها باستمتاع. اقتربت منها. لاصق جسدي جسدها. تحسستها بعينيّ، بكفيّ، بمشاعري، وبأحاسيسي.

نجحت في خمس من أصل ثمان مواد، وكان عليّ أن أعيد السنة الدراسية. إنه إنجاز قال ابن خالي الذي يمدني بالنقود. لا تبتئس قالت أختي في ليبيا. الفترة التي قضيتها في الجامعة لا تقارن بمدى ما أنجزته، قال زوج أختي. ولكني أنا لم أقتنع. كان عليّ أن أنجح في جميع المواد. تلك اللغة الفرنسية اللعينة التي لم أستطع أن أتقن قواعدها كانت من ضمن المواد التي رسبت فيها. وكذلك مسرحية الأستاذ الفلسطيني الذي قال ذات مرة أن ورقة إجابتك كوعاء العسل، إذا تذوقت أوله عرفت فيما إذا كان العسل حلو المذاق أم لا. ربما لم يقرأ سوى السطور الأولى من ورقة إجابتي. كانت المرارة تشتعل داخلي وتتقافز من بين شفتي، لا بل من بين عينيّ.

مساء شتوي بارد. تهب نسماته الرقيقة فتطوف بروحك وتحلق بها بعيداً. هي بجانبي تلامست يدانا فحلقنا معاً. تسللت تلك النسمات الخفيفة إلى حجرتي. حملتني معها إلى السرير. ازداد اتساع رئتيّ، فأنا من المدخنين الشرهين ومع دفقات النسمات الباردة انزوت الحويصلات المملوءة بالهواء الفاسد. أفسحت مكاناً لذلك الهواء النقي كي يتربع على عرش أنفاسي. لامسته فاشتعلت روحي. ناعم الملمس يتنفس ببطء من وهج النشوى. إنها النسمات الشتوية الباردة. اقتربت منه أكثر. واجهني. يختبئ بدلال بين الأغصان الجرداء. ألا تعلم؟ أنه الشتاء والسيقان عارية ناعمة. حدثته. ابتسم لي. دعاني للدخول. لم أتردد فأنا الذي أسقط أسمه من بطاقات الدعوة، ها هو ذا يدعوني.

فلنذهب إلى حلب. هو أيضاً دعاني. ابن خالي الذي حضر من الجزائر. أنا لا أملك ما يكفي من النقود لأقوم بتلك الرحلة. ومن طلب منك ذلك؟ وتلك القروش الخمسة التي أعطيتني إياها يوم هربت من بطش ذيب وذيبه بعد أن صفعتها تلك الصفعة القوية التي وضعت بها كل عذاب السنين وألم الأيام، إلا تريد أن تستردها؟ الآن أيضاً ستقوم بدفع تكاليف رحلتي إلى حلب. لكنك موظف في الجزائر وأنا لا زلت طالباً. ليكن. قلت. ركبنا الأتوبيس في طريقنا إلى حلب. أراد أن يزرع شجرة في سوريا. قال لي. سيدفع ثمن ما سيسكبه في الأرض لزرع تلك الشجرة. أما أنا الذي دعي إلى ملامسة البقعة الملساء من الأرض المزهرة، لم يكن في نيتي دفع ثمن زرع شجرة أعرف أنها ستكون نبتة فاسدة. وهناك دخل هو وأفرغت أنا ما في معدتي من قذارة المكان. لم أستطع حتى النظر إلى تلك البقع الخربة التي فسدت من كثرة العيدان التي انغرست فيها. خرجت.

نظرت إليها. لم تتحدث، وأنا لم أفعل. تابعنا ارتشاف القهوة ونفث دخان لفائفنا في الفضاء. تحدثت عيناها. استلمت رسالتها، لم أتردد في الاستجابة. استلقت فوق النسمات الندية التي كانت تدخل من باب الحجرة. لقد تركنا الباب نصف مفتوح. كان الوقت ليلاً أو اقترب قليلاً من ذلك. تاهت أحاسيسي فلم أحس بالوقت. صعدت فوق النسمات. استجابت لي، تهادت جفونها فوق جفونها. ومع ذلك ما زلت أرى نظراتها تتسرب من بين الجفون المستلقية فوق بعضها بدلال. تحدثت أنفاسها الحارة. طرت فوقها. أمسكت بي. طرت محلقاً في علياء عالية حتى لا تلمسني تلك الأيام التي كنت فيها ظمآن أبحث عن بعض من الماء فلا أجده. يومها نقرت باب بيتهم، أردت أن أطلب بعضاً من الماء وفي الحقيقة كنت أطلب اللجوء إلى تلك البقعة الدافئة التي دونها الجرأة والإقدام. جبنت في اللحظات الأخيرة وانسحبت. وانسحبوا هم إلى خط الدفاع الثاني في محاولة لجر الجيش الإسرائيلي إلى وسط سيناء للقضاء عليه كما قال عز الدين. ولماذا وسط سيناء؟ هذه خطط القادة، قال. ومن يفهم مثل أولئك القادة؟ خط الدفاع الثاني أقرب إلى المدينة من الخط الأول. ثم وصلنا قناة السويس.

تخلصت من ملابسي وبدأت أسبح. رغم أنني لست بالسباح الماهر، إلا أنني سبحت كما لم أسبح في حياتي. ولقد سبحت ذات مرة في يوم مشهود. أربعاء أيوب. الجميع يذهبون إلى البحر ويلقون بأمنياتهم في الهواء آملين أن تتحقق، واعتقادهم أنها ستتحقق. ذهبت إلى البحر مع ابن خالي جهاد. في طريقنا إليه كانت أم كلثوم تشدو بأعذب لحن لعبد الوهاب. أنت عمري.

هات عينيك تسرح في دنيتهم عنيا....

ولقد استسلمت عيناها لعينيّ، وسبحت فيهما. ما أجمل السباحة في البحر الهادئ! ولقد كان بحري هادئاً. غصت فيه دون خوف من الغرق. سبحت وسبحت باستمتاع لا يضاهيه استمتاع.

يا أغلى من أيامي...

ولقد كانت أغلى من الأيام، أو الأيام كانت بلا ثمن. أرهقتني السباحة. أمضيت وقتاً لم أحتسبه من أيام حياتي سابحاً في بحر هادئ وهائج في آن. كانت موجاته تهمس لي برفق أن تابع سباحتك، فأنت سباح ماهر، مبتدئ، نعم، لكنك ماهر. انزلقت موجاتها الناعمة فكانت تدفع جسدي بيسر وسهولة إلى أعلى. كنت أستجيب للمساتها فأغرد مع الموجات. يا أحلى من أحلامي. لم تكن أحلامي مطلقاً بهذه الروعة. روعة الواقع الذي أسبح فيه. أوتراه حلماً؟ هو كذلك، حلم للحقيقة أقرب, أو هو حقيقة للحلم أقرب.

سبحت روحي مع شدو أم كلثوم. غبت عن واقعي. تناسيت ذيب وذيبه. يومها أعطاني ذيب قرشاً لأعود به إلى المخيم من البحر، واستقل هو وأولاده وذيبه سيارة تاكسي إلى البحر. أنا الزائد على الحمولة. قرش يكفي لأن أعود. مشينا، جهاد وأنا تدفعنا نسمات الربيع الرائعة. وصلنا البحر. كل أهل جباليا وبيت لاهيا تجمعوا هناك يقذفون بأمنياتهم. أدفع يا بحر، أدفع صبي، قالت إحداهن وأملها أن تتحقق رغبتها وتلد صبياً. وأخرى تتمنى زوجاً. وأنا كنت أتمنى أن أتخلص مما أنا فيه. أن أتحرر من قيودي. دعوت أن تتحقق أمنيتي، ولقد تحققت ولو بعد حين.

انزلقت من على النسمة بهدوء. تركت جسدها ملاصقاً لجسدي. تحسستها. ارتعشت. لا زالت راغبة في الذوبان مع النسمات الهائجة. هل أصبحت كذلك؟ هائجة، ناعسة، ثائرة، ناعمة، فاعلة، خارقة لتخترق ما يواجهها من حواجز. تدافعت النسمات المنعشة عبر باب الحجرة نصف المفتوح. لماذا تركناه كذلك؟ لنسمع ما يحدث في الخارج، حتى لا نفاجأ بالأحداث. وهم كانوا على أعلى درجة من الاستعداد حتى لا يفاجئهم العدو. ولقد فاجأهم. قال الرجل انتظرناهم من الشرق فأتونا من الغرب، أما نحن فكانت حواسنا كلها تطوف المكان حتى لا نفاجأ، ولم نفاجأ.

سبحنا في بحر جباليا الهادئ. تذوب نفسك بين المياه التي هي لا مياه. دافئة، باردة، هادئة، ملبيه. سبحنا، وكانت ملابسنا ملقاة على الشاطئ ترقد بأمان. حاولنا أن نقترب من بعض النساء السابحات معنا، نهرنا أحدهم أن ابتعدوا فابتعدنا. لكنا لم نخرج من البحر. كان يدعونا بإصرار أن نبقى ولم نخذله، مكثنا ساعة أو أكثر نحتضن أمواجه ويحتضننا هو.

صالحت بك أيامي، سامحت بك الزمن...

ولقد كانت النسمة الهادئة التي استلقيت فوقها هي طريقي إلى المصالحة مع زمني الذي لا زمن له. تركت عذاب الأيام ورائي وأخذت استمتع بلحظتي. نسيت الألم والجوع والعطش. استلقيت فوق نسمة رقيقة أتحسس أشهى الأطعمة وأجمل الأشياء. تركت جشعي كله يندلق فوق تلك النسمة، ولم يكن جشعاً، بل كانت رغبة هادرة تركت لها العنان لأن تصرخ وتصرخ وتصرخ وأنا أستجيب لها وتفتنني النسمة باستجابة رقيقة، بل بدعوة لأن أترك جشعي كله يندلق فوقها. هو الكرم الذي كان قد تأصل فيك بفعل معاناتك. كانت تقول. أعجبتني الفكرة، فتركت كرمي كله بين أنفاسها الحارة. دخنت لفافة وفعلت هي. لا زلنا فوق تلك النسمة الرائعة نحلم بالأشياء ونحلم بلا أشياء. نفثنا دخان لفائفنا بعيداً فوق النسمة، وفي لحظة همست لي أن نتابع تحليقنا خلفها. أخذنا نحلق معاً. تدفعني همساتها وأمواجها الرقيقة التي تحتضن اندفاعاتي فتهدأ لكنها تتابع غوصها إلى أعمق الأعماق. كنت أريد أن أصل هناك، وهي راغبة في ذلك. تتألم فيشجعني ألمها على الاندفاع. تدفع بموجها فيرتفع جسدي للحظات ثم يغوص مرة أخرى في النسمة.

رجعوني عنيك لأيامي...

رجعنا من البحر. بحثنا عن شاحنة تأخذنا إلى مخيم جباليا. وجدنا واحدة مكتظة بالرجال والنساء. تسللنا داخلها. اندفعت بجسدي، فأصبحت وسط الشاحنة. تلاصقت وبدوية في بداية إحساسها بالحياة. احتضنتني هي، أصبحت بين ساقيها. ضمتني إليها واستجبت أنا. استسلمت. دفعت بيدي إلى وردتها فتفتحت. لامستها، استنشقت عبيرها. تمايلت كفرع شجرة هزته نسمة ساحرة، اهتززت معها. لم أدفع القرش الذي أعطاني إياه ذيب، حيث أنني كنت مختبئاً وسط الأغصان الكثيفة. وصلنا البيت وكان هو وعائلته قد وصلوا قبلي. مددت له بالقرش قائلاً أنني لم أدفعه لصاحب الشاحنة. أخذه مني قائلاً أما كان بإمكانك أن تخفيه؟ وماذا لو تنازلت أنت عنه؟ لم أجرؤ على سؤاله. نمت ليلتي أحلم بذلك الفرع الندي الذي تمايل بفعل ملامستي له.

انتصف الليل، أو زاد قليلاً. كانت قواي لا زالت متماسكة. رغبت في التحليق مرة أخرى. فعلت، وحلقت هي هائمة بين غيوم أسقطت مطرها وآن لها أن تتوارى. توارينا نحن بينها. دخنا لفافة أخرى. لامستها. لامستني. لم يبق إلا قليل من الساعات وينسحق هذا الظلام الشهي. غادرتني. أقفلت الباب. استلقيت على سريري. نمت. نمت بعمق كأنني لم أنم من قبل.

في الصباح ذهبت إلى المدرسة. شدهني أن نقف دقيقة حداد ترحماً على روح طالب في فصلي الدراسي. لقد مات غريقاً ليلة أمس. عبد المعطي الهنداوي غرق. غرقت القيم وتمزقت الأحاسيس. دقيقة حداد على روحه. ومما زاد في لوعتي وحزني عليه أنني قابلته ليلة أمس وقدم لي زجاجة كوكاكولا. أخرج خنجره متباهياً به أمامي. لا تستعمله يا عبد المعطي، أنه قاتل. قلت له. ولم يستعمله أو لم يكن في مقدوره أن يستعمله أمام عدو غادر، أمام البحر. مات غريقاً دون أن يستعمل سلاحه للدفاع به عن نفسه.

وتم وقف إطلاق النار، وانسحبنا إلى خط الدفاع العاشر، إلى قناة السويس، وضاعت الضفة الغربية ومعها القدس والجولان وسيناء. نحن الآن نعد العدة لاسترجاع ما فقدناه. وخنجر عبد المعطي بقي في مكانه ولم يستعمله. غرق في البحر ولم يستعمله. ربما غرق خنجره معه، وبقينا نعاني في انتظار ما سيطول انتظاره...

لقد فقدت شيئاً ما. صحوت متأخرا. أخذت حماماً دافئاً ، ثم لبست ملابسي. كان طعام إفطاري جاهزاً. دخنت لفافة مع فنجان من القهوة ثم غادرت البيت في طريقي إلى لا مكان...

5

قالت سعدى:

-هذا لن يدوم وذاك لن يحدث.

لأول مرة تعارضه. سدد إليها نظرات خالية من النيران التي اعتادت أن تمتزج بها. إنها على حق، ولكن وضحى-وهذا اسم أختي التي لم أرها- عرجاء ونصيبها من الجمال اقتصر على عينين استعارت جمالهما من جمال عينيّ الهلالي الكبير. إنها على حق. قال الهلالي لنفسه، ولكن لا بد لها من أن تتزوج.

تابعت سعدى:

- لن أبقيها مع زوج هدّه المرض ولا يوجد في جيبه مليم يدفعه لها ولأولادها. ولن تتزوج من هذا الأقرع فارس. لم يبق إلا أن أزوج أبنتي ممن لا أنظر إليه وأنا في طريقي خائفة ومرتعبة في وسط ليل مخيف.

كانت وضحى قد تزوجت من قريب لنا فقير، لكنه يعتمد على قوته البدنية في كسب عيشه، لم يكن يملك من الأرض إلا القليل وهو أخ لثلاثة آخرين ماتت والدتهم وتركتهم لأب لا حول له ولا قوة. أنجبت منه ولدين وبنتاً. وفي قمة نشاطه أصيب بمرض الجذام. انزوى في حجرته ومكثت وضحى عنده عدة أسابيع تعيل أولادها على ما تجود به عليها سعدى. وسعدى هذه لها من الكبرياء ما يمنع أبنتها من أن تلتجئ إلى أي من أخوة زوجها لمساعدتها، وهم على أي حال لم يكونوا من ميسوري الحال ليساعدوها. هي من البداية ضد هذا الزواج، لكن إصرار الهلالي الكبير وعناده تغلبا على كبريائها ووافقت عليه. كان هم الهلالي أن يصون أبنته. زوجها شاب فقير، هذا صحيح، ولكن الهلالي يملك من الأرض ما يساعده على مساعدة زوج أبنته. اقتنعت سعدى بذلك. كانت تطمع بزوج لأبنتها من عائلة تضاهي عائلة الهلالي، ولكن هيهات أن تتحقق الأمنيات الصعبة. وعندما أصيب زوج وضحى بالجذام، أصرت على استرداد أبنتها وأولادها. وهذا ما حدث. وافق الهلالي تحت ضغط زوجته وكبرياء نفسه المتلحفة بالعقلانية على استردادهم. وفي ذات يوم طلب زوج وضحى أن يرى أولاده. رفضت سعدى بشدة خوفاً من أن يصابوا بالمرض مثله. رجتها وضحى أن تفعل، ولكن عناد سعدى كان هائلاً.

مضت شهور والرجل يعاني وربما يشكو همه إلى الله. ووضحى أيضاً كانت تعاني، فهي زوجته حتى وأن اعترضت في البداية على الاقتران به. وفي يوم توفي الرجل فتنفست سعدى الصعداء. لقد تخلصت من هم أثقل عليها كثيراً. احتضنت أبنتها وأولادها. ولكن ذكرى الرجل بدأت تخيم على حياتهم. تساقط أولاد وضحى مرضى واحداً تلو الآخر ثم ماتوا جميعاً. شدهت وضحى وكذلك سعدى. انتقام ألهي لا راد له. كيف يا سعدى لا تسمحين لزوج أبنتك أن يرى أولاده؟ ما هذه الكبرياء اللعينة التي أعمت عينيك وأفقدتك الرحمة من قلبك؟ لام الهلالي نفسه لأنه ترك زوجته تحقق ما تريد. استولى عليه الحزن أياماً طويلة هجر فيها سعدى ولم يكلمها.

- السلام عليكم.

- أهلاً أبا فارس.

هكذا كانت البداية بين الهلالي وأبي فارس. هو جار لنا ولكنه لا يملك أيضاً كثيراً من الأرض. استبشر به الهلالي خيراً، وأنبأه إحساسه بأن أبا فارس هذا يريد وضحى لأبنه. بعد أن حضرت فناجين الشاي والأرجيلة، قال أبو فارس:

- يشرفني أن أخطب أبنتكم وضحى لأبني فارس.

اهتز الهلالي طرباً، لكنه أخفي سعادته هذه تحت غطاء من الحكمة والتفكير الهادئ. لم يرد أن يظهر لأبي فارس رغبته بالموافقة خوفاً من أن يبدو الأمر سهلاً وأنه يتحين الفرصة لزواج أبنته من أي عابر طريق.

- أمهلني مدة أفكر في الأمر. قال الهلالي بصرامة مصطنعة.

- لا بأس. قال أبو فارس وانصرف.

اقتحمته سعدى. ذئبة اندفعت بكل قواها تدافع عن أبنتها. أن تبقى في بيت أبيها خير ألف مرة من أن القيها لهذا الفارس. ماذا سيقدم لها. أنها أبنتي ودليله ما زالت صغيرة. وضحى هي من سيساعدني في البيت ولن أقبل لها فارس هذا زوجاً. افترش الهلالي حصيرة نصف مهترئة تحت شجرة التوت الوارفة الظلال. طلب من نايف أن يعد له أرجيلته. اتكأ على مسند وضعه فوق جذع الشحرة. سرح ببصره في الفضاء الممتد بلا نهاية. سحب نفساً عميقاً من أرجيلته ونفث دخانه في الفضاء. هذه السعدى! لها من الكبرياء ما يجعلني عاجزاً عن تقريعها. لكنه حدث. قال الهلالي لنفسه. لاحقته إلى مجلسه تحت الشجرة. متوثبة كلبؤة أحاط الخطر بأطفالها. قذفها بنظرة نارية هذه المرة. سكنت بجانبه، لكن أنيابها ما زالت مستنفرة. أقفل شفتيه ولم يطلق سراح أي كلمة. أخفي تعابير وجهه حتى لا تقرأه سعدى. نظرت إليه. مازالت النظرة النارية تنبعث من عينيه. لاذت بالصمت. عرجاء وأرملة وتريد أن تبقيها بجانبها. يا لك من ذئبة مفترسة يا سعدى! حدّث نفسه. ذوت حدة النظرات النارية من عينيه، فقفزت سعدى.

- أوحقاً تريد تزويجها من هذا الفارس؟

انبعث العطف من عينيه، فهو وأن كان يبدو قاسي القلب، إلا أن له من المشاعر الجياشة ما يحتوي بها عائلته كلها. أنه يحبها. وهي أيضاً.

- وماذا نعمل يا سعدى؟ قال بصوت غلبت عليه العاطفة. هل نتركها بلا زواج؟ وإلى متى؟

- ربما يأتيها من هو أفضل منه!

- ومتى يأتي؟ الفتاة عرجاء ونصيبها من الجمال قليل. اتركيها فربما أسعدها الله وهي بجوار فارس.

- أهون عليّ أن تبقى بلا زواج من أن تتزوج هذا الفارس.

- يا سعدى اتق الله في بناتك.

- لا حول ولا قوة إلا بالله.

سحب نفساً عميقاً من أرجيلته. أدخل كماً هائلاً من الدخان إلى رئتيه. نفثة ببطء من بين شفتيه. تابعه وهو يتسلل في هذا الكون الهائل والفضاء الشاسع. ما كنهه؟ هذه الدنيا! أين ستأخذنا؟ من قال أن زوج وضحى يموت في أوج شبابه ثم يلحق به أولاده؟ يا لهذه الدنيا الغادرة. حضرت وضحى بأكواب الشاي. تأملها وهي في طريقها إليهم. عرجها واضح. غمرها بعطفه. أفسح لها مكاناً بجانبه. جلست. تناول كوب الشاي. ارتشف منه قليلاً ثم عاد إلى أرجيلته. صمت وصمتوا هم. حضر نايف. أبن زوجته الأولى، أخت سعدى. طويل القامة، قوي البنيان. لولا هذا المرض اللعين لكان نايف هذا ذا شأن. تابع تدخين أرجيلته وتابعت هي كركعتها. تأملته سعدى. غمرته بحبها وأعجابها.

حان وقت الرحيل. تقاسمنا الرسوب. كلنا.. أحمد وأحمد وأنا وآخرون. ستذهبون إلى عمان وتتركوننا هنا نتوه في شوارع دمشق. قلت لهم. هذه الوثيقة اللعينة، بها غير مسموح لي بمغادرة دمشق. قلت لنفسي. حزموا حقائبهم وذهبت معهم إلى موقف السيارات المتجهة إلى عمان. لم ننتظر طويلاً. اندسوا في سيارة، ثلاثتهم، أحمد الشاوي والبدوي وعياد عبد الهادي. دقائق ثم انطلقت بهم السيارة إلى عمان. بقيت وحدي، حيث أن محمد سالم فضّل أن يبقى في البيت.

ها أنت ذا وحيد مرة أخرى في شوارع مزدحمة بالناس. هناك بيت، ولكن أين الأهل والأصحاب؟ أين تلك الحبيبة التي قضيت معها أجمل أيام عمرك؟ أين فاروق وعبد الكريم؟ أتذكر، ذاك المساء الممطر في رام الله. كان يوم سبت. التقيت فاروق. أتيت أنت من بير زيت لزيارته. حمل مذياعه الخشبي الصغير وخرجتم معاً من المعهد. شارع طويل محاط بالأشجار العالية المورقة أبداً. إنها أشجار الكينياء رمز الكبرياء والدوام. تحت شجرة جلستما، كما جلس الهلالي وعائلته تحت تلك الشجرة، ولكن في دير سنيد. يومها وافقت سعدى على زواج ابنتها من فارس. تاهت بكم الأحاديث كل مكان. سبحت أفكارك في بحر من الأحلام. غاده والحب والحرب والسلام، فلسطين ودير سنيد. أوتعود الأيام وأعمل في حقل والدي؟ مات الهلالي وبقي ذيب وذيبه. مات نايف وبقي ذيب. هو رب الأسرة. أم كلثوم تشدو: شمس الأصيل. أنا وحبيبي يا نيل نلنا أمانينا.. كيف تتحقق الأماني؟ وضع فاروق مذياعه على حجر بجانبنا. لم نتحدث. كل يحادث نفسه. وقفنا. أخذنا نذرع الشارع جيئة وذهاباً. بدأت قطرات المطر تتساقط ببطء. أنها تنذر بعاصفة شديدة. قال فاروق. لنغادر المكان، قلت. مطرح ما يرسي الهوى ترسي مراسينا، والناي عالشط غنى والقلوب بتميل..بتميل يا جميل. ونحن غنينا بلا ناي وبلا صوت. تسارعت قطرات المطر. تسارعت.. تسارعت. شمس الأصيل. اختفت تلك الشمس. غابت خلف الأفق. أين يا ترى ذهبت؟ سبحت الدنيا في ظلام محبب إلى النفس. نستطيع أن نرى طريقنا. غادرنا المكان وتركنا أم كلثوم وشمس أصيلها. قطعنا مسافة صامتين. ثم.. أين المذياع؟ آه.. لقد نسيناه. رجعنا أدراجنا إليه. والقلوب بتميل.. يا نيل. التقطه فاروق وأسرعنا إلى داخل المعهد. أمام سينما دمشق توقفت. عن يميني كان مطعم المصري. نظرت إلى ساعتي. نسيتها في البيت. أوقفت أحدهم وسألته عن الوقت، أعتذر بأنه لا يحمل ساعة. وآخر قال أن ساعته معطلة. ما لنا وللوقت؟ قلت لنفسي. يتسرب من بين يديك دون أن تشعر به. ليذهب إلى الجحيم هذا الوقت. دعتني أمعائي لأن أتناول طعاماً ما. هل هو الغداء أم العشاء؟ لا أعرف ولا أريد أن أعرف. دخلت. محمود النجار، يا للصورة الدائمة الحضور؟ أنت هنا؟! ظننت أنني فقدتك إلى الأبد. احتضنني. قذفت بأفكاري وأحزاني فوق كتفيه. تحجر الدمع في مقلتيّ. كيف طاوعتك نفسك أن تتركني؟ جلست أمامه. نفس المكان الذي اعتدنا أن نجلس فيه في عمان.

- كيف أولادي وزوجتي؟ سألني.

فاجأني السؤال, وكيف لي أن أعرف أحوالهم وأنا بعيد عنهم آلاف الأميال. نظرت إليه. أنه صديق قريب إلى الروح، ومن حقه عليّ أن أرعى أولاده، لكن ما باليد حيله.

- لا أعرف! قلت باستحياء.

تجهم. عاتبتني نظراته. أنت الصديق ولا تعرف أحوال أولادي؟ قالت نظراته. ما هكذا تكون الصداقة، ولا هكذا يكون الوفاء. تابعت.

- أنت تعرف يا محمود أنني في دمشق، وأنا بعيد عنهم وحتى لا أعرفهم.

- ظننتك ستعود إلى غزة وترعى أولادي.

- كيف السبيل إلى ذلك؟

- تركتهم يرتعون في الفساد هناك وهربت أنت إلى دمشق. يقولون أنهم ثوار وتتقافز الدولارات بين أيديهم. ثم تقول لي لا أعرف أولادك؟

- ما باليد حيلة.

- هذه هي المصيبة. كيف نزيح هذا الوباء المسمى فساداً عن كاهلنا؟ أنتم.. لكنكم هربتم. والأمرّ أنكم تعتذرون.

- لا نستطيع مقاتلة الهواء!

- دون كاشوتا فعل.

- لسنا دون كاشوتا.

- تخلقونه.

وعندما غادرت المطعم، أمسكني من ذراعي.

- ستهرب كما هربت من عمان؟

شدهت. أنه هو. إذن ذاك الذي كان يحدثني في المطعم ليس محمود النجار.

- أهذا أنت؟

- تتدثر بأوهامك! ظننتني محمود النجار.

- أين هو؟

- تعرف وتسأل!

- ماذا تريد مني؟

- ها أنت ذا قد رسبت في الجامعة ورسبت في جباليا ورسبت في عمان. عمرك كله سلسلة من الفشل. أعمل شيئاً تعتز بأنك نجحت فيه.

هربت...

لست الوحيد الذي يهرب. كلهم هربوا وتركوا الأرض لهم. أما آن لهذا الهروب أن يندثر من حياتنا؟ هربت من جباليا ومن عمان، والمصيبة أنك هربت من ذاتك. سينما دمشق. فيلم الرمال الحمراء عن الغرب الأمريكي. لأزور أمريكا من خلاله. قلت لنفسي. هم الذين قتلوا رئيسهم. أتشمت فيهم وأنتم قتلكم من يتولون أمركم. يا لفداحة الفرق بيننا وبينهم. الرمال الحمراء. الأرض الخلاء، قاحلة تزينها أشجار متناثرة. الفرسان يتراكضون. تنطلق الرصاصات، فتخرق رؤوساً كثيرة وينتصر البطل. دائماً ينتصر البطل. يقف مع حبيبته تحت شجرة مورقة. الرمال تحت أقدامهم حمراء. وأنت أين تقف؟ أرض موحلة، تغوص فيها حتى عنقك. يا مسكين، لا دور لك، هكذا خلقت. ابحث لك عن دور! بحثت حتى حفيت قدماي. ألم تسمعه يقول لك أن حياتك سلسلة من الفشل المتتابع؟ تركت الرمال الحمراء وتغوص أنت في الوحل. من ذا الذي يدفعك لأن تغوص حتى عنقك؟ يدفعني؟ يدفعنا كلنا. قاوم حتى تنجو من الغرق، وإن نجوت أنت هل سينجو الآخرون؟ يا للسؤال المعضلة! أين أنت منهم. أنت الوباء أو أنت من جلب الوباء. هكذا يفكرون. وهل هي مصيبة أن أكون فلسطينياً؟ ومن غزة؟ أنت.. أنت الوباء.

خرجت أحمل وبائي. غابت الشمس كما غابت عندما كنا في رام الله. فاروق وأنا وأم كلثوم وشمس الأصيل. أين تلك الأيام؟ لازال الشارع مزدحماً بالمارة. أين يا ترى يقفون؟ أعلى الرمال الحمراء، أم تراهم يغوصون في الوحل حتى أعناقهم؟ سنجلب تلك الرمال ونغطي بها الوحل الذي تمدد حتى وصل عقولنا. ربما جيل آخر. لا بأس، ها هو ذا أمامي! من أين انبثق؟ أبو الرائد. ذاك الذي يريد أن يتعلق في الهواء يوم صرخت فيه أن لا وضع تنظيمي لي. ها هو ذا أمامي. تأملته. التقت عيناي عينيه. أنه هو. تقدم نحوي، بل أنا من تقدم باتجاهه. أريد دوري. ربما لا تصلح لأن تكون ذا دور. قابلته. توقفت وتوقف هو. مدّ يده فالتصقت بيدي مصافحة، مصافحة ليست من القلب.

- أهلاً بالهلالي؟ قال مرحباً، ربما ترحيباً كاذباً.

- أهلاً بأبي الرائد. قلت مجارياً ترحيبه.

- أين أنت الآن؟

- كما ترى، في ساحة المرجة.

ضحك وضحكت أنا. لقد تعمدت أن أقول ما قلته رغم أنني أعرف ما يقصده.

- أقصد ماذا تعمل؟

- وماذا تراني أعمل؟ أصطاد في شوارع ضيقة. تابعت سخريتي.

- كأنك قرأت جبرا إبراهيم جبرا!

- كأنني؟ قلت مستنكراً. بل قرأت كل رواياته. تابعت صادقاً.

- وأين أنت منها؟

- صراخي طويل في ليل كأنه سرمدي.

- أصبحت مثقفاً.

قال بلهجة لم أستطع أن أميز إن كانت ساخرة أم صادقة، وظني أنها الأولي.

- صفة أتمناها، لكني لا أدعيها الآن.

في بهو الفندق الأخضر جلسنا. من الفنادق الراقية في دمشق، والثوار دائماً يجب أن يلتقوا في الفنادق الراقية حيث الجواسيس ومتصيدو المعلومات وملتقطو الصور خفية. جلست انتظره كما طلب مني وذهب هو إلى حجرته. حجرته أم جناحه؟ لا أدري. أشعلت لفافة وقدم لي عامل الفندق فنجاناً من القهوة كان قد طلبه لي أبو الرائد. نظرت إليه وهو في طريقه إلى حيث أجلس. تأملته. وجه لامع وسترة راقية وبنطال أرقى وربطة عنق من أغلى الأنواع. "آه يا جرحي المكابر، وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافراً." أه يا محمود درويش! وطني ليس حقيبة وأنا... وأنا من؟! المسافر، التائه، الحائر، المغامر، المقامر؟ أنا الذي لا دور له. أمبراطور؟ وزير خارجيه؟ أي شيء إلا ثائر. هو مدرس ثانوي، ومن سكان مخيم جباليا. "حقا؟" قال رفيق ظلي. نعم هو كذلك. ولم العجب؟ المخيم يحوي النصاب والشريف، الحرامي والثائر، الجاسوس والفدائي، والكاذب والصادق.

- أراك وقد بدأت بالصفة القذرة؟ قال مستنكراً.

- لأن القذارة ترتع في أرواحنا وتدمر كل قيمنا. قلت له بحدة.

- الآن لا تتغاب وحاول أن تحصل منه على منحة.

- يا رجل! يا طالب الدبس من قفى النمس.

- الدولارات بين يديه.

- لكنها ليست خارج يديه.

- ها هو ذا قد قدم.

- أصمت أو انصرف.

- سأصمت. قال ثم توارى عن الأنظار.

جلس أمامي. أخرج علبة لفائفه الفاخرة. نظر إلى ما بين أصابعي. كانت لفافة من نوع الحمراء السورية تحترق ببطء. دخانها ملأ المكان. يبدو أن رائحتها قد ضايقته. قدم لي لفافة رفضتها بعناد.

- يا رجل أمسح زورك بلفافة كنت الأمريكية الصنع.

- أخاف أن أعتاد عليها. وكما تعرف ليس بأمكاني أن أشتريها.

صمت. أشعل لفافته، فأطفأت أنا لفافتي. عندما تتحدث أمريكا على الآخرين أن يصمتوا. نشتمهم بأقذع الشتائم ونستلقي تحت أقدامهم وندخن لفائفهم ونقود سياراتهم. يا لنا من أمة ضلت طريقها! أنها تتحلل! ربما تهترئ! قلت لنفسي. طال صمته، ولم أرد أنا أن أبدأ الحديث. وماذا سأقول؟ لا دور لي. هو يريد أن يلغي دوري حتى يحافظ على دوره. أي دور من الأدوار يا ترى دوره؟ مازال صامتاً. وفجأة انفرجت أساريره. تقدم باتجاهنا رجل نحيف لكنه طويل القامة. وقف أبو الرائد يرحب به، فوقفت أنا كذلك. لا بد أنه مسؤول. لكنه يبدو من درجة أقل من أبي الرائد. شاركنا جلستنا. قدم له أبو الرائد لفافة، أشعلها بارتياح. رمقني بنظرة، فالتقت عيوننا. أنه كذلك، كما توقعت، مسؤول. قلت لنفسي. قدمني له أبو الرائد، ثم قدمه لي.

- الرفيق صلاح، مسؤول الساحة هنا في دمشق.

- أهلاً وسهلاً.

- الرفيق يوسف الهلالي.

كرهت أن يلفظ أسمي الحقيقي. وددت أن يدعوني بأسمي التنظيمي. لقد اخترت أسم "إبراهيم حمدي" بطل رواية في بيتنا رجل لأحسان عبد القدوس. ظني أنه نسي أسمي الحركي، وقدمني بأسمي الحقيقي. لا بأس. قلت لنفسي.

- يوسف. وجه حديثه لي. هذا هو مسؤولك التنظيمي، ومن هذه اللحظة لك وضع تنظيمي. أترك الهواء الذي كنت معلقاً به وتعلق بالرفيق صلاح. أترك الهواء للآخرين مثلي.

- من أين الرفيق يوسف؟ سألني صلاح.

- من غزة!

- أعرف هذا فهو واضح من لهجتك. ولكن من أين من غزة؟

- من مخيم جباليا.

- أهلاً وسهلاً.

- الرفيق يوسف من الرفاق الذين يحافظون على مواعيدهم، إياك أن يشتكي منك يا رفيق صلاح. سترتاح للعمل معه. دقيق في مواعيده وحماسه زائد.

- وماذا يعمل الرفيق؟

- في الجامعة. طالب في كلية الآداب-قسم اللغة الإنجليزية.

- قسم حسان دمشق؟!

- هذا ما تقوله أنت.

هل ارتحت له؟ سألت نفسي. لعلني. يختلف عن أبي الرائد. يبدو جاداً على غير ما اعتدت أن أرى من رجال في عمان. استرقت عدة نظرات إليه. جهدت أن لا يلحظني وأنا أرمقه بنظراتي الفاحصة. اقترب من نفسي أكثر. لا يذكرني بأحد. لا فاروق ولا عبد الكريم، ولا حتى محمود النجار. لكني ارتحت له. أخرجت علبة لفائفي وقدمت له واحدة. قبلها مني، وأشعل لفافتي. أنني حقاً ارتحت إليه. طالت جلستنا، وقبل أن أغادر بادرني قائلاً:

- متى نلتفي؟

- أفضّل مساء كل خميس.

- وهو كذلك.

- وأين سألتقي بك؟

أخرج ورقة وقلماً وكتب عنوانه. قرأته، مخيم اليرموك-شارع فلسطين. في نفس المكان الذي أسكن فيه. ارتاحت أساريري.

- نحن نسكن في نفس المخيم!

- أين تسكن؟

في اللحظة التي كادت الكلمات أن تنطلق من بين شفتيّ، أعدمتها. سري يجب أن يكون ملكي. لا أريد أحداً أن يعرف أين أسكن. لقد ارتحت له، لكنه لا يجب أن يعرف أين أسكن.

- قريباً من مسكنك. سألتقيك مساء هذا الخميس إن شاء الله.

- إلى اللقاء.

غادرتهما. وقت العشاء ولم يدعني! كيف له أن يدعو من يؤرقون رتابة حياتهم؟ ولكن ماذا عن صلاح؟ هل هو نسخة منه؟ ظني أن لا، لكنه مسؤوله وعليه أن يجالسه ويستمع له. غادرتهم. لم انتظر طويلاً حتى اقتحمت أحشاء الحافلة المتجهة إلى مخيم اليرموك. وجدت مقعداً خالياً بجانب النافذة. جلست فيه. لم يشاركني أحد. لحظات وانطلقت الحافلة في طريقها إلى حيث أسكن. أغمضت عينيّ وأسندت رأسي إلى حافة المقعد. تحررت من كل قيودي. وصلني هدير المحرك قوياً، يدفع الحافلة إلى الأمام بقوة هائلة.

من ذا الذي يوقف اندفاعنا إلى الأمام؟! سألت نفسي بحدة.

ما الذي يحدث يضرب الأسد على رأسه يتألم يترنح ربما ترديه الضربة أرضاً لكنه ينهض من جديد يمارس حياته وكأنه خلق للمرة الثانية ونحن نجلس في مكان ما تحت الشمس ولا نحرك ساكناً الأرض آه هذه الأرض أهي الوطن لماذا يرتبط القلب بها ويتعلق بذرات ترابها أنها تضيع وتضيع معها كرامتنا وشخصيتنا وذاتنا آما آن لنا أن ننطلق ها أنذا في الجامعة وبعد ذلك مدرس أتزوج أولاد وبنات والأرض تضيع ما الذي يحدث تشوهت أفكارنا وعندما اعتدلت انطلقت كل الأسهم تصطادها نحن الذين عريناها أمامهم جميعاً اقتلوا ممثل فتح قبل ممثل الحكومة قال أبو نضال عندما اجتمعنا به لن نسلم سلاحنا ولماذا يظهر سلاحنا أصلاً فيتنام مثل يحتذى كيف نخلق أخرى يا الله كم هانت علينا كرامتنا ترتع في عشب أخضر أملس الملمس وهم هناك يعانون تدخن اللفائف وتشرب القهوة والشاي وترتاد أرقى الفنادق وهم هناك يتأوهون من وقع أحذيتهم العسكرية تسربت أنت إلى الأسن كل ما يحيط بك آسن أين ذاك الدور الذي كنت تحلم به أنت جزء من الأسن المستشري في الذات هذه الذات غير السوية أنت لست وحدك المحكوم بذيب وذيبه هم أيضاً كذلك والرجل الذي وهب نفسه ليحررنا من ذيب وذيبه قتلوه كم حاربناه عندما قدم رئيس وزراء استراليا ليتباحث معه أثناء أزمة السويس وجه له أنذاراً في بداية الإجتماع جمع أوراقه انتهى الإجتماع ليس لدي ما أناقشه معكم قال وغادر القاعة وترك رئيس وزراء استراليا ينتف ريشه الذي كان قد انتفش وتطاير نحتاج لهذه الكبرياء ولهذه الكرامة اندثرتا من يحييهما مرة أخرى الأرض هذه الكلمة الخطيرة أنها الوطن ونحن نعيش على أرض ليست وطناً ما كنه هذا الوطن يغزوك وأنت وسط الأسن هذه النفس الدنسة تغرق وتغرق في الوحل وأنت تغرق معها وأحمد البدوي غرق في ذاته لأنه غرق في الوطن لا فائدة يا يوسف قال ذات مرة حتى من كنا نظن أنهم سينقذوننا من الغرق غرقوا هم في الفساد أحضر زجاجة عرق وأخرى بيرة شاركه شحته الطويل الجلسة دلق كأساً من العرق إلى جوفه أتبعه بآخر ثم كأساً من البيرة وبعض الطعام وهكذا فعل شحته وتابع كل منهم الشرب بتلذذ غريب أغروني أن أشاركهم لكني لم أرتح لمذاق ما يشربون جد على بكأس آخر يا أحمد لبيك يا طويل القامة والفكر هذا عطاؤك عن العام المقبل أدلق هذا الشراب في جوفك فهو يشفي من مرض الفكر ليت شعري أين أبا نواس يشاركنا جلستنا جد علىّ بكأس آخر قال البدوي وقف أبو نواس خلف الأمام وهو يقرأ " قل يا أيها الكافرون" " لبيك" قال أبو نواس وكان قد ملأ معدته من شراب العنب المعتق وفي نهاية الصلاة انهالت الأحذية على رأسه أيها الفاسق أنت من قرأ الواقع لبيك صاح الطويل كأساً آخر ولفافة تبغ من النوع الرديء وكأسك يا وطن يا وطن الفقراء المساكين يرتع فيك أقسى أنواع اللصوص يسرقونك وأنت تقدم بلا تردد لبيك يا وطني وهؤلاء يرتعون في الفساد ويتمرغون في أحضان الغواني ويرفعون راية الثورة يسرقونك ويرفعون راية الثورة وبعد ذلك تسأل من الذي يعوق اندفاعك إلى الأمام يقتلون المندفعين لدفعك أنت إلى الأمام حتى يحين موعد قتلك ويرفعون راية الثورة ترتع أنت في الفساد وترفع راية الثورة لبيك يا وطني نحن من سيقدمك على طاولة الطعام هدية لهم لبيك يا وطني يا مهد الأنبياء من يتلفظ بالوطن سنقذف به خلف الشمس لبيك يا وطني سنحرره من النهر إلى البحر ونبتعد نحن سنحرره ونبتعد نحن أغثني بكأس يا بدوي لبيك يا طويل القامة والفساد لبيك يا عشبي الأخضر سأتمرغ فوق أعشابك الندية سأدلق كل أحباطاتي فوق جسدك الغض فأنا عصر الفساد عصر الإنفراد عصر الإنحسار عصر الهزيمة عصر من لا عصر له لبيك يا وطني

صحوت...

التصقت العجلات بالأسفلت المهترئ. توقفت الحافلة. نظرت من النافذة. وصلت. تحركت قدماي ببطء. حان الوقت لأن التصق بواقعي. نزلت. وصلت المنزل. لم أضغط جرس الباب كما كانت عادتي. أدخلت المفتاح في القفل وفتحت الباب. دخلت. تحرك الباب قليلاً. لقد أحست بي. أرادت أن تتأكد. دخلت حجرتي. أشعلت الضوء. جلست لثوان على السرير. لا عمل لدي. أخلقه يا رجل. هناك الكثير لتفعله. اقرأ رواية أخرى. أدرس بعضاً من دروس اللغة الفرنسية التي رسبت فيها. لا رغبة لي في ذلك. تابعت تمددي على السرير. وهم لماذا لا يعملون؟ سألت نفسي . الأرض ضاعت، هناك الكثير ليعملوه كي يستردوها، لكنهم لا يعملون. ربما خسروها على طاولة القمار. أنت تختلف! أنا جزء من الأسن. أنا منهم، لم أتميز؟ خرجت من نفس الرحم الذي خرجوا منه جميعاً. يا رجل؟! ابحث عمن يعملون. خلف الشمس. هم خلف الشمس. لا أريد أن أكون خلفها. أعمل بصمت.

دخلت...

أهذا أنت؟ سؤال ملون بالرغبة والإندثار. أرتحت لقدومها. لم أكن أتوقعها. لكنها حضرت ومعها فناجين القهوة. هي تعرف مقدار محبتي للقهوة وللغوص في المياه الدافئة، ومن غيرها يملك تلك المياه التي تدعوك للسباحة حتى وأن كنت جاهلاً بها؟ جلست على حافة السرير، في منتصفي. أحضرت كرسياً ووضعت عليه فناجين القهوة. لم أعتدل ولم ترد هي أن أفعل. التصقت بي. هاجت رغبتي كما هاجت أفكاري وأنا في الحافلة في طريقي إلى المنزل. أشعلت لفافة جديدة من لفائفي التي توشك على الإندثار. قدمت لها لفافة وأخذنا ندخن. تحسستها. ارتعشت تحت وقع لمساتي. نفثت الدخان في وجهها. تحولت إلى صورة هلامية سابحة في الفضاء. عمقت نظراتي فيها. اخترقت الدخان. وصلتها. لازالت يدي تطوف جسدها. مضطربة، متعثرة، وناعسة. تحسستني هي. وقفت. أعادتني إلى وضعي الأول، مستلقياً فوق السرير.

- ليس الآن. قالت.

ولم ليس الآن؟ سألت. ليس الآن. هناك الكثير لنفعله. ليس الآن. والأرض ضاعت، لم ليس الآن؟ ضباب يغلف المنطقة. ليس الآن. هذا الضباب اللعين! كان عليه أن ينتظر حتى نعمل! ضباب، ضباب، ليس الآن! متى إذاً؟ مازال هناك متسع من الوقت لنفعل ما نريد. تحسستني. نار مشتعلة في هشيم لا ينتهي. لا راد لها! لا يمكنك إطفاءها. أحست هي بها. أحرقتها. نار..نار.. نار هوجاء.

- تعشيت؟

- لا.

- إذاً بعد العشاء.

- لينتظر العشاء.

- العشاء أولاً. لم أذق طعم الطعام وأنت خارج البيت.

متى تناولوا طعام عشائهم؟ بعد أن ضاعت الآرض أم قبل ذلك؟ تتوقف المدافع عن الإطلاق. القائد العام في طريقه إلى الجبهة. وهم يعرفون ذلك. بعد العشاء، تتحرك الدبابات. وهم يعرفون ذلك. وحضر العشاء. أجساد جميلة فاتنة، وكلمات فاضحة غانجة وشراب مستورد من فرنسا ودجاج وسمك. وبدأت الحفلة وتحركوا هم. طائراتهم تجوب السماء كلها. بعد العشاء. تحركوا أنتم. أنهم فوق رؤوسكم. بعد العشاء. وتم كل شيء بعد العشاء. حتى الأرض ضاعت بعد العشاء. أصرت أن أتناولها بعد العشاء. كانت ترتجف تحت يديّ ومع ذلك أصرت أن نبدأ بعد العشاء. رضخت لرغبتها. النار تأكلني، تشتعل في كل أنحاء جسدي. حاولت إطفاءها، لم أستطع. تشتعل وتشتعل. ذهبت هي وبقيت أنا أشتعل. ليكن، بعد العشاء. قلت لنفسي.

أشعلت لفافة.

شخص ما على الباب. سمعت الجرس. إذاً بعد العشاء. ارتديت بيجامتي بسرعة. ذهبت إلى مدخل البيت. فتحت الباب وأذ بأبي الهيثم وجهاد أبن خالي وسالم أبن عم أبي الهيثم بالباب. عانقتهم بحرارة، ومما زاد في حرارة عناقي لهم تلك النار المشتعلة داخلي ولم أستطع إطفاءها. هل ارتحت؟ بعد العشاء؟ ها نحن قبل العشاء ولم نفعل شيئاً. دعوتهم للدخول. دخلوا. جلست على مقعدي بجانب الطاولة. نفس المعقد الذي جلست هي عليه قبل أن تتوسد جسدي. جلس الآخرون على السرير. شاركني جهاد المعقد الآخر. أحسست بالنار تتسرب إلى جسدي من المقعد.

- كيف تسير الأمور؟ سألني أبو الهيثم.

أبو الهيثم! قضيت ثلاث سنوات في سجون الأردن. ظن الجميع أنك قتلت. وأنت أيضاً فقدت والدك مثلي منذ صغرك. لكن عمك تولاك برعايته ونشأت كأنك في بيت والدك. ماذا فعل السجن بك؟ ها أنت ذا أمامي كما أنت. انتفخ كرشك كثيراً. وأم الهيثم، تلك المرأة الكريمة الرائعة. أوتراك أرسلت لها كي تلتحق بك؟

- أظنها على خير ما يرام. قلت.

- هل نجحت في الجامعة؟

- نجحت في خمس مواد.

- معنى ذلك أنك ستبقى في سنة أولى. قال جهاد.

أسموها نكسة بدل هزيمة. ما كنه هذا العقل العربي؟ كان جهاد يعني أنني رسبت في السنة الأولى، لكنه رفض أن يلفظ كلمة الرسوب. المعنى واحد. لكنه حافظ على شعوري ولم يلفظها. وهم على ماذا حافظوا عندما أسموها نكسة؟ حافظوا على كراسيهم المهترئة. يا لنا من أمة خدّرت حواسها!

- أظن ذلك.

- ما رأيك في أن تترك الجامعة وتعمل مدرساً عندنا في الجزائر؟ قال جهاد.

لم ترق لي الفكرة. أريد أن أحصل على الشهادة الجامعية أولاً. وسأحصل عليها إن شاء الله. بعدها تأتيالوظيفة والزواج.

- سأحاول أن أحصل على الشهادة أولاً.

ودار الحديث يطوف ذكرياتنا في جباليا والغارات التي كنا نشنها على حقول البرتقال واللوز والتفاح. وكان نصيب ذيب وذيبه من الذكريات كبيراً. ذكرني جهاد بتلك الصفعة التي وجهتها إلى ذيبه وتظاهرت هي بالموت.

- هذا النوع من النساء لا يموت. قال أبو الهيثم.

- لقد تحررت منها. قال جهاد.

- لا تنس ذيب. قال أبو الهيثم.

- وهو الآخر تحررت منه.

- أظنهما يمسكان بعنقك حتى وهما بعيدان عنك. قال أبو الهيثم.

أظن ذلك. فهما وأن كانا يبعدان مئات الأميال عني إلا أن تصرفاتي محكومة بهما. حاولت أن أتخلص منهما. نجحت جزئياً. قالت لي دليله في أحدى رسائلها، أنت الآن في مدينة كبيرة، وتدرس في الجامعة. عليك أن تهيل التراب على الماضي وتنساهما. حاولت. لكن محاولتي كانت نصف ناجحة.

- شخص ما بالباب. قال جهاد.

ذهبت. راضي. أخ أم وسيم. أنه يستأذن في الدخول.

- وهل تحتاج إلى أذن. تفضل يا رجل.

دخل. صافح الجميع. قدمته لهم وقدمتهم له. بعد العشاء يا حبيبه! تركت النار تلتهم أحاسيسي وعندما كدت أن أطفئها، عاندت هيجان الذات وأبقيت النار مشتعلة. سنطفئها بعد العشاء. قالت حبيبه. أيا حبيبه علينا أن نقتنص لحظات الذوبان هذه من بين فكيّ هذا الحيوان المفترس. حضر وسيم بأكواب الشاي. اشتعلت اللفائف. ملأ دخانها الحجرة. ازدادت النار اشتعالاً. استأذنت في الذهاب إلى الحمام. في طريقي لمحتها. وقفت لحظات. تقدمت هي باتجاه بابها. حرفت طريقي إليها. أمسكتها. استسلمت. اهتزت تحت قبضة يدي. تطاير اللهب في كل مكان. احتضنتها. يا مجنون، ابتعد. قالت. أغيثيني بالمياه لأطفئ النار. يا مجنون ابتعد، سينكشف كل شيء. لا أبالي، قلت. أنت حقاً مجنون. قالت. عصرتها بين أصابعي. لم أعد أحس بما يدور حولي. ها هو وسيم في طريقة إلينا. قالت. تراخت عضلات جسدي كلها. تركتها وذهبت إلى الحمام.

- غداً تتناول طعام الغداء معنا. قال أبو الهيثم.

- وهو كذلك.

غادروا المنزل. بقي راضي. قدمت له لفافة وحضرت أم وسيم بفناجين القهوة. دخنا اللفائف. اعتادت هي أن تدخن أمامه. لحظات ودعتنا جميعاً لتناول طعام العشاء. اقتربت اللحظة وانحسرت المعاناة وستلقي بأحمالك في بحر لا يعترف لا بالمكان ولا بالزمان. قلت لنفسي. أكلت باستمتاع ممزوج برغبة هائلة احتفظت بها في جنباتي فأحرقتني. كنت أتبادل الحديث مع راضي مؤملاً النفس بأنه سيغادرنا حال انتهائنا من تناول الطعام.

- ستأتي أمل. كانت تعيد ترتيب البيت. لقد نثرنا مادة قاتلة للحشرات في البيت.

أنت تريد وهو يريد والأمور تسير كما تريد. هاجت أفكاري. سينامان هنا الليلة. وأنت ونيرانك إلى الجحيم. سنحارب أسرائيل ومن هم وراء أسرائيل. لم يعرف المسكين أن كل خططه وحتى أسماء ضباطه عندهم. بعد العشاء سنعوم فوق الآمواج الناعسة وها هو ذا راضي وأمل يقتحمان خططنا وسينامان عندنا. ليشربوا من البحر الأحمر إن لم يكفهم البحر الأبيض. وبعدها طارت سيناء والضفة وغزة والجولان وفوقها كلها القدس. لا تجري الأمور كما نتمناها. وكيف يمكن تطويعها؟ سؤال ربما سأله لنفسه. وها أنذا اسأله لنفسي.

- ستنامان عندنا؟ سألت بحسرة.

استشعرت لوعتها وآمالها الميتة تحت أقدام راضي وأمل. ماتت رغبتي البائسة. انتثرت اجزاؤها في كل مكان من جسدي. بدأت التقطها وأعيد هيكلتها ثم قذفت بها في حفرة عميقة. أهلت عليها التراب غير آسف. ضاعت غزه وجباليا وقبلها دير سنيد والقدس، ولم لا تلك الرغبة المجنونة؟ كنت أحلم بدير سنيد فأصبحت أحلم بجباليا. وحتى هذا الحلم بدأ يندثر تحت وقع الإحباطات المتتالية. أين أنت من تلك الآمال الباهرة التي كانت هي كل حياتك؟ ما الذي سيحدث أيها الأخوة عندما سنقاتل؟ ربما نستشهد أو يلقون القبض علينا! عندها سننتقل من السجن الكبير إلى السجن الصغير، وكله سجن. هكذا كنت تخطب في جمع من الطلاب في كلية بير زيت. فلنقاطع السلع الآمريكية لأنهم هم سبب البلاء الظاهر. صفق لك الطلاب يومها بحرارة. وعندما انزويت في ركن من مبنى اتحاد الطلبة التقتك غاده. عانقت يدها يدك وتحركت مشاعرك تحتضنها. عيناها حائرتان تنتفضان من الحب والهيام. وأنت في صورة الثائر البطل تنتفض من حرارة اللقاء. أين ذهب كل هذا؟ أين؟ تحرقك الرغبة الشيطانية، ويزيد تصاعد اللهب في اجزائك أنها هي أيضاً تحترق أمامك.

- ولم لا؟ قلت.

حاولت أن أضفي عقلانية على جملتي، ولكن! فضحتني الرغبة، ولحسن حظي أن راضي لم يلحظ ذلك. ربما لحظه وفسره بشكل آخر. انتبهت هي فازدادت النيران اشتعالاً في جسدها. وصلني اللهب فتحسست علبة لفائفي. أخرجتها. فارغة.

نهضت.

- إلى أين؟ سألتني بانكسار.

- أشتري علبة لفائف.

- اللفائف موجودة.

- لكني أريد أن أشتري علبة.

خرجت.

- انتظر!

خرجت!

6

كان أخوك نايف قد ملأ سلة بالعنب وذهب بها إلى بيت أهل زوجته. علم الهلالي بذلك، فانتفض من الغضب. أنه يحبهم، لكنه لم يغفر لنايف فعلته التي فعلها من وراء ظهره. حمل نبوته وأخذ يبحث عنه.

- صه!

- ما خطبك؟ لم تعتد أن تكلمني بهذه الحدة.

- لقد مللتك يا رجل. في بداية كل فصل تتحدث عن الهلالي ثم تعود ليوسف. أصبحت مملاً بدرجة كبيرة.

- من قال هذا؟

- اسأل هذا الرجل الذي أمضى وقتاً يقرأ قصة هذا الهلالي التائه.

- هل حقاً مللت حكايتي؟

- الرتابة تؤدي إلى الملل. لا بد من التغيير.

- أسمعت؟ هذا رأي قارئ يمثل قراءك.

سعدت بانتصار رأيي. كانتصاراتنا العربية! قلت له. هذه الانتصارات الجوفاء أوصلتنا إلى حافة الجنون. كل شيء يهترئ حتى روايتك عن الهلالي أخذت تتحلل. إنصاتي لك بدأ يشوبه الغثيان. حتى هي أيضاً بدأت تهترئ. لا بد من التجديد. هل عندك من الجديد شيء؟ إن لم يكن لديك شيء إصمت.

- لا لن أصمت. صاح بأعلى صوته. عليك أن تنقل تيه هذا الفلسطيني الذي قاوم الإهتراء إلى الآخرين. إنها تجربة عميقة وشاقة. أرجوك لا تبتعد عني وتابع سماع ما أقول. وأعدك بالتجديد. إن أردت أفردت صفحة للقراء ليسجلوا آراءهم ويرسلوها لي حتى أنفذ رغباتهم.

- تعلمت الديمقراطية. قلت بهلع.

- لا تقترب من هذه الكلمة وإلا كان الإهتراء مصير روايتك.

- لا تخف، فالكل ينادي بها، حتى من يتولون أمرنا.

- يا رجل حط في الخرج. الكلام لا ضريبة عليه.

- لا أريد أن أغيب خلف القضبان.

- سأضعك وسط عقل الهلالي لتنقل لقرائك ما يدور فيه.

- أي منهم؟

- الهلالي الصغير.

- هذا شيء جيد. سأرتاح أنا من ترتيب أفكاره وإخراجها بشكل مريح.

- أدخل.

- أين؟

- إلى عقله.

- أين هو؟

- خرج من بيته هائماً على وجهه.

- متى؟

- لا معنى للوقت، لأنه لا يعني شيئاً.

- والقراء؟

- حتى هم لا يحسون به.

- لكني.....

- لا تتذاك. أدخل في عقله قبل أن تصبح أنت الآخر مملاً. لقد طال حديثك معي، والقراء ينتظرون. أسرع!

دخلت.

كان عليك اقتناص اللحظة يقولون أن الفرصة لا تتكرر ولقد أتتك هذه الفرصة وأضعتها لكن الأمر كان خارج متناول يدي أنا لم أدعهم لزيارتي وكان علينا أن نهاجمهم قبل أن يساووا طائراتنا بالأرض وهي جاثمة في مخابئها صدقني كانت النتيجة ستكون نفسها ربما كنتم خسرتموها في السماء ليتنا فعلنا ذلك كان أشرف لنا أن نموت واقفين كما الأشجار ها أنت ذا تعود للمسرحية الأسبانية الأشجار تموت واقفة لم أقرأها أعجبتني لأنني قرأت مقالاً عنها ففهمت ما تعني وقبل ذلك عدت مرة أخرى لستيرن وحياة وآراء ترستام شاندي أقول صادقاً أنني تأثرت بهما لكني لا أحاكيهما حتى أنني لم أفرد صفحة خالية من الكلمات للقراء حتى يكتبوا آراءهم أريد لفافة والمحلات مقفلة لا بد وأن الوقت قد تجاوز الواحدة صباحاً والشوارع خالية من المارة وأنت وحيد هي وحدتي الأبدية التي أعشقها لكن اللفافة الآن تفعل فعلها وأنا لا أملك حتى نصف لفافة لا تبتئس لقد كانت الطريق من قناة السويس حيث أخذت قواتهم تستريح إلى القاهرة والناس مذهولة مما حدث خالية ولم يكن بإمكانك أن ترى جندياً واحداً فأنت لست وحيداً في هذه الحالة عن بعد رأيته صرخت عليه عياد عياد الهادي أنت المنقذ الآن صرخت عليه صرخة مدوية تردد صداها في الشوارع الخالية من روادها لا أظن صرختي تضاهي صرخة تلك الإعرابية التي استجارت بالمعتصم عندما أهانها جندي روماني يومها هب المعتصم لنجدتها بجيش آخره في عموريا وأوله يلبي صرخة الأعرابية يا لله كل نساء فلسطين وشيوخها يصرخون ولا يجدون من يلبي النداء من الأفضل أن نحتفظ بصرخاتنا إلى زمن آخر ومن حسن حظي أن عياد الهادي استجاب لصرختي تقدم باتجاهي

- عياد..أريد لفافة. هل لديك من اللفائف ما يكفي لإطفاء لوعتي؟

- هي في البيت.

- إذن هيا إلى البيت.

ذهبنا معاً. أمسك بيدي، فعرف مقدار معاناتي. لقد كنت أرتجف.

- أوتعمل بك اللفافة كل هذا؟!

- وماذا حدث لي؟

- أنك لا ترى نفسك. أنت ترتجف.

- حقاً! ربما.

ربما كانت كافية حتى لا يفضحني الدخان المتصاعد من جراء انطفاء جذوة النار التي أحرقت أحاسيسي كلها. بدأت أحس بالنسمات الصباحية وأعود أنا كما أنا. آه! غاده. وسط الأشواك أذكرك وبين الليلك والزنبق والياسمين أذكرك. أتحسسك، أستنشقك. أنت الجنة التي فقدتها. أين أنت يا غاده لتحولي بيني وبين الحشرات السامة المنتشرة حولي؟ أين؟ ذهبت تلك الأيام التي كنت الجأ فيها إليك. عرفت أن فاروق وعبد الكريم في الجامعة في القاهرة. فاروق في جامعة عين شمس وعبد الكريم في جامعة القاهرة. الأول يدرس العلوم السياسة والآخر الهندسة الميكانيكية. وأن هنا أدرس اللغة الإنجليزية ولغة أخرى تدعى لغة الجسد. وأنت ماذا تفعلين؟ الله وحده يعرف.

- هل تحتاج إلى كأس من العرق؟

سألني عياد وقد صب له كأساً. وافقت. لماذا؟ لا تسألني. كان جنوني جارفاً. أريد أن أهرب من واقعي، أن أغيب عنه. وافقت لأتذوق طعم ذلك العرق الزحلاوي الشهير. صب لي كأساً وأشعلت لفافة من علبة اللفائف التي قدمها لي عياد. شربت الكأس على دفعات وطلبت المزيد. قذفت بالكأس الآخر دفعة واحدة إلى جوفي. جاء الآن دور البيرة. شربت منها عدة كؤوس.. عدة كؤوس..غبت عن واقعي. تناثرت أنا..تناثرت أفكاري. جد عليّ بكأس آخر يا عياد. لبيك يا هلالي. أعيد تمثيل الدور الذي قام به شحته والبدوي. متطرف أنا في أحزاني وأفراحي. عاش أبو نواس فليسقط الضلالي. كأساً آخر يا عياد..يا عياد..يا.....

يا سعدى أين أنت ها أنا ذا أكرع الكؤوس بلا أدنى درجة من تأنيب الضمير وأين هو ضاع مع ضياع دير سنيد وبعدها مخيم جباليا وأنت يا هلالي يا كبير تتوعدني يا رجل ماذا فعلت أنا من الذي أضاع فلسطين ليس أنا ماذا فعلتم أنتم هل التصقتم بأرضكم لو فعلتم لكنت أنا الآن في مكان غير هذا المكان ولكان حالي غير هذا الحال لكنكم فررتم كالجرذان المرعوبة وتركتم لهم الأرض والبيت والزرع لا تتوعدني نحن فعلنا أكثر ربما لكنكم أنتم من بدأ سنة الهروب هذه أرضكم يا هلالي يا كبير وعندما أراد تحريرها حاربتموه كلكم نعم كلكم هذا هو الحق يا هلالي يا كبير حملت النبوت لإبنك نايف يوم أهدى أهل زوجته سلة من العنب وقبلها حملت النبوت ودافعت عن عدة أمتار من أرضك ضربت عيسى وعبد ربه ومن أيضاً من آل الهلالي أما أمامهم فهربت كأرنب تقطعت به السبل بعدها أخذنا نبني قصوراً في الهواء ونتحدى الجدران برؤوس عارية إعطني كأساً آخر يا عياد وإن شاء الله سنرده لك في السودان أو بغداد أو في أي مكان يقذفوننا إليه من يدري أين سنلتقي مرة أخرى قال مرزيق لا تقلها عندما قال محمد سالم إن شاء الله نأكل في العودة لا تقلها قال مرزيق لأننا لن نأكل مرة أخرى إلى هذا الحد وصل بك اليأس يا مرزيق كنت أكثرنا عمقاً بمعرفة المستقبل أو بقدرتنا على فعل ما يجب أن نفعله أخذنا نعوم في خبايا الشام كالطحالب في البحر ونسينا دير سنيد وجباليا وماذا سنسى بعد ذلك هكذا هم يقولون نستولي منهم على أرض جديدة فينسون القديمة وهكذا إلى أن نعيد مملكتنا لا تقلها لأننا لن نأكل مرة أخرى إن فاجأونا ثانية سنلتقي في بغداد وربما شملنا لم الشمل ونلتقي بالأحبة سنتساوى في الاحتلال والإذلال يا أبا نواس هاك كأساً آخر أنت من غاب عن خطاياه ويومه بكؤوس الخمر أين أنت لترى أمة تمزقت وضاقت بها السبل ها أنا ذا قد زرتك بعد العشاء تكسرت حواسي كلها وأنا أنتظرك وبعدها راضي وأمل سينامان عندنا وبعد العشاء تحطمت الطائرات لا تخلط الأمور قال عياد وتحطمت الطائرات عند الفجر ليس مهماً الوقت المهم أنها تحطمت وتحطمت معها آمالنا تحطمت بعد الفجر بعد سهرة صاخبة مع غانيات وراقصات مصر وتحطمت الكرامة عند الفجر عندما كانت طائرة القائد العام في السماء وتم تحنيط المدافع والصواريخ ي...ا...س...ع...د...ى...أ...ي...ن...أ...ن...ت أريد أن أراك يا يوسف يا هلالي يا كبير أين ذهبت بل أين هربت وتركتني بين مخالب الذئاب تنهشني وتدلق عليّ كل أحقادها ماذا تركت خلفك يا هلالي عد لنا مرة أخرى يا طارق يا ابن زياد إن لم تعد أنت فأحد أحفادك هيهات أن يعود التاريخ وهيهات أن تتحقق الأماني بالاسترخاء

- قف.

طارت السكرة وأتت الفكرة. لعنك الله لعنة هلالية لا تحول عنك ولا تزول إلا يوم القيامة. أولا تتركني أكمل سكرتي؟ تحطم خيالي الجامح بكلمة صلبة وقوية. قف. ثم ماذا؟ قبحك الله. تأتي في غير وقتك.

- ماذا تريد؟

- أنت لص منذ ولدتك أمك، منذ سرقت شبشب ذيبه ولا تنس ذلك نصف القرش الذي اشتريت به قطعة الحلوى.

- يا رجل هذه ليست سرقات. يتعامى القدر عن السرقات الكبيرة ويفضح من يحاول ستر جسده وجوعه.

- والآن أيها اللص تسرق طريقة الكتابة من جويس وفرجينيا وولف ومارسيل بروست.

- انتظر..من أين لي بكل هذه الأسماء الكبيرة؟

- ألست طالباً في قسم اللغة الإنجليزية؟

- بلى.

- إذاً قرأتهم جميعاً والآن تسرق أسلوبهم في الكتابة.

- يا رجل لقد أصبحت طريقة كتابتهم تراثاً من حق الشعوب.

- أيها اللص!

- هل حقاً أنا لص؟

سألت قارئي الذي يقرأ رواية الهلالي.

- لا أظنك كذلك.

- هل سمعت يا أعمى البصر والبصيرة؟

- لأنه لا يعرف عن هؤلاء الكتاب شيئاً، هذا أولاً. وربما هو يقرأ باستمتاع، هذا ثانياً. اسأل أحد أولئك الذين قرؤوا بداية روايتك ثم قذفوا بها في سلة المهملات.

- أولاً لا تجّهل من هم أوعى منك. وثانياً لقد عملت استطلاعاً بين القراء ولم أجد أياً منهم قد ملَ روايتي عن الهلالي. بل أن بعضهم ينتظر الجزء الثالث بفارغ الصبر.

- لا تكن متفائلاً. هم شعب لا يقرأ. هكذا قال عنهم دايان بعد حرب حزيران.

- لا تتلقف كلام الأعداء بهذه السهولة وتبني عليه فرضيات هي حتماً خاطئة.

- على أي حال أنت لص وهذه حقيقة لا يمكنك أن تتنصل منها بحلو الكلام.

- عليك أن لا تنس أنني أقص رواية هذا الهلالي كما رواها هو وأنا أصدقه.

- أنت كما هم! تتخفى خلف الآخرين.

- وماذا تريد الآن؟

- أريدك أن تسمعني وأنا أقص عليك جزءً من سيرة الهلالي الكبير.

- ألم تنصحني بالتجديد حتى لا يملني القراء؟

- وقصة الهلالي أيضاً جديدة.

حمل نبوته وأخذ يبحث عن نايف الهلالي، ولده الذي ملأ سلة بالعنب وذهب بها إلى بيت أهل زوجته. وجده، وبدون أية كلمة سدد إليه ضربة ساحقة على كتفيه بنبوته الضخم. وقع نايف أرضاً. نظر إلى والده، لم يكن في مقدوره رد الضربة. إنه والده. كانت سعدى على بعد خطوات من مكان الحادثة. صاحت في يوسف أنه سيقتله. أيها الوحش! تطايرت صرخاتها وهجمت على نايف تحميه من الضربة الثانية. نظر إليها الهلالي مشدوهاً. لا زال الشرر يتطاير من عينيه. إنه يسرقني يا سعدى. قال لها بصوت غاضب. هو لا يسرقك، لقد أهدى عمه بعض العنب وماذا في ذلك؟ أنهم أهلي يا يوسف. أنسيت هذا يا هلالي؟ وسلال البرتقال التي تصلك منهم، نسيتها هي الأخرى. أم ما هو حلال عليك محرم على غيرك؟ يا لك من أناني. أنا أعرف أنك كريم، لماذا تضع كرمك تحت نبوتك وتقذف به فوق كتفيّ ولدك؟ ذهل الهلالي من جرأتها. قذف بنبوته على الأرض. ساعد ولده على النهوض. نظر إليه نايف. هو والده، وماذا بإمكانه أن يفعل له؟ خفض عينيه. نظر إلى الأرض. وقف مشلول الحركة كتمثال لا حول له ولا قوة. انحنى عليه الهلالي بحنان. هو يعرف مقدار بأس ابنه ومع ذلك لم يدافع عن نفسه أمام جبروته. تحسس مكان الضربة بحنان وأسف ظاهرين. تأوه نايف بصمت. انسحب. رافقته سعدى.

- لا تزعل يا نايف. هو أبوك.

نظر إليها هي الأخرى. إنها زوجة والده وخالته أخت أمه في نفس الوقت. رغم قسوتها عليه إلا إنه يحبها وهي تحبه. فقط لولا إنها تفضل ذيب عليه وتقدم له كل ما يريد لكانت بمثابة أمه الثانية. كانت غيرته من ذيب قاسية وقاتلة.

قال نايف:

- سمعت أن قوات الطوارئ الدولية ستنسحب من غزه.

قال ذيب:

- وأنت كيف عرفت ذلك يا أبو العريف؟ أم هي فقط الغيرة؟

قال نايف:

- أوأغار منك؟ لماذا؟ لأنك تعمل مع قوات الطوارئ؟ حتى لو كان معك مال قارون، لن أغار منك. أويغار الإنسان من بخيل مثلك؟ لو كان بصاقك يفيد الناس ما ألقيته عليهم.

قال ذيب:

- يا مجنون!

قال نايف:

- أنا مجنون؟ أنا مجنون؟ يا ميت النفس وعديم المروءة.

قال نايف بغضب يضاهي غضب الهلالي الكبير. حمل فأساً كانت بجانبه وهجم به على ذيب يريد تهشيم رأسه. أيقن الأخير أنه ميت لا محالة. هرب كما هرب الآخرون في سنوات النكبة والهزيمة. أخذ نايف يجري وراءه عاقداً العزم على أن يضع حداً لحياته. دخل ذيب بيته وأقفل الباب خلفه. وقف نايف بالباب يصرخ:

- إن كنت رجلاً، أخرج. أنت رجل بالكلام فقط.

صمت ذيب، ووقف نايف بالباب منتظراً وفأسه مرفوعةً في الهواء.

قال أبو جابر الذي كان جالساً أمام منزله:

- يا نايف "صلي على النبي، واستهدي بالله."

قال نايف:

- اللهم صلي على النبي المختار. ولكنك كما ترى يا أبا جابر، لم أفعل ولم أقل شيئاً ليتهمني بالجنون.

كان نايف يعاني من مرض الصرع، وكلمة مجنون أثارته وأثارت غيرته المختزنة في ذاكرته منذ أن كان شاباً يافعاً.

قال أبو جابر:

- هو أخوك وأنت المسؤول الآن بعد الهلالي الكبير، فكن متسامحاً.

قال نايف:

- أنا مسؤول عن بيتي فقط.

قال الثائر الذي فقد الألف دينار في عمان ولم يهتز:

- أنا الآن مسؤول الساحة في بغداد.

يا رب السماوات والأرض، يا مغني الأغنياء ومطعم الفقراء! مسؤول الساحة في بغداد؟ كم ستفقد من النقود إذاً؟ وذاك الشيخ المسن الذي شتمك لأنه كان في حاجة للفافة وبخلت عليه أنت بدينار، ماذا يفعل؟ مسؤول.. وساحة.. وسنحرر الأرض من النهر إلى البحر. وهذه الملابس الأنيقة التي ترتديها؟ سمعت أنك وأبا الرائد اختلفتما وحاول الأخير أن يرديك قتيلاً بمسدسه. ماذا حدث بينكما يا ترى؟ أعلى الألف دينار التي ادعيت أنك فقدتها اختلفتما، أم على ألف غيرها؟ كانت أصناف الطعام مرصوصة على الأرض تنتظر من يأكلها. أم الهيثم طباخة ماهرة. جلسنا جميعاً، جهاد وخضر والثائر وزوجته وأبو الهيثم وزوجته وأنا، نتناول الطعام باستمتاع. لا زالت كلماته تصطدم بأذنيّ. "أنا مسؤول الساحة في بغداد." وماذا فعلت في عمان؟ الأدق ماذا فعلتم في عمان؟ دمرتم البلد وقاتلتم بعضكم بعضاً ثم غادرتموها إلى أرض تحتاج لأن تدمر. وهم هناك يستمتعون بمناظر القتل عندنا، ربما يخططون لها ونحن ننفذ. يا لمهازل القدر! قلت لنفسي. وأنت يا أبا الهيثم، أشهد أنك قاتلت بشراسة وأسرت وأودعت السجن مدة طويلة. ليتك قاتلت في فلسطين لكان قتالك أجدى. أعلم أنهم استدرجوكم إلى ذاك القتال العدمي كما قالت بنت الحداد عندما وصفت زوجها بالشهيد. ليته كذلك قالت. أنت يا سيدي الثائر، ماذا فعلت؟

- ما هي أخبار أبي الرائد؟

فاجأته. توقف عن مضغ الطعام. اكفهر وجهه. رمقني بنظرة طويلة مستفسرة عن سر ذاك السؤال غير البريء. هو يحبني. هذا ما أشعر به. ربما كنت مخطئاً. هو يحب نفسه فقط.

- أظنه عميلاً لدولة عربية.

-ولمادا الظن؟

- كلنا غادرنا عمان إلا هو بقي هناك. ما معنى ذلك؟

- لا تلق التهم جزافاً. قال أبو الهيثم.

اشتعلت اللفائف ودارت أكواب الشاي على الحضور. قدمت أم الهيثم أنواعاً كثيرة من الفاكهة الدمشقية اللذيذة في صحون نظيفة. بعد استراحة قصيرة بدأنا نلعب الورق. طال الوقت، وماذا نفعل به؟ عندنا الكثير منه. ونحن لا عمل لدينا.مسؤول ساحة بغداد أنجز كل أعماله وأبو الهيثم في إجازة وأنا كذلك. لنلعب الورق إذاً. حضرت فناجين القهوة الساخنة اللذيذة الطعم واشتعلت على إثرها المدافع لتحرر الأرض. "يا مجنون! أين ذهبت؟ أنتم تلعبون الورق فما لكم ولتحرير الأرض؟" انتشلني من أحلام يقظتي. هذه المرة شكرته. كنت أود أن أقول اشتعلت اللفائف وتصاعد دخانها في الفضاء المحدود بسقف الحجرة. أولسنا ثواراً وعلينا الاستمتاع بأوقات فراغنا عندما ننتهي من معركة مع العدو؟

- ما الذي دعاك لأن تمكث كل هذه المدة خارج المنزل؟

قالت لي والأسى يملأ قسمات وجهها. تسلل الألم منها إلى حواسي كلها. لقد نمت الليلة السابقة عند عياد، وفي الصباح ذهبت إلى الشام وأمضيت وقتي بين الجامعة ودار السينما. في المساء كان لقائي مع الثوار.

- ظننت أن راضي وأمل سيقضيان وقتاً طويلاً. لم أطق فكرة البقاء في البيت وأنا أحترق بنار لا يطفئها غيرك.

- لقد احترقت بها.

- لتحرق أعداءنا! قلت.

ألقيت نظرة خاطفة على البيت. لم يكن هناك أي من الأطفال. تقدمت نحوها. احتضنتها. احتضنتني بشدة. أمسكت يدها وذهبت إلى حجرتي. تبعتني. طوقتها بذراعيّ. ضغطت جسدها بقوة. تأوهت. التصقت بي.

- ماما!

ابتعدت.

وعندما تقدمت الدبابات الإسرائيلية، ابتعدنا عنها. أخذنا نجري حتى وصلنا منازلنا أسرع مما تصل الذئاب المرعوبة إلى جحورها. كنت في السابعة عشرة من عمري عندما هاجمونا في غزوتهم الكبرى في حرب الأيام الستة. أهي ستة أيام أم ست ساعات؟ سلمت ساعتي لزوجة أخي نايف قائلاً لها إذا استشهدت فهي لأختي دليله ذكرى مني. كنت أظن أننا سنقاتل وربما أستشهد. واتضح لي لاحقاً أن الإستشهاد هجرنا يوم هجرنا مبادئنا. تسابقنا إلى مركز الشرطة نطلب سلاحاً. لا نملكه. قال الشرطي. استوطننا الإحباط. رجعنا. سنقاوم. قلنا جميعاً. عندما يسقطون مظلييهم لاحتلال المخيم سنقاومهم. وبدأنا نحفر الخنادق. كان عبد الكريم يزيد حماسنا وهو يهتف ويقول شعبك جبار ياعروبه، حديد ونار ونحن نردد خلفه يا عروبه. أما فاروق فكان يقوم بنفس الدور في بيت لاهيا.

قالت زوجة خالي صالح:

- يا يوسف! أحفروا الخنادق بجانب الطريق واحملوا الفؤوس ونحن سنحضر العصي وعندما يتساقطون من الطائرات عليكم بهم. ومن يهرب منهم سنتولاه نحن بعصينا. لا تخافوا. إنهم أجبن من أن يخيفونا.

يا مسكينه يا زوجة خالي صالح. والله أنت أجرأ منهم كلهم. هم يهربون وأنت تعدين العدة لمقابلتهم هنا في جوف المخيم. وكأنك أحسست بأنهم سيهربون. جيش من الغزلان يقوده أسد خير من جيش من الأسود يقوده غزال. قال أجدادنا. وهذه هي ذي المقولة تتحقق الآن. لكنهم لم يسقطوا جنودهم حولنا لأنهم يعرفون أن الشعب لا يهرب.

- لماذا عدتم؟!

قلت له بانشداه عندما رأيت جاراً لنا بكامل ملابس الميدان وبندقيته في يده عائداً إلى المنزل. هل انهزمتم؟! يا لمذبحة الآمال العريضة! هل انهزمنا؟!

- لا تخف! فقط عدت إلى البيت لأتناول طعام الغداء.

قال كاذباً. الدهشة مرسومة على كل قسمات وجهه. عيناه كما أنفاسه تنطقان بالهزيمة المرة. أين أنت يا زوجة خالي صالح؟ لا فائدة من حفر الخنادق ولا من الفؤوس. تقاتلين الطائرات والدبابات بالفؤوس؟! يا للأمال الكاذبة التي زرعتها فينا إذاعاتهم! بالفؤوس والخناجر؟ طائرات الميراج والدبابات؟! أين طائراتنا؟ تحطمت آمالك يا عيسى عند الفجر. يا أبا شنب لن تسبي أثنتين منهم وستنام بجانب زوجتك التي وصفتها بأنها ليست امرأة. هم سهروا حتى الفجر وتحطمت طائراتهم وعليك أنت أن تعاني وتذبح آمالك بيديك.

- ماما! قال وسيم.

بعد أن تمزق جسد أبي غانم أشلاءً ازداد القصف. هربت. لست وحدي. مع جمع غفير من سكان المخيم. هربت إلى الأحراش. تقدم وسيم باتجاه حجرتي. هربت أنا إلى الداخل وتقدمت هي باتجاهه. معظم سكان المخيم هربوا إلى الأحراش خوفاً من قنابلهم. قال جارنا الجندي المنسحب: تقدمت الدبابات باتجاهنا، قاومناهم. لم تجد بنادقنا شيئاً أمامهم، لقد دفنت أفراداً منا أحياءً في خنادقهم. ومع ذلك صمدنا. أرسلوا عدة طائرات وقصفونا بلا رحمة. هربنا. كيف لنا أن نقاوم الحديد الضخم ببنادق لا تصلح إلا لقتل الأفراد، ونحن لم نر أياً من عساكرهم. كلهم كانوا في دباباتهم أو عرباتهم المصفحة. هربنا نحن إلى الأحراش. وبجانب شجرة كينياء متوسطة الحجم أسترحت. كنت أجري بكل قوتي. سرعتي كانت تعادل سرعتهم وهم يهربون ويتركون دبابتهم خلفهم. لم أكن أدخن يومها. قطعت مسافة طويلة ثم التجأت إلى تلك الشجرة علها تحميني من جنون قوتهم وسادية جنودهم. لماذا لمت ذيب إذاً عندما هرب أمام نايف وهو يلاحقه بالفأس؟ أخذت أسترد أنفاسي. لحظات وعدت أنا كما أنا. لازال انفجار القنابل يأتيني من بعيد. لم أعره انتباهاً. صوت أنفاس تتردد من حولي. أصخت السمع. ربما شخص آخر التجأ إلى هذه الشجرة. قلت لنفسي. عطشت. أين أجد الماء الذي يرد الحياة لي؟ التفت حولي، فشعرت بحركة بطيئة. ارتعبت! ربما ثعبان مرعوب من قصف الدبابات التجأ إلى هذه الشجرة أيضاً. لكن الثعبان لا يخاف مثلهم. أنه يهاجم ولا يتراجع. نظرت حولي فرأيت يد أنسان ممددة. تقدمت بحذر، فرأيت ما هالني. امرأة في حوالي الأربعين من عمرها ممددة والدماء تسيل من رأسها. طفلها الحديث الولادة ملتصق بها وحلمة ثديها في فمه. أنه يرضع. يقتات من امرأة فقدت حياتها. يا لقسوتهم! قلت لنفسي. هربت من جنازير دباباتهم فوصلتها رصاصة في رأسها وهي ممدة في مكمنها ترضع وليدها. وامعتصماه! أين أنت يا معتصم؟ أين أنت؟ أولم تصلك صرخة هذه المرأة الممددة على الأرض؟! هزني صوت كعواء ثعلب أصيب برصاصة صياد ماهر. إنها إحدى طائراتهم تجوب السماء الخالية في طريقها إلى الإجهاز على ما تبقى من طائراتنا. أمسكت بالطفل الذي بدأ يصرخ بشدة. هدأت من روعه. أخذت أمسح رأسه بيدي المرتجفة. صمت. توقف عن الصراخ. نظرت إلى وجهه، جميل وهادئ. أرتحت له، لكن ماذا أفعل به؟

- ماما أريد أن أتعشى! قال وسيم.

وهذا الوليد يريد أن يرضع. وقفت بلا حول ولا قوة. من أين لي أن أجلب الحليب له؟ لحظات وبدأت جموع الهاربين تحيط بي. صبية في العشرينات من عمرها تقدمت المجموعة. عندما ألقت نظرة على الجسد الممدد، بدأت تصرخ صراخاً يدمي القلوب. إنها أمها والوليد أخوها. وامعتصماه..وامعتصماه. أخذنا نهدئ من روعها. ولكن هيهات للقلوب الدامية أن تعرف الهدوء! وصل والدها وأخوها. بدا الرجل مذهولاً وكذلك الأبن.

- قلت لها ألا تغادر البيت، لكنها أبت.

- اتق الله يا رجل وصلَ على النبي.

قال أحدهم عندما رأى دموعاً تتسرب من عينيّ الرجل المكلوم. لا زالت الفتاة تصرخ بلوعة. تقدم الأبن من والدته. حاول إيقاف الدماء النازفة من رأس والدته. بدأت القنابل تتساقط حولنا. تفرقنا. استلقينا أرضأ نتقي الشظايا المتناثرة من انفجار القنابل. لحظات وتوقف القصف. استدار الرجل إلى زوجته. حملها وأبنه ومضيا في طريقهما إلى البيت. تفرقنا نحن مرة أخرى.

ونحن أيضاً تفرقنا. خرجت أم وسيم تجر قدميها. لقد أعدت نفسها لتسبح معي وأذ بولدها يطلب عشاءه. وذاك الطفل تلقفه مني والده وأخذ يبحث عن بعض الماء ليروي به طفله. وقفت حائراً، ثم استلقيت على السرير دون أن أرتدي بيجامتي. ملأ التراب ملابسي وأنا منبطح لأتفادى قنابلهم. بعد أن هدأ القصف أطلقت قدميّ للريح كما يقولون. رجعت إلى المخيم. شعرت أنني سأكون في مأمن هناك. نظرت إلى الساعة. التاسعة مساء يوم الخميس. أشعلت لفافة. دخنتها ببطء ثم ذهبت إلى الحمام. غسلت وجهي وانطلقت خارج البيت، فاليوم هو موعد اجتماعنا الأسبوعي.

- إلى أين؟

سألتني عندما لاحظت أنني في طريقي خارج البيت. الرغبة تطل من عينيها. تلقفتها وسكبتها على رغبتي. ذابتا معاً ارتجفت أطرافي. أمسكت بيدي محاولة منعي من الخروج.

- عندي موعد مهم.

- ألا ينتظر هذا الموعد؟

- لا أظن ذلك.

- وسيم على وشك أن ينام.

- لكني لا أستطيع أن ألغي موعدي.

- إذاً سـأنتظرك.

- سأعود حال انتهائي من مهمتي.

- رافقتك السلامة.

لم يكن في مقدوري ولا في رغبتي أن ألغي موعدي مع صلاح. أنني ملتزم بتنظيمي وأكره أن أتخلف عن أي اجتماع أو مهمة يكلفني بها التنظيم. رغم أن رغبتي كانت كاسحة في أن أعوم معها، لكني آثرت أن ألبي نداء أفكاري. ذهبت إلى موعدي مع صلاح. تمنيت أن لا يكون كمواعيدي مع مسؤولي التنظيمي في عمان. دقائق وسأعرف الفرق. قلت لنفسي. سرت في شوارع مخيم اليرموك. أصبحت أعرف معظم شوارعه. وطني الجديد. لا...صرخت بأعلى صوتي. نظر الذين كانوا يجاورونني في الشارع إليّ باستغراب. إنه مجنون. ربما قالوا في أنفسهم. لم يقترب أي منهم مني. مجنون، لا بأس. لكن أن أستبدل وطني بمخيم اليرموك، فهذا الجنون بعينه. أمام منزله توقفت. أحلت إلى رئتيّ آخر نفس من لفافة كنت أدخنها بلا استمتاع. قذفت بعقبها على الأرض، ثم دسته بقدمي. أصلحت من تداخل قميصي مع سروالي ثم ضغطت جرس الباب. خرج صبي صغير ربما في السادسة من عمره. تفحصني للحظات.

- من أنت؟

- يوسف.

- ماذا تريد؟

- صلاح.

غاب في الداخل للحظات، ثم خرج صلاح بكامل ملابسه. عرفت الفرق بينه وبين مسؤولي السابق في عمان. لقد خرج الآخير لي بملابس النوم واعتذر بأنه لم ينم ليلته السابقة وألغى الإجتماع. عندما رآني صلاح انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة.

- أهلاً رفيق يوسف.

- أهلاً بك يا رفيق صلاح.

- تفضل.

دخلت منزلاً متواضعاً. لم أتفحصه، فأنا ضيف وعلي أن أراعي شروط الضيافة. قادني صلاح إلى حجرة جانبية عندما فتح لي بابها صفعتني رائحة اللفائف المحترقة في الوجه. لم أنزعج، فأنا مدخن شره. قدمني لثلاثة من الرفاق نسيت أسماءهم. بعد لحظات أنضم لنا ثلاثة آخرون. بدأ الأجتماع. كان صلاح رئيس الجلسة.

- أنتم الآن في مرتبة أعضاء حلقة.

لكني تجاوزت هذه المرحلة بمراحل. لقد كنت مسؤولاً عن خلية كاملة في الأرض المحتلة، وكان مسؤولي التنظيمي هو نفسه المسؤول العسكري للتنظيم كله في الضفة الغربية وغزة. إنه خليل أبو خديجه. ومن هذا الصلاح الذي يرأسني الآن؟ لقد مكثت في السجن ثمانية عشر شهراً، وأخيراً أكون عضو حلقة. يا لغرابة تنظيمنا!

- لنبدأ بالنظام الداخلي.

أشعلت لفافة وسرحت بنظري بعيداً. إلى تلك الأيام التي درسنا فيها النظام الداخلي. فاروق وعبد الكريم وأنا وكان يرأس جلستنا خليل. خليل الذي ألقي القبض عليه وحكم خمسة وعشرين عاماً آه يا خليل!

فلان الفلاني. فلان آخر. يوسف بن يوسف الهلالي. إحملوا أمتعتكم وتوجهوا خارج الحجرات، إلى ساحة السجن. قال المذيع الداخلي في سجن غزة المركزي. قضيت فيه ثلاثة شهور. كان الشاويش آشر عندما يراني ونحن ندور في باحة السجن يلقي بعصاه الثقيلة على مؤخرتي ويقول هذا هو الذي فجر السوبرماركت في القدس. وهذا الكلام غير صحيح، لكن تنظيمنا هو من قام بهذا العمل. ولأننا كنا في مرحلة الطفولة التنظيمية، ألقي القبض على الذي كان يراقب نتائج العملية، ومنه استطاعوا أن يصلوا إلى كل أعضاء التنظيم.

حملت أمتعتي وخرجت. ودعني رفاق الحجرة وقالوا ربما إفراج! لم يحدثني أحساسي بذلك. سلمت ما أحمله من أمتعة إلى الشرطي الإسرائيلي. طلبوا منا أن نقف ووجوهنا إلى الحائط. أطعنا الأوامر. وفجأة انهالت العصي على مؤخراتنا. أرفع يديك فوق رأسك يا كلب. أين أنت؟! في السينما؟! رفعنا أيدينا فوق رؤوسنا صاغرين. مكثنا وقتاً طويلاً على هذا الوضع. ثم ربطوا أقدام وأيدي كل أثنين منا معاً بالجنازير. أدخلونا في عربة سوداء لنقل المساجين. غطوا عيوننا بربطات سوداء وسارت بنا السيارة في طريق نجهله. لكني كنت موقناً أننا نسير في الطريق الرئيسي في غزة. بعد عدة ساعات توقفت. أنزلونا من السيارة. سجن آخر أجهله. بعد لحظات عرفنا أننا في سجن الرملة. في صباح اليوم الثاني أيقظونا مبكراً. نقلونا إلى حجرة ثانية. أخذنا ننتظر واقفين. وفجأة! نعم فجأة دخلت علينا مجموعة أخرى من المساجين. عانقني بحرارة. إنه خليل أبو خديجه، مسؤولي التنظيمي. ومضت رحلة السجن بي ثمانية عشر شهراً. عرفت وأنا في دمشق أن صديقي ومسؤولى خليل أصيب بمرض في القلب واستشهد داخل السجن. ليرحمه الله.

- التحليل العلمي لمأساة المقاومة في الأردن.

كان البند الثاني في جدول أعمالنا. قوتان في بلد واحد. لا بد من أن تزيل إحداهما الأخرى لأنهما متناقضتان. ولم لا تكونان متكاملتين؟ سألت نفسي. والثائر الذي فقد الألف دينار، وأبو نضال الذي طلب منا أن نقتل مندوب فتح قبل مندوب الحكومة، والكراسي الرئاسية، أين تذهب؟ نحن أمة لا تعرف معنى التعايش. رفض أعضاء منظمة الجدناع اليهودية قتل أفراد منظمة الأرجون وليحي لأنهم يهود؟ أما نحن فعلينا أن نقتل مندوب فتح قبل مندوب الحكومة. يا للمهزلة!

- التحليل السياسي.

هذا هو البند الثالث. لا توجد مؤشرات على أنهم سيحاربون قريباً. الضباب يحيط بالسادات. انعدمت الرؤية لديه. في لحظة من الزمن وعندما تتحد مصالح الرجعيين مع مصالح العدو يتحدان وينسقان معاً. بعد ذلك بوقت طويل اتضح لي أن هناك كثيراً من الصدقية في هذا التحليل.

- النقد والنقد الذاتي.

هذا هو البند الأخير في جدول أعمالنا. ماذا أقول؟ أأنقد ذاتي لأنني أغوص في الأسن حتى أذنيّ؟ ومن منهم لا يغوص فيه؟ قلت لنفسي. من الأفضل أن أصمت. كذبت على نفسي وعلى رفاق التنظيم. ولكنهم لا يعترفون بأن ما أقوم به هو القذارة بعينها. ربما يعتبرونه نوعاً من الحرية الشخصية. بئس الحرية تلك.

انتهى الإجتماع، وتواعدنا على أن نلتقي الخميس القادم في نفس المكان والزمان. خرجت. كنت مستمعاً طيلة الوقت. قليلاً ما تكلمت، لكني دخنت كماً كبيراً من اللفائف. لقد أتيت على آخر لفافة قبل انتهاء الإجتماع بقليل. ذهبت إلى أقرب دكان واشتريت علبة لفائف جديدة. على بعد عدة أمتار قابلت البدوي. أحمد البدوي. تقدم نحوي. أخذني بالأحضان. سعدت لمقابلته. كان الوقت متأخراً، منتصف الليل أو بعده بقليل. أصرّ على أن أصحبه إلى المنزل. يا رجل غداً يوم آخر. الآن. ازداد إصراراً. تركت تلك التي تكتوي بنار الرغبة تتلوى من الألم ورافقته ضد رغبتي.

- تصور يا يوسف في صباح اليوم الثاني لوصولي إلى عمان أعدّت لي أمي طبقاً من البيض. تريد أن تحترمني. قلت لها يا أمي إن معدتي مملوءة بالصيصان من كثرة ما أكلت من البيض. قال ضاحكاً.

في البيت وجدت شحته الطويل ومحمد سالم وأحمد الشاوي. جلسنا نتحدث طويلاً ثم أحضر محمد سالم أكواب الشاي. أخذنا ندخن باستمتاع ثم بدأنا نلعب الورق. لعبة جميلة اسمها "الطرنيب." تعلمتها حديثاً. أمضينا وقتاً طويلاً ونحن نلعب. بعدها استأذنت بالإنصراف. ألحوا علي أن أنام عندهم، رفضت.

الساعة الواحدة صباحاً.

قلت لنفسي هذا هو الوقت الذي سأسكب فيه آهاتي في بحر هائج يغرق فيه كل من يقترب منه. وأنا فاعل لا محالة. لقد طال انتظاري، وأزف الوقت لأقوم بعمل ما كان يجب أن أعمله منذ يوم أمس. بدأت أجهزتي الداخلية تستعد لتقوم بمهامها، حتى إنني بدأت أرتجف من شدة الإنفعال. وصلت الباب. حانت اللحظة. قلت لنفسي. أدخلت! أدخلت المفتاح في القفل. أدرته. تأوه القفل من قوة ضغطي عليه. إني في عجلة من أمري. انفتح. دخلت.

لم أدخل

بدأ يقهقه

ازداد حقدي عليه

دخل الحجرة أمامي

لاحقته

أغلقت الباب. أطلقت سراح المذيع لينطلق من المذياع بحرية حسدته عليها. استدرت له. أمسكت به. وبقدر ما أوتيت من قوة انهلت عليه ضرباً. صفعته بقبضة يدي صفعة تضاهي تلك التي وجهتها لذيبه يوم رفضت أن تعطينى المفتاح لأحضر المذياع وأستمع لتعليق على مبارة الأهلي والزمالك. سدد لي ضربة موجعة. تحملتها وأحكمت قبضتي حول عنقه أريد الإنتهاء منه مرة وإلى الأبد.

- ستقتلني يا مجنون! قال بألم لا تخطئه أذن.

ازداد جنوني وازداد ضغط يديّ على عنقه. لم أعد أحس بما يدور حولي. هناك طاقة هائلة تندفع مني إلى يديّ فيضيق الخناق حول عنقه. أيقنت إني قاتله. واصلت الضغط عاقداً العزم على أن أفعل ما لم أفعله معها. عرف هو سر جنوني عليه فاستسلم لي. خجلت أن أتابع ما أقوم به. لن أقتل من استسلم لجنوني. لكنهم قتلوا أسراهم في سنوات الحروب الثلاث. دائماً هم يقومون بالأعمال القذرة. يخفونها ويصدقهم العالم. قال من أراد ذات يوم أن يسترد الأرض: لماذا يغمض العالم عينيه ويصم أذنيه عندما يأتي ذكر إسرائيل؟! لماذا؟!

- استرحت؟!

خجلت أن أنظر إليه. هو من يؤنس وحدتي. يؤرقني وجوده أحياناً، لكني أرتاح عندما يحدثني عن فشلي! وها هو ذا يسخر مني. لقد تركني فترة من الزمن وحدي كان فيها يراقب إحباطاتي. وعندما دخلت البيت آملاً أن ألقي بأحمالي فوقها، وجدت النور يتسرب من حجرتها وبابها مغلق. وراء الأكمة ما وراءها. قلت لنفسي. من ذا الذي يحتضنها الآن؟ لو كانت تنتظرني، لكان الأمر مختلفاً.

- دائماً تخذلك أحلامك!

أعادني إلى واقعي، فأنا من أولئك الذين يحلمون ويحاولون تحويل هذه الأحلام إلى حقائق. تقودني أحلامي إلى مواقف أخجل منها.

- أتذكر؟! سألني.

- ماذا؟!

- بيروت.

آه..بيروت! كنت أمضي أيامي الأولى في عمان. شاهدت عدداً من الأفلام، أحدها عن الجاسوسية في بيروت. سحرتني مناظر المطاردة بالسيارات بين الجواسيس في الشوارع. تخيلت نفسي أسير في شوارعها وأستمتع بمناظرها. ما رأيك؟ قلت لرفيق رحلتي في تلك الفترة. في ماذا؟ سألني. رحلة إلى بيروت. اتفقنا. حصلنا على تصريح تجول من أحد مكاتب المنظمة وما أكثرها في عمان. ذهبنا. وصلنا بيروت في المساء. ذهبنا إلى شارع الحمراء حيث صالات الرقص وبيوت الدعارة. تلقفنا أحدهم أمام إحداها. دعانا للدخول، فدخلنا. شاهدنا الفتيات الماجنات منتثرات على طاولات متفرقة. جلسنا بجانب إحداهن. دار الحديث القذر حول العمليات القذرة.

- ستتقزز منهن. قالت لي.

- لكني أريد أن أخوض التجربة! قلت.

- أنصحك ألا تفعل.

- وماذا عنك؟

- فقط الجلوس هنا. لا أقوم بذاك العمل القذر!

- إذاً سأذهب.

وذهبت. بقي رفيقي جالساً معها. بحثت عن القاذورات. وجدت إحداها. دفعت بعض النقود ودخلت. امرأة مهترئة مستلقية على فراش مهترئ ومقزز. عافتها نفسي، ولكني لم أدخله من قبل! سأخوض تجربة جديدة مهما كان الثمن. قلت لنفسي ودخلت. لا أدري إن كان جحر ثعلب أم حفرة في شارع تشقق من زحمة السيارات. خرجت متقززاً كما تنبأت بذلك الغانية الأولى. وفي الصباح عدنا إلى عمان بعد أن ألقتني أحلامي بين أحضان تجربة عاهدت نفسي على ألا أكررها مرة ثانية مهما كانت الإغراءات.

- والآن..

- والآن ماذا؟

- أين أنت؟

- ملقى على قارعة الطريق أو في الطريق كالطحالب العالقة في البحار. أقتات على الفتات الملقى من الصيادين.

- ولماذا لا تقتات على ما هو أمامك؟

- الطريق مغلق!

- لماذا؟

- لا أدري.

- مع من هي مرتبطة؟

صحوت على نفسي وأنا ملقى على السرير أدخن بلا استمتاع. لقد أصبحت أدخن لمجرد التدخين. حذرني عياد الهادي من خطورة ما أقوم به، لكني لم أبال. أخذت أذرع الحجرة جيئة وذهاباً محاولاً تهدئة رغبتي اللعينة. ازدادت اشتعالاً. خرجت إلى الحمام. وصلني صوتها ضعيفاً وراجفاً. سحقاً. قلت لنفسي. وقفت أسترق السمع. وصلتني آهاتها. شعرت أنها مصطنعة. انفرجت أساريري. صعدت إلى سطح المنزل. كانت النجوم تتلألأ. متعت أفكاري بالنظر إليها. أطلت التأمل. أشعلت لفافة. جلست على مقعد ملقى على السطح.

هذه النجوم وهذا الفضاء المضاء بنورها أوتراها تشاهده إنها هناك هل تزوجت يا لغصة تخترقك من أعلاك إلى أسفلك تزوجت غاده عندها ستنتهي أحلامي وتشنق روحي فوق الآمال المقصوفة لقد فقدت كل شيء وهي آخر شيء كنت تأمل أن تبقى لك لكنها طارت من قال ذلك وذاك الجندي الإسرائيلي الذي قال لك لماذا لا تدرس في الخارج عند حاجز أيرز كيف سألته أخرج خارج الأسوار وأصبحت أدرس في الخارج في جامعة دمشق خزان معبأ بأثقال من الهم والعقد والرغبة الجارفة أبحث عمن يحملها عني ولقد وجدتها لكنها ليست ملكي هي كذلك ومن يملكها هو مالك مؤقت استعارها مني هذا اليوم قال فاروق حجارة ملقاة بين الحسان في بير زيت أنتما أما أنا ففحل ملقى بين الحجارة وغاده مرفئي قال له مرفأ نظيف لا تحتمل القاذورات وهذا مرفأ يحتملها أدلقها عليه دون أن يرف لك جفن أين أنت يا سليط اللسان لتشاهد ما أفعله حتى جمانه الطالبة السورية راودتها عن نفسها اعتذرت بأنها مرتبطة في رسالة أنا كتبتها لها قلت فيها إن كنت مرتبطة فأنا منسحب لا محالة ووضعت خطاً تحت هذه العبارة عرفت أنها تمانع فانسحبت كما انسحبوا هم إلى خط الدفاع العاشر ما زالت أناتها تطن في آذنيّ ماذا تتصور هي الآن عرفت أن ابن أخي نايف في السجن لماذا لا بد وأنه سار على نفس الطريق عندما كنت في سجن رام الله حذرته من حردان أبو ذان لأنني عرفت أنه عميل لهم ابتعد عنه وانضم إلينا على غير ما قمنا نحن به قام هو بعمليات عسكرية رائعة في رام الله والقدس ونابلس ولولا يد القدر القاسية لما تم إلقاء القبض عليه انفجرت القنبلة التي كانوا يعدّونها بينهم استشهد أحدهم وجرح الآخر وكان هو خارج المنزل يراقب الطريق سمع الانفجار فهجم على البيت حمل رفيقة الجريح وذهب به بعيداً تركه في الطريق عندما أصرّ الآخر أن يتركه والتجأ هو إلى حردان الذي سلمه لهم أيام تمر ونحن إما في سجن صغير أو آخر كبير أين المفر

ي..ا..م..ع..ت..ص..م

7

- كيف عملت في امتحان المسرحية؟

سألت أحمد البدوي الذي كان هو أيضاً قد رسب فيها السنة الفائتة. كانت قسماته تنطق بمعاناته داخل قاعة الامتحان.

- أظنني أجبت إجابه جيدة.

- وأنا أعتقد أنني عملت جيداً فيها.

- ولكن أستاذها لا يعجبه العجب!

- سننتظر حتى تظهر النتائج.

توجهنا إلى مبنى اتحاد الطلبة. هكذا يسمون الكافتيريا هنا في دمشق. وجدنا شحته الطويل وعياد الهادي ومحمد سالم وآخرين. استمتعنا بجلسة مريحة مع أكواب الشاي واللفائف. كنا نسترق النظر إلى حسان دمشق وهن يتواردن على الكافتيريا لشرب الشاي أو فقط للحديث واستعراض ملابسهن الزاهية. وقعت عيناي على جمانه. هل هي شقراء أم صفراء؟ حتى الألوان فقدت دليلي إليها! التقت عيوننا. ارتعشت عيناها وفي لحظة كانت ترتد إلى ذاتها. أبقيت عينيّ عليها. جاورتها غاده. غاده.. يا للاسم المغروس بين البنفسج والليلك. ترى.. أين أنت الآن؟ انكمشت على نفسي. لا يمكن أن يحدث هذا! أوتتزوج من آخر وتستلقي بين ذراعيه؟ غاده لن تعملها! حتى وإن فقدت الأمل في عودتي إليها! وماذا عنك أنت هنا؟ تستلقي في مياه آسنة. هي كذلك، لكن قلبي مقفل على حب واحد وحيد هو غاده. ونحن سنحرر الأرض من البحر إلى النهر! وما زلنا حتى الآن نبتعد عن النهر! إذاً لماذا تلومهم على أفعال أنت جزء منها؟! أوتكون غاده هي الأرض التي كلما حاولت الاقتراب منها ابتعدت هي أكثر؟! غاده كانت بجانبي، تسكن مقلة عيني، وكذلك الأرض. لم أر دير سنيد إلا وأنا في طريقي إلى بير زيت. ومخيم جباليا، وغزة والبحر؟ كنت أستلقي بين ذراعيّ مخيم جباليا وأعوم في حقول بيت لاهيا وأغزو بيارات البرتقال في بيت حانون، والآن قيدت قدماي وليس باستطاعتي حتى لمس ذرة تراب من الكثبان الرملية هناك.

- ألا تخجل من نفسك؟

وصلني صوته لائماً وساخراً. أهملته.

- بين رفاقك وتنكفئ على ذاتك، تحلم بما لا يمكن أن تحققه!

- أيها المجنون، لا تقتل أحلامي! هي ما بقي لي.

- إعمل على تحقيقها.

- ها أنا ذا أعمل!

- تدرس في الجامعة، تدخن اللفائف وتسبح في المياه الهادئة.

- وماذا بإمكاني أن أفعل أكثر؟

- انتفض!

وانتفضت..

اعتذرت من رفاقي وغادرت الكافتيريا. ألقيت نظرة خاطفة على جمانه. لا يمكن الوصول إليها. هي محاولات أولية فقط، وربما تصل! هذا الخواء العاطفي. سامحك الله يا سعدى! أنت من كان عليه أن يحميني منه. ذيبه عمقته. أراك تلقي بكل أخطائك على ذيبه ومعها ذيب. أنت الآن بعيد عنهما! امسكني. حاولت أن أهرب منه. تمكن مني. نظرت حولي. خفت أن يتهمني الآخرون بالجنون. صمت.

- تحفر في ماضيك لتعذب نفسك. قال.

- ربما لأبرر سقطاتي.

- تحرر منه.

- سأفعل.

تابعت طريقي ممنياً النفس ألا يلاحقني. خاب ظني.

- أوترى ماذا فعل عنادك؟

- ماذا فعل؟

- لأول مرة تخرج عن الخطة المرسومة لرواية الهلالي.

- ألعن الروتين وتريدني أن ألتصق به؟

- عد إلى الخطة المرسومة!

قال يوسف الهلالي:

أمي كانت واحدة من خمس بنات لجدي عبد الرحمن وولد واحد، هو خالي صالح. وخالي صالح هذا أمسك الحياة بيديه. استمتع بكل دقيقة من وقته. غني وبلا عمل. له جزء كبير من بيارة برتقال تركها له أبوه. آفته القاتلة كانت النساء. يعشقهن. سحرته إحداهن. أنا لا أعرف اسمها. لقد حدثني عنها أبن خالي، لكني نسيت الاسم، وحتى لو تذكرته فلن أبوح به. وظف خالي كل ذكائه للوصول إليها. نجاحة كان جزئياً. التجأ-ما أكثر ما تستعمل هذه الكلمة، ربما لأن كل حياتك لجوء- إلى والدتي طالباً المساعدة بطريقة غير مباشرة، فهو يعرف شراسة والدي عندما يتعامل وهذه الأمور.

- سعدى!

- نعم.

- أريدك أن توصلي هذا المنديل مع هذه الحلوى لها!

- أخاف من يوسف!

- لن يعلم!

- وهل ستقبل هي؟

- أظن ذلك!

قالت سعدى:

ضد رغبتي. صالح أخي الوحيد، وحبي له فوق كل مبادئي! لم أكن أحس بخطورة ما وافقت عليه. وكما قلت لك كان ذلك ضد رغبتي. وضعت المنديل وباقي الهدية في مكان لا تطاله يد الهلالي. أعرف أن شراسته لا حدود لها عندما ننحرف عما رسمه لنا. الحق أقول إنه لم يقم بهذه الأعمال طيلة حياته معي. وأنا مخلصة له أحفظ عهده وأصون شرفه. كان يقدّر هذا لي. ولكن الشيطان صور لي ما أقوم به وكأنه أحد مظاهر محبتي لصالح. حضر الهلالي الكبير بعد عمل يوم شاق في أرضه. استلقى تحت ظل شجرة التوت الضخمة أمام البيت. أحضرت الطعام وتناولناه معاً. استراح قليلاً ثم دخل المنزل ليعد أرجيلته، حيث كان نايف خارج البيت. كيف اهتدى إلى مكان المنديل؟ لا أعرف. كنت لا أزال أجلس تحت الشجرة عندما دوت صرخة هي الزلزال بعينه.

- سعدى.. س..ع..د..ى!

أسرعت إلى الداخل وكل اعتقادي أن مكروه حدث له. عندما وقفت أمامه رأيت الشرر يتطاير من عينيه. رأيته حقيقة. أصابتني شظايا متناثرة منه. أخذت أرتجف. حتى الآن لم يخطر ببالي انه اكتشف هدية صالح لتلك المرأة.

- من أين هذا المنديل وهذه ا..ل..ح..ل..و..ى؟!

استولى عليه الشك، ورغم رعبي منه إلا أنني أحسست بالظنون تلون كلماته، فغضبت! كان عليّ أن أقضي على هذا الشك اللعين، فبادرته قائلة:

- إنها لصالح.

- ولماذا يتركها هنا؟

هنا تكمن المصيبة. لماذا؟ وماذا أقول له؟ لن أستطيع اقتلاع الشك منه إلا إذا قلت الحقيقة. وهل سيصدقني؟

- أرادنى أن أسلمها لفلانه!

- أوتطاوعينه يا سعدى؟

زال الشك من كلامه، لكن الغضب تكوم في كل كلمة من كلماته اللائمة. حقاً لماذا وافقته، أنا التي تكره الاعوجاج أقوم بما هو معوج؟! لم تكن لدي إجابة جاهزة. تطايرت الكلمات من عقلي، فوقفت صامته. بقي هو كما هو ثم ألقى بيده الضخمة فوق صفحة خدي. كان الشرر يتطاير منه، فأصبح يتطاير مني ومنه. تتابعت ركلاته وصفعاته. حاولت أن أكتم صراخي، فلم أستطع. أطلقت صرخة مدوية. هجم علينا نايف الذي حضر لتوه. أمسك والده.

- هذه اللعينة تقوم بما لا أحبه من الأعمال!

قال والغضب يتطاير من عينيه. لا أريدها في بيتي! تتابع انفجار غضبه وقراراته المتسرعة-ربما ورثت أنا منه تلك الحالة. فعندما أغضب يتوقف تفكيري وتكون قراراتي متسرعة وخاطئة-كل هذا الحب وتطلب مني أن أغادر بيتك يا يوسف؟! ومن أجل ماذا؟ لكنه يا سعدى عمل فظيع! أخوك نعم، لكن أن ينزلق بك إلى طريق ملتوية وموبوءة، فلا. ثرت لكرامتي. كنت أرتجف! حملت ملابسي وغادرت بيت الهلالي إلى بيت والدي.

غادرت مكتب بريد الجامعة وأنا أحمل رسالتين، إحداهما من دليله والأخرى من محمد النزيه، أبن خالي في السعودية. الأولى تحمل دعوة لزيارة ليبيا والثانية تحمل شيكاً بقيمة أربعمائة ليرة سورية. لحظة من اللحظات التي تتحقق فيها رغباتي دون إبطاء. سرت في طريقي إلى البيت.

جواز السفر هو جزء من الوطن أحمله وأدور به في دنيا الله الواسعة لكني لا أملكه هو في قلبي في مقلة عيني كم مرة وأنت في عمان تقدمت بطلب إلى السفارة المصرية للحصول على وثيقة سفر مصرية فأنت فلسطيني من غزة ومن ذا الذي سيصدر لك جواز سفر لا وطن لك أصبحت رديف المجرم أنت من غزة إذاً أنت مثير للمشاكل وجريء وخطر على الآمن القومي يا لهذا الأمن القومي المفتوق من أماكن كثيرة ذهبت إلى السفارة المصرية في دمشق مع رجل من غزة أكبر منك سناً كنت مانعت في البداية ليقينك بأنك لن تحصل على شيء وتحت إلحاحه ذهبت تقدمتما بطلباتكما قبل طلبك ورفض طلبه حصلت أنت على الوثيقة ولم يحصل عليها هو هي تقادير السماء ولكن هي وثيقة أشبه ببطاقة هوية غير مسموح لك بها السفر حاول أن تضيف ليبيا سوريا هي البلد الوحيد المسموح لك بالإقامة فيه ستسافر إلى ليبيا أمنية أخرى تتحقق سترى دليله وتتحدث معها وتمكث مدة طويلة معها إنني لم أرها منذ سنوات ورغبتك تلك التي تقتحمك حتى وأنت في قاعة المحاضرات كما الأرض أمامنا ويغتصبونها سنحررها وتمضي شهور وسنوات نعد العدة ولا نقترب منها رغبتي ملعونة ولكن رغبتنا في تحرير الأرض مقدسة أحرقوا المسجد الأقصى ثارت ثائرتنا وهذا كل ما ثار منا يا رجل لا فائدة غص في المياه حتى وإن كانت فاسدة فأنت محكوم بكل زناديق الأرض تتقطع أوصالك وأنت تحاول ولا تحاول يا رجل حط في الخرج آه مسرحية محمود جبر يا رجل حط في الخرج لا تيأس فالصليبيون احتلوا بيت المقدس عشرات السنين ثم أخرجهم منها صلاح الدين ومن أين لنا صلاح دين جديد يا رجل إذهب وادلق رغبتك بين أحضانها إذهب وادخل

دخلت

بدا البيت كئيباً بدونها. بحثت عنها بعينيّ، بابها مقفل وحتى لا أثر لأطفالها فيه. أين ذهبت؟ سألت نفسي. ربما في حجرتها مع.. مع من؟ أوتغتصب حريتها كما اغتصبها منك الآخرون وطردوك من وطنك؟ كن عاقلاً واهدأ! ومن أين يأتي الهدوء؟ تتسرب الظنون والأفكار الكريهة إلى رأسك. تتثاقل حركتك، تتسارع قراراتك الخاطئة. اعتدل! كيف؟ دخلت حجرتي أبقيت بابها مفتوحاً آملاً أن أراها تدخله. لم تفعل. أغلقته. أخذت أدور في الحجرة كنحلة بين الأزهار. لا..أنت دبور تلسع الفراشات الجميلة. أنت..أنت..

- أصبحت مثلهم!

- أهذا أنت؟

- قلت لك أصبحت مثلهم!

- كيف؟

- تبحث عن التغيير، فتهتم بالقشور وتترك الجوهر.

- كيف؟

- ألم ترفض أن تبدأ فصلك بتقرير عن الهلالي وزوجته سعدى؟

- نعم، حتى لا يملني القارئ.

- وماذا فعلت؟

- ماذا؟

- بدأت بيوسف الهلالي الصغير ثم عدت مباشرة للهلالي الكبير وسعدى. لم يكن عندك جديد تقدمه. وزير الداخلية بدلاً من وزير الخارجية ووزير الخارجية وزير دولة للشئون الخارجية. هل فهمت؟

أصاب كبد الحقيقة. هذا ما يحدث! ولكني جزء من هذا العفن! حاولت أن أتجاوزه، نجحت. نجاحاً مشروخاً، لكنه نجاح على أي حال. ثم هويت وسط العفن، ولم تحاول حتى مقاومة السقوط. غالطته وقلت:

- لقد تغيرت!

- كيف وأين؟

- في سجن عسقلان.

- عندما أصبحت شاويشاً للحجرة؟

- نعم!

- تلك لحظة وانتهت، وهم سيحاولون أن يتغيروا، لكنهم سيعودون للعفن نفسه. انتظر وسترى!

أوتراه يقرأ المستقبل؟ أثار ولا يزال حيرتي. من هو؟ كثيراً ما يتحقق حديثه عن المستقبل. تنبأ بأن رغبتي ستتحقق وتحققت. وها هو ذا يقول كلاماً خطيراً. متى سيحدث التغيير؟ وكيف سيعاودون السقوط؟ ألقيت بأحمالي على كتفيّ القدر. أشعلت لفافة وأخذت أدخنها باستمتاع، فأنا لم أدخن منذ فترة طويلة. ألقيت نظرة على ساعتي. الثانية ظهراً. كنت جائعاً، لكن نفسي عافت الطعام. تخلصت من ملابسي كلها واستلقيت على السرير. أغمضت عينيّ. حاولت أن أنام، ولكن تلك الرغبة اللعينة تكاثفت وانقضت على ملك النوم وطارت به بعيداً. أبقيت على جسدي ممداً. حاولت إغراء النوم أن يزورني. تمادى في رفضه زمناً أظنه طويلاً، ثم استجاب لإغرائي، فنمت.

يا للعار ذاتهم المهزومة تشاركهم فرحة ما يقال استقلالهم فاليوم هو ذكرى اغتصاب الأرض وهم يحتفلون بها يشاركهم كثيرون من المهزومين حتى وأن فعلوا فنحن لا بد راجعون إليها كما فعل صلاح الدين وأسلحتهم النووية لمن يخزنونها أكثر من مئتي رأس نووية الغرب هو من اضطهدهم وضربنا بهم هو من أحرقهم وقذف بأشلائهم علينا ممن سينتقمون كثيرون منا رفعوا راية بيضاء على عصا مكنسة وأخذوا يلوحون بها في الفضاء كما قال أميل حبيبي في رواية المتشائل استلقينا على الأرض وتركنا مؤخراتنا عارية يغزوها الريح والتراب والحشرات السامة في استرخائنا امتلكوا هم كل شيء يا للعار يحتفلون بسرقة أرضنا وبعضنا يشاركهم احتفالهم يرسلون لهم ببرقيات التهنئة هم من ساعدوهم على سرقتها يا للعار اسم بلد يتبدل وشعب يقتلع ولصوص يصبحون أسياد الأرض وغداً أسياد العالم ونحن ما زلنا نستلقي ومؤخراتنا عارية يا للعار

قال الراوي:

- غضب الهلالي يوسف منك لأنك تعاطفت مع أفكارك وأضفت للرواية جزءاً لم يكن مقرراً، وتداخلت الأزمنة في روايتك حتى أنها أصبحت غير مفهومة.

- لكني أنا من يكتبها ولي مطلق الحرية في أن أضيف لها ما أراه مناسباً.

- لقد أضفت لها ما هو مباشر وفج وكلنا نعرفه!

- أنت الراوي فارو فقط ما أمليه عليك.

- إما أن تعود لخط سير الرواية أو اتركها لآخر يلتزم بما أقصه عليه.

صاح يوسف الهلالي غاضباً. لأول مرة أراه أمامي: مربوع القامة أسمر البشرة، ملامحه الغليظة تطبع شخصيته بفلسطينية معذبة ومميزة. تأملته جيداً. لم أنفر منه، أحببته وتعاطفت معه.

- كان عليّ أن أعبر عن جزء مما يجول في خاطري. قلت له معتذراً.

- بإمكانك أن تكتب هذا في مقال صحفي.

- لن ينشره أحد!

- هل حاولت؟

- ألم أقل لك؟ تضع نفسك في مواقف محرجة!

قال من لا يتركني لحظة، حتى عندما يختفي يطوقني ظله يراقب حركاتي وحتى أفكاري.

- ابتعد أنت. أنت لست طرفاً في هذا اللقاء!

- من قال ذلك؟

- اتركه يكتب ما يشاء. إنه يعبر عما يدور في أذهاننا!

قال أحد القراء.

انفرجت أساريري، فهذا قارئ يثني على ما أقصه، وربما هناك الآلاف من الصامتين. أين أنتم؟ تكلموا، ارفعوا أصواتكم فربما أجبرتموهم على أن يتقبلوا ما أريد أن أدخله من تعديلات على الرواية. انتفضوا....

- إما أن تلتزم بخط الرواية أو أتركها! قال الراوي.

- أين وصلنا؟

- الهلالي مستلق على السرير نائم.

- سأنسحب وأترك لك حرية التصرف. انصرفت.

قال الهلالي:

انتفضت من الرعب. حملني بيد واحدة. كنت لعبة في حضن يده. لم يؤلمني. طار بي بعيداً. ارتفع إلى أعلى وارتفعت معه. حيوان متوحش ضخم لم أتبين ملامحه اعترض طريقنا. أرسل كماً هائلاً من اللهب علينا. تفادته اليد التي تحملني. حاولت أن أتبين ملامحه، لم أستطع، لكنه مخيف. تراجعت اليد وتراجع صاحبها. ابتعدنا عنه قليلاً. لم نعد نراه. تابع صعوده وأنا ملقى في يده. صعدنا وصعدنا كثيراً. اصطدمنا بكتلة هائلة من اللهب، أحرقت كثيراً من أطرافي. صرخت فيه أن ابتعد. أحاطته النيران من كل جانب. أخذ ينتفض. قذف من جوفه بمادة غريبة. ابتعدت النيران عنا وابتعد هو عن الجسم الملتهب. علينا أن نواصل الصعود. قال. فقدت كل قوتي على المتابعة، قلت له. لا تتحامق! الطريق أمامنا طويل وعلينا أن نصل إلى الهدف. وما هو؟ سألت. ستعرفه عندما نصل. إنه مجنون. قلت لنفسي. غافلته وقفزت من راحة يده. درت في الفضاء الشاسع. هويت. لاحقتني اليد الخفية والمخيفة. التقطتني من أعلى رأسي. صرخت. صرخت صرخة مدوية.

- ماذا حدث؟

سألتني برقة استلقت على كل أجزاء جسدي.

- لا بد وأنني كنت أحلم! حلم مخيف.

- كيف أنت الآن؟

- لا بأس.

ذهبت. غابت قليلاً، ثم عادت تحمل فنجانين من القهوة وبعض قطع الحلوى. تذكرت سعدى وخالي صالح-أوتراني ورثت من خالي كل هذه الرغبة للنساء؟-والمنديل والحلوى والهلالي وهو يحرق سعدى بنظراته ويده تستلقى على وجهها بقوة. جلست أمامي. قدمت لها لفافة مشتعلة وأشعلت أخرى لي. أخذنا ندخن ونرتشف القهوة. لم أسألها ولم تتحدث هي عما يحدث. نظرت إلى ساعتي. الثامنة صباحاً. نهضت هي وغادرتني. دخنت لفافة ثانية، ثم نهضت. ذهبت إلى الحمام. أقفلت الباب. تخلصت من ملابسي. تركت جسدي تحت المياه الدافئة. الماء والصابون ينزلقان عليه بيسر. أفكاري تائهة كما ذاتي، تركت لها العنان:

معه كل الحق استأثرت بالمساحات الشاسعة في الرواية وأخذت تسرد قصة حياتك وكأنها هي كل شيء وآلاف المعذبين أين هم من روايتك أنا واحد منهم هذا حق لكنهم يستحقون أن تكتب عنهم كيف أنت تكتب عن شعب كامل يتعذب كل يوم بل كل دقيقة تحتاج إلى مجلدات لرصد عذاباتهم أنا واحد منهم كنت ضمن آلاف سجنوا وعذبوا كنت أنت موقوفاً والآخرون محكومين مدى الحياة وبعضهم لسنوات هي عمرك طلب منك الحارس الإسرائيلي أن تنظف الممر أمام حجرات السجن في أي منها سجن عسقلان تلك الأيام كان الجمر ملتهباً وكنت أنت تلتهب أنظر كيف أصبحت الآن في دمشق تهت يا مسكين تناسيت ماضيك حملت صفيحة الماء ودلقتها في الممر صاح أحدهم عليك واحد من عشرين سجيناً محرومين من اللفائف وسماع الإذاعة لأنهم محكومون مدى الحياة ويطالبون بتحسين أحوال سجنهم طلب منك أن تشعل عقب لفافة وتحضرها لهم حتى يدخنوا وثارت أعصابك عليك تلبية طلبهم وإن رآك الشرطي عقابك سيكون شديداً سجن انفرادي لمدة أسبوعين وماذا أيضاً ولكن عليك تلبية طلباتهم لو كان فاروق أو عبد الكريم مكانك لفعل وأنا سأفعل أخذت عقب اللفافة المشتعل ووضعته في يدك التي تحمل صفيحة الماء واتجهت إلى بداية الممر نظرت إلى الشرطي بطرف عينك كان يسير في الاتجاه المعاكس قذفتها لهم ها أنت ذا قد أنجزت مهمة خطرة تسلل إليك الفخر ممزوجاً بسعادة طاغية وخطة الإضراب نقلتها في ورقة صغيرة إلى الحجرات الأخرى شك فيك الجندي والورقة في يدك التي تحمل صفيحة الماء تحسسك لم يجدها وهكذا نجح الإضراب الذي دام أسبوعاً كنت أنت أنت كما قالت غاده عدت أنت كما أنت وعبد الكريم أين هو الآن آه يا للذكرى الحارقة هذبك السجن وقضى على معظم الآفات التي أوجدتها فيك ذيبه ومن ورائها ذيب انتفض وقد خطواتك إلى ما كنت تطمح فيه عد ثانية إلى الطريق الذي انحرفت عنه تلك الرغبة الهائلة إطرحها أرضاً وعد ثانية الجفاف ضرب أرجاءنا كلها الجفاف والرغبة والأعمال التي لا معنى لها وعدد من المنظمات أفرادها يعملون ضد بعضهم البعض وأنت من أنت كن مثلاً يوسف بن يوسف الهلالي يغوص في أعماق دمشق هذا ليس مكانه هناك هناك مكانه أنت تعمل تعمل

خرجت..

في منتصف الطريق بين الحمام وحجرتي صادفته. رجل في الأربعينات من عمره. ألقيت عليه نظرة فاحصة، وفعل هو. تقدم باتجاهي. صافحني. لم أتحدث. تركت له حرية الكلام، قال:

- أنت الذي يسكن هنا؟!

سؤال لا معنى له. شعرت بعدمية لا أدري مصدرها. كان عليّ أن أرد على سؤاله.

- نعم.

- هل أنت مرتاح؟!

- نعم!

- تفضل تناول طعام الإفطار معنا!

اعتذرت بأنني على موعد مع رفاقي. لم يلح عليّ، ارتديت ملابسي وخرجت. ذهبت إلى منزل البدوي. وجدته وقد غادر فراشه منذ لحظات. جلسنا في الحجرة. شاركنا جلستنا أحمد الشاوي. تناولنا طعام الإفطار.

- أوتذهب معي إلى السفارة المصرية، أريد أن أضيف ليبيا على وثيقة سفري؟

- سنذهب جميعاً، بعدها نحضر فيلم سينما.

وخرجنا. ركبنا الحافلة من أمام سينما النجوم في مخيم اليرموك. كانت الساعة العاشرة صباحاً وقليل هم الذين شاركونا الرحلة. استولينا على المقاعد الأخيرة.

قال أحمد البدوي:

- ألم يحن الوقت لاسترجاع ما ضاع منا؟

- فكر في أي شيء إلا هذا! قال أحمد الشاوي.

- لا بد وأن نحارب! فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. قلت.

- أنت تحلم. قال الشاوي.

- ألم تسمع عن مبادرة السادات الأخيرة؟ قال البدوي.

- يريد الحل السلمي بأي شكل! ولكنه لن يستطيع، لأنهم لن يعطوه ما يريد. قلت.

- لقد تخلص من رجال ناصر بكل سهولة. قال الشاوي.

- لم أكن أعرف أن السادات بهذا الدهاء! قال البدوي.

- هو كمسمار مغروس في بطن خشبة وغير ظاهر. وعندما أتيحت له الفرصة انقض على رفاق الطريق. قلت.

- ومحمد فوزي! هذا العسكري الفذ الذي لم يبتسم، أويودعه السجن؟ قال الشاوي.

- هذا هو الفرق بيننا وبينهم. هم يكرمون أبطالهم ونحن نودعهم السجن. قلت.

نزلنا من الحافلة وانتقلنا إلى أخرى في طريقنا إلى مبنى السفارة المصرية. الشوارع في هذا الحي نظيفة. إنه حي راق. حي السفارات، أرقى أحياء دمشق. ماذا عن سكانه؟ هنا كان يسكن الجاسوس كوهين.. لا. في حي أبو رمانه. كان يلتقط كل أسرارنا ويرسلها لهم. يا للوعة الأيام! كنا نظن أننا في مأمن منهم هنا وأسرارنا لا نبوح بها ولا تصل إليهم، وأذ بهم يعيشون بيننا! كوهين هذا الجاسوس وذاك الذي كان في مصر يعرفان كل شيء عنا‍ حتى أسماء ضباطنا، ونحن لا نعرف عنهم أي شيء. لا عجب إذاً إن انتصروا هم وهزمنا نحن. دخلنا مبنى السفارة. انتظر الأحمدان في الصالة ودخلت أنا على الموظفة.

- هل من الممكن أن أضيف ليبيا على وثيقة سفري؟

- لا أظن ذلك.

- إذاً ممكن أن أقابل القنصل؟

وبعد عدة دقائق دعتني لأدخل له. صافحته بوجه بشوش آملاً أن يحقق طلبي.

- هل بإمكاني أن أضيف ليبيا على وثيقة سفري؟ قلت.

- لا أظن ذلك.

- السادات يقول بأعلى صوته إنه مع الشعب الفلسطيني ويساعدهم، كونوا معنا بالفعل وليس بالقول فقط.

- لماذا تريد أن تضيفها؟

- لأزور أختي التي لم أرها منذ سنوات.

نظر إليّ طويلاً، ثم طلب مني وثيقة السفر. كتب بخط يده " تم إضافة ليبيا بمعرفة سفارة مصر في دمشق." وطلب مني أن أذهب إلى نفس الموظفة لختمها بخاتم السفارة. فعلت.

خرجنا من البناية وأنا أشعر أنني أنجزت شيئاً. الخطوة التالية هي أن أشتري تذكرة السفر، وهذه أسهل الخطوات. ذكرني أحمد الشاوي بأن على أن أحصل على إقامة من وزارة الداخلية السورية. كيف الوصول إلى هذه الإقامة العتيدة؟ نظرت إلى ساعتي، لازال هناك متسع من الوقت. إذاً لنذهب إلى هناك، قلت لهم. دخلت الدائرة، فوجدت موظفاً محترماً.

- أريد أن أحصل على إقامة‍.

- وكيف أمضيت كل هذه المدة في سوريا دون أن تحصل عليها؟

- أنا طالب في الجامعة؟

- وماذا يعني ذلك؟

ماذا يعني ذلك بحق السماء؟ سوريا للعرب جميعاً. هكذا يقولون في إذاعتهم. تذكرت مصباح وهو يبكي بحرقة لآن إسرائيل استفردت بدمشق وأخذت تقذفها بأطنان من قنابل النابالم. تعال يا مصباح والق نظرة على دمشق. ماذا يفعل بها هذا الموظف؟ لكنه ليس كل سوريا. هذا صحيح، ومع ذلك فأنا أعاني. تذكرت الجاسوس كوهين. كيف دخل سوريا وحصل على إقامة؟

- يا رجل أريد أن أسافر لأقابل أختي التي لم ألتق بها منذ سنوات.

- هات وثيقة من الجامعة تثبت أنك طالب فيها!

ولم يكن ذلك صعباً. سأحضرها غداً وأحصل على الإقامة، ثم أسافر إلى ليبيا لأزور دليله وأقضي عندها عدة أسابيع، أتحدث معها وأسمع منها. إنني أحبها محبة طاغية. هي أختي الوحيدة الباقية على قيد الحياة. وفوق ذلك هي من شجعني على دخول الجامعة. أمنية أخرى من الأمنيات المكبوتة ستتحقق.

دخلنا دار السينما. فيلم كاوبوي عن الغرب الأمريكي. البطل جوليانو جيما. يمثل دور البطل الأمريكي الذي يقتل كل من يقابله من الأشرار. ودائماً رصاصة في الرأس. في الرأس؟ ونحن؟ هل نمثل دور الأشرار؟ دائماً رصاصهم في رؤوسنا. يقتلون أسراهم ويمثلون دور البطل. في الرأس؟ يطردوننا من فلسطين ويسكنونها بغير وجه حق وهم يمثلون دور البطل. في الرأس؟ يبقرون بطون النساء الحوامل ويقتلون الأطفال قبل الشيوخ ويمثلون دور البطل. في الرأس؟

- ما أروعه من فيلم. قال الشاوي.

- يبهروننا بمناظرهم الراقية ولكن يقتلوننا برصاصة في الرأس كما يفعل بطلهم.

- نحن السبب.

- نستلقي تحت أقدامهم. آما آن لنا أن ننتفض؟

- هل تريد أن تحصل على شهادتك الجامعية؟ سألني الشاوي.

- بالتأكيد.

- إذاً انتفض في نفسك.

- هذا هو المنطق الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.

- لا تفلسف الأمور.

ولم أعد أفلسف الأمور. حاولت مرة وأنا في الصف السادس الابتدائي أن أفلسفها، فكان نصيبي عدة ضربات بعصا قريب لنا. متى كان ذلك وكيف حدث؟ كان ناصر في أوج عظمته ومعركته مع الإخوان على أشدها. تحمسنا له. "فلتسقط الأحزاب،" كان شعار تلك المرحلة. أخذت أكتب على جدران البيوت المتداعية ذلك الشعار. من بين كل الذين كتبوا، استدعتني المخابرات الفسلطينية أنا وحدي. لماذا؟ لا أدري. ولكن هل هي المخابرات الفلسطينية أم المصرية؟ المهم أن ذيب أوكل مهمة مرافقتي لقريب لنا عجوز. ولم يفته أن يلقنني درساً في كيفية عدم التفلسف كما قال أحمد الشاوي. وفي الصباح ذهبنا إلى مركز المخابرات. دخلت وأذ برجل متجهم يجلس على مقعد خلف طاولة مملوؤة بالملفات.

- اسمك؟

- يوسف بن يوسف الهلالي.

- والدتك؟

- وما دخل والدتي في الأمر؟

- يا كلب! أنت هنا تجيب على الأسئلة فقط؟

- سعدى!

رمقني بنظرة غاضبة ومتسائلة. أنت ووالدك ووالدتك كذا! قالت نظراته. صمت. ملأني غضب مكتوم. تحرك من خلف مقعده ووقف خلفي كما فعل رحاميم جزار سجن غزة بعد ذلك بسنوات. لم ألتفت. وفجأة سقطت يده على رقبتي. كانت لطمة شديدة تعادل في قوتها لطمة رحاميم. تحملتها ولم أصرخ. فعل ثانية، ولم أصرخ أيضاً.

- أوتهزأ بي يا كلب؟

- لا!

صفعة على الوجه، ونظرة نارية حارقة ملأتني بالخوف. وظني أنه أراد أن يرسل لي رسالة تقول هذا هو مصيرك إن تفلسفت مرة أخرى.

- من كتب على جدار بيت أبي غانم تلك الشعارات؟

- لا أعرف!

- ألم تفعل أنت؟

- لا!

- يا كلب كلهم رأوك وأنت تفعل!

- لا!

- قل كتبت وستذهب إلى المنزل!

أغرتني المساومة. أردت أن اتخلص من المأزق. كدت أن أقول إنني كتبت ذلك، ولكن في آخر لحظة اعتقلت الكلمة.

- لم أكتب!

أدخل الرجل العجوز. قال له أن هذا الثور، وأشار إليّ، لا يريد أن يعترف. قل له أن يعترف واصحبه معك! وجه العجوز لي لطمة شديدة. اعترف! قال.

- لم أكتب شيئاً.

- أنا أعترف عنه.

- إذاً وقع هنا؟

- على ماذا؟ سأل العجوز.

- على تعهد بأن لا يفعلها مرة أخرى!

بصم وخرجنا. تأخر عني خطوات ثم انهال بعصاه على مؤخرتي وساقيّ. هربت. ذهبت إلى منزل أخي نايف.

وذهبت مع راضي إلى مكتب منزو في دمشق. دخلنا على الموظف الذي صافح راضي بحرارة. جلسنا أمام المكتب. حضرت فناجين القهوة. دخنا اللفائف. أثناء ذلك طلب منه راضي أن يساعدني في استخراج الإقامة. طلب مني صورة تلك الشهادة الجامعية. سلمتها له ووعدني بأن تكون الأقامة جاهزة خلال اسبوع.

الأمور اسهل مما تصورت لكن لولا وجود راضي لما تم الأمر بهذه السهولة وماذا في ذلك الواسطة تلك الآفة القاتلة هي تتمدد في كل مكان حتى في مكاتب منظمة التحرير أنسيت رسوم المدرسة الثانوية التي حصلت عليها في عمان عندما تعرف أحد الثوار على والد رفيقك عاطف يومها أدخلت النقود في جيبك ولم تذهب إلى المدرسة متى تعتدل الأمور حدثني يوسف الهلالي بأن طفلة له ولدت في أمريكا وأراد أن يغادر إلى السعودية بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه ذهب إلى مكتب جانبي في البلدة التي كان يعيش فيها ملأ نموذجاً يطلب فيه جواز سفر لإبنته وعندما رأت الموظفة الطفلة انفرجت أساريرها قائلة ما أجملها وأرسلت الطلب وبعد أسبوع كان جواز سفر الطفلة الأمريكي في صندوق بريده متى تعتدل الأمور

- قف! قال الراوي.

- ماذا؟

- لقد أفشيت سراً ما كان عليك أن تفشيه. الهلالي يحتفظ به إلى الجزء الرابع من سيرة حياته، وهو غاضب جداً منك.

- لكني قلت ذلك في نفسي!

- وأنا أسجل ما يدور في عقلك!

- اعتذر!

- الاعتذار غير كاف!

- ماذا تريد إذاً؟

- وعد بألا تبوح بالأشياء قبل وقتها.

كيف أعد بما لا أضمن تحقيقه. هكذا تطور عقلي في هذه البيئة. كل أسرارنا على ألسنتنا نبوح بها ونقول إنها سر. هل نسيت المطار السري في مصر؟ كان سائق الحافلة يقف بجانب الطريق ويصرخ بأعلى صوته "المطار السري!" يريد ممن يسكنون بجانبه أن يغادروا الحافلة. "المطار السري" وهذا الراوي يريدني ألا أبوح بأسرار الهلالي! وماذا أفعل أنا الآن؟ أسرد أدق أسرار حياته أمامكم وينقلها لكم هذا الذي يطلب مني أن أعتمد مبدأ السرية!

- قلت لك بح بها في وقتها وليس قبل ذلك.

- هذا وعد مني! قلت وتمنيت أن ألتزم بما وعدت به.

خرجت وراضي من مكتب الجوازات. كنت سعيداً بما أنجزناه. إذاً سأحصل على الإقامة خلال أسبوع، وسأزور دليله. دليله تلك التي أحببتها حباً فاق كل الحدود. ربما محبتي لسعدى التي غادرتني مسرعة تحولت لدليله. ورغم أنها خذلتني ذات مرة عندما أخذت أحوم حولها آملاً أن أحصل على قطعة معدنية تسمى قرشاً، إلا إنني لا زلت أحبها بنفس الشدة.

- متى ستسافر؟

انتشلني راضي من أفكاري.

- بعد أن أحصل على الإقامة.

- الأسبوع القادم إذاً!

- إن لم يكن الأسبوع القادم، فالذي يليه.

ركبنا الحافلة المتجهة إلى مخيم اليرموك. وصلنا. ذهبنا معاً إلى البيت. دعاني لأتناول طعام الغداء معه. اعتذرت. لا رغبة لي في الطعام، قلت. رافقني إلى بيت أخته. كانت تجلس أمام حجرتها. عندما رأتنا تهللت أساريرها.

- هل حصلت عليها؟ سألتني بلهفة.

- الأسبوع القادم إن شاء الله.

جلسنا بجوارها. لحظات وأعدت هي لنا فناجين القهوة. أخذنا ندخن ونرتشف القهوة، هذه المرة استمتعت أيما استمتاع. استأذن راضي وخرج. ذهبت أنا إلى حجرتي. تمددت على السرير.

- لا تنس موعدنا الليلة. قالت أم وسيم لراضي.

حاولت أن أنام..

8

بداية إحساسي برجولتي كانت في الصف الثالث الإعدادي في مدارس وكالة الغوث. النظام هناك كان أن نحلق شعرنا على الصفر. حاولت أن أطلق العنان لشعري كي ينمو كما الأعشاب البرية حول شجرة برتقال في بيارة شاسعة. حضر مدير المدرسة، الأستاذ سعدي الطيب. عليكم جميعاً أن تحلقوا رؤوسكم على الصفر. كلمة قالها وغادرنا. كنا نعرف شدة الأستاذ سعدي. طلبت قرشاً من ذيب كي أحلق رأسي. أعطاني. نمره أربعة. قلت للحلاق. وفي اليوم الثاني مرّ المدير على فصلنا. عندما رأى إنني لم أحلق شعري على الصفر أمسك بالمقص وغاص به في رأسي راسماً شارعين! ملامحي الغليظة والشارعان زاداني اكتئاباً. طلبت من ذيب قرشاً آخر كي أحلق رأسي لأتخلص من الشارعين، رفض. صحوت صباحاً وذيب في طريقه إلى العمل. أعطى ذيبه عشرة قروش وطلب منها أن تشتري بعض الفاكهة.

- لا أريد فاكهة. قلت لها. فقط إعطيني قرشاً. تابعت.

نظرت لي طويلاً باحتقار. لا تقل لي كيف عرفت أنها كانت تنظر لي باحتقار. فنظراتها كانت تخترق جسدي كلسعات عقرب سوداء سامة.

- ومن قال أن لك فاكهة؟

- سمعت ذيب وهو يطلب منك أن تشتري فاكهة!

- نشتري لنا وليس لك!

حقاً تشتري لهم وليس لي أنا أنا ذاك الشيء البالي الذي لا يساوي قرشاً ولكن لماذا لم يعطني هو قرشاً رفض لماذا ولماذا تتمسك أنت بالمدرسة انطلق واعمل واكسب وماذا أعمل وأنا لا زلت في بداية حياتي ولكن لماذا تعاملني ذيبه بكل هذا القدر من الكراهية والاحتقار حتى أنها عندما اشترت الجوافة رفضت أن تعطيني واحدة من أين تأتي الأحزان من ذا الذي سأل هذا السؤال البلاغي شارعان في رأسك وملامح غليظة ووالدان غابا عنك وأنت ملقى في صحراء قاحلة ينهشك الجوع والعطش والحرمان تصرخ بأعلى صوتك ولا مجيب دع عنك الأوهام وانطلق أين المفر رحمك الله يا طارق يا بن زياد أين المفر البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم والله إلا القتال وأنت ليس لك والله إلا الصبر فاصبر قال الأستاذ سالم مطر لي ذات يوم اصبر يا يوسف فغداً تتخرج وتتوظف وتنساهم وها أنذا بعيد عنهما آلاف الأميال ولا زالا يمسكان بعنقي لماذا يا ذيبه تعاملينني بكل هذه القسوة لماذا يا ابنة عمي

- أوتريد أن تعرف؟

قال محدثي:

كان والدك رحمه الله قاسياً، وذيبه هي أبنة أخيه. عندما توفي والد ذيبه ترك لها أرضاً شاسعة، طمع فيها الهلالي فأراد تزويجها لإبنه ذيب. وذيب هذا رفض هذا الزواج من البداية. ولكن من أين له أن يقول "لا" للهلالي. هربت ذيبه من منزل الهلالي إلى بيت جدتها. هي الأخرى كانت ترفض الزواج من ذيب! وجدتها هذه من عائلة أخرى. أرادت تزويجها من قريب لها. مال هوى ذيبه إلى ذاك القريب. طار جنون الهلالي وذهب إليهما. انتشل ذيبه من جانب جدتها. وقبل ذلك قذفها بنظرة نارية يقال أن ذيبه بالت على نفسها من الخوف الذي انتشر في كل أجزائها. صفعها عدة صفعات بيده الثقيلة فغابت عن الوعي. لم يكن بمقدور جدتها أن تتدخل ولو فعلت لكانت نهايتها. ساق الهلالي ذيبه إلى البيت. وهناك عنفتها سعدى. وسعدى هذه لا تحب ذيبه من البداية، ولكن من أجل الأرض وطبقاً لرغبة الهلالي الكبير وافقت على زواج ولدها ذيب من ذيبه. يقال أن ذيبه لا تتمتع بأي مسحة من الجمال. الأرض مغرية في ذاك الزمن ولم يكن يعلم الهلالي أنه سيفقد أرضه وأرضها ويورث أبنه ذيب ذيبه حاقدة وكارهة.

التم أولادها حولها. وضعت صحناً مملوءاً بالتوت جمعه ولدها الكبير من شجرة التوت المزروعة في صحن البيت. أنت لا تأكل معنا. هكذا قالت عندما اقتربت منهم لأتناول حبة توت. أنت موبوء ولا أريدك أن تقترب من أولادي حتى لا تنقل مرضك إليهم. يا بنت الكلب. صحت بأعلى صوتي. والله لأتسلقن شجرة التوت هذه وأجمع كل ثمارها. وتسلقتها. تذكرت أن جارتنا ربما تكون بملابس النوم، فصرخت عليها إنني سأرتقي شجرة التوت. انتهزتها ذيبه فرصة وقالت: هذا ما تريده أنت، أن تتلصص على جارتنا، ما أنت وسخ كأهلك. يا شيطانة الشياطين، من أي عجينة أنت؟ حتى الشياطين تتبرأ منك. ارتخت يداي ونزلت عن الشجرة وخرجت بعد أن بصقت عليها. في الطريق صادفني جهاد ومصطفى الواوي. هيا نلعب كرة قدم، قالا.

كنت قد رتبت كل شيء. ساعدتني أم وسيم في إعداد الأطباق الشهية كما جهزت هي قطعة كبيرة من الحلوى. كان أول الحاضرين راضي. جلسنا معاً أمام حجرتي وأخذنا ندخن اللفائف في انتظار الآخرين. لحظات ووصل البدوي يحمل كيساً منتفخاً. ثم حضر أحمد الشاوي ومحمد سالم وعياد الهادي وشحته الطويل وآخرون. طلب مني أحمد البدوي أن أفتح المظروف أمام الجميع لأنه يحتوي على هدية قيمة يريد أن يراها كل الرفاق. وتحت إصراره فتحته. كان يحتوي على بالون أحمر منفوخاً وحبة حلوى خاصة بالأطفال وماذا أيضاً؟ لا أذكر بقية الأشياء المضحكة. انفجر الجميع بالضحك. دخلنا الحجرة. كانت الكراسي مرتبة حول طاولة استلقت عليها "كيكة" كبيرة مغروزة بالشموع، عددها عدد سنوات عمري. امتلأت الحجرة بالدخان المتصاعد من اللفائف المحترقة. بدأ أحدهم يغني..

- "يا دوب مرت أربع وعشرين ساعة، وضاع الهوى يا خسارة.."

أربع وعشرون ساعة فقط؟ يحسب عمر الإنسان بعدد الأيام السعيدة في حياته. ولو حسبت ذلك لكان عمري كله حول تلك الأربع والعشرين ساعة منذ مولدك وأنت تعاني وازدادت معاناتك عندما تركتك سعدى وبعدها الهلالي. يا دوب مرت أربع وعشرين ساعة وضاع ما بنيناه في سنوات طويلة. فقدت الثقة في كل شيء قال ناصر، وأنا لا زلت متفائلاً ولا أدري مصدر هذا التفاؤل.

- ضاع كل الضياع..

وأنا ضائع بين الآمال الممزقة والأحلام الزاهية أحلم وأحلم هي أحلام يقظة لكن ما يستحيل تحقيقه على أرض الواقع أحققه في أحلام يقظتي أحمد البدوي يشاركني أحلامه وهو يحلم بابنة عمه كتب لها ذات يوم يقول أين أنا في مسير حياتك أرجو أن أكون في المركز وأنا أين أنا من مسير حياة غاده أرجو أن أكون في المركز أنا متأكد من ذلك ولكن أين غاده

- يا دوب..

يا دوب جهزنا أنفسنا لنرتقي الموجة الهائجة وأذ بأبي الهيثم ورفاقه يدقون الباب ويحبطون كل خططنا ويقال أن عبد الناصر كان سيهاجم إسرائيل في السادس والعشرين من مايو لكن السفير الروسي أبطل كل خططه كيف تتشكل الأمور لا أحد يدري الذي أعرفه هو علينا أن نلتزم بها

- وضاع..

وضاع كل شيء حتى الطريق إلى القاهرة ودمشق كانت سالكه ولو قرروا أن يستولوا عليهما لفعلوا ولما اعترضهم أحد وأنا لو اقتحمت ذلك البيت ودخلت عليها لما اعترضني أحد لكني جبنت أنا وهربت وهم توقعوا خسائرهم الفادحة إن هم استولوا على المدن الكبيرة وقاومهم الأهالي الذين لا يهربون

تقدم الشاوي ليرقص وشاركه أحمد البدوي. لحظات ودعوني للرقص فأخذت أرقص بخطوات متنافرة. لم أعتد لا الرقص ولا الدبكة الفلسطينية. آه..الدبكة الفلسطينية. ذيب ماهر فيها وكذلك ابن خالته سعد. كان ذاك يوم..من كان سيتزوج يومها؟ نسيت. في تلك الليلة أحضروا الراقصات وأبا عقيل. وأبو عقيل هذا نافخ مزمار لا يكل ولا يمل. بدأوا يدبكون وكان قائد الدبكة ذيب بحركاته الرائعة. جاورته راقصة وأخذت تدبك معه. انضم إليهم سعد ابن خالتة ذيب والتاجر الماهر في بيت لاهيا. أخذوا يدبكون باستمتاع وكأننا حررنا دير سنيد. حاولت أن أدبك، تعثرت قدماي وعدت إلى مكاني استمتع بحركاتهم وألوم نفسي على عدم إتقان هذا التراث الشعبي الرائع. في فترة الاستراحة أخذت إحدى الراقصات ترقص، ثم مالت على سعد ليعطيها بعض النقود.

- إفتحي فمك وسأملأه بالنقود!

فعلت، وملأ يده بالقطع المعدنية وأخذ يصبها في فيها. صحت فيه صامتاً رويدك يا سعد! أنا أحق بهذه النقود من تلك الغجرية! لكنه في لحظة الاستمتاع دلق ما في جيبه في فم الراقصة وأخذت أنا أراقب النقود وهي تتسرب من يده إلى فيها بالتياع. أما كان بإمكانه أن يسرب تلك النقود إلى جيبي؟

استمتعنا بعشاء رائع. قال البدوي ألا يوجد كأس؟ نظرت إلى راضي، فقال يوجد. استلقى العرق الزحلاوي الرائع على سطح الطاولة. هاجمه البدوي وأخذ يكرع الكؤوس بلا حساب. اكتفيت أنا بكأس واحدة. شاركنا شحته الطويل الرقص والشرب. وتتابع حفلنا حتى تحطمت الطائرات عند الفجر. "لقد لعبت الخمر برأسك." قال رفيقي. عد إلى حفلتك واترك الطائرات المحطمة في أماكنها."

- جد عليّ بكأس يا بدوي!

- هذه لك، وهذه لي.

وقدم كأساً مملوءة حتى منتصفها لشحته ودلق هو الكأس المملوءة في جوفه. حياك أبا نواس. يا شاربي الكؤوس استمتعوا بها وانسوا ما أنتم فيه، واتركوا الطائرات تتحطم في أي وقت تشاء. ونسيت أنا ما أنا فيه وتذكرت فقط أنني سأعوم بين الأمواج هذه الليلة، ولتتحطم كل القيم!

في منتصف الليل غادر الرفاق منزلي على أمل اللقاء غداً صباحاً للذهاب إلى المطار حيث أنني سأسافر إلى ليبيا. تخلف راضي في البيت، فأخذ قلبي يحاول القفز خارج صدري. نظرت إليها، فأرجعت قلبها إلى مكانه. إنها ترتجف. خرجنا إلى صحن البيت. أخذت استنشق الهواء النقي وأغسل به رئتيّ اللتين أمتلأتا بالدخان الفاسد. صمتنا نحن الثلاثة. كان الأولاد قد أخلدوا للنوم. استأذنت أم وسيم في أنها تريد أن تنام وبقيت أنا مع راضي أعد الثواني والدقائق حتى يغادرنا.

- متى ستذهب إلى المطار؟

- الساعة التاسعة سأنطلق من هنا!

- سأذهب معك.

- لا داعي لأن تشغل نفسك!

- لا بأس.

قدمت له لفافة. أشعلها وبقي جالساً على صدري. لم يكن في استطاعتي أن أذهب إلى حجرتي مدعياً أنني سأنام. شعرت أنه ينتظر شيئاً. نظر إلى ساعته. الواحدة صباحاً. حان وقت الذهاب.

- تصبح على خير.

- ما رأيك لو نمت هنا؟

- أعتقد أن أمل عادت من بيت أهلها وتنتظرني.

- مع السلامة وتصبح على خير.

أمل تنتظرك، وأنا هناك من ينتظرني. أغلقت الباب خلفه. صوت إغلاق الباب مسموع ولا بد أنها سمعته فأنا على يقين أنها لم تغلق جفونها. ذهبت إلى الحمام. غسلت وجهي وسرحت شعري. ذهبت إلى حجرتي. تعمدت أن تكون خطواتي مسموعة. دخلت. بدلت ملابسي. لبست بيجامة جديدة كنت قد اشتريتها لألبسها في ليبيا. أعدت ترتيب الحجرة. فتحت النافذة والباب لأطرد الهواء الفاسد. أشعلت لفافة وأخذت أنتظر قدومها. أغلقت النافذة وأصخت السمع. سمعت وقع أقدامها. خفيفة وحذرة. بدأت أتنفس بشدة. كان صدري يهبط ويعلو بتسارع عجيب. دخلت. في أبهى زينتها. قابلتها في منتصف الحجرة. احتضنتها. ضمتني بشدة إلى صدرها. مكثنا دقائق على هذا الوضع. تباطأت حركة صدري. في مأمن أنا فلا داعي للقلق. قلت لنفسي.

أنه صباح يوم تموزي جميل في دمشق. الندى الذي تكاثف أثناء الليل بدأ يذوب بفعل حرارة الشمس. ذاب..ذاب..حتى أخذت المياه تتدفق من كل مكان. حرارة متصاعدة الشدة وذوبان متسارع بفعلها. استلقيت بين الزهور. أنها تصب رحيقها على كل أجزاء جسدي. يذوب وأذوب أنا بفعل روعة القطرات المنصهرة. الساعة الثالثة صباحاً ولا زلت بين الورود أسبح فوق عبيرها. هي تسبح معي غائبة عن الوجود. وأنا كذلك. كنا نغوص في أعماق الوردة فيندفع رحيقها إلى أعلى. أتلقفه أنا بمزيد من السعادة. أغرق..أغرق وفي غرقي أستمتع بالمياه العذبة. هل غرقت في ماء حار عذب ذات يوم؟ أنا فعلت واستعذبت الغرق! كنت أتنفس بسهولة ويسر، استمد قوتي منها وتدفعني هي للمزيد من الغرق. كانت تغرق معي وتدفعني لأن أبقى تحت المياه، لا فوقها. وعندما كنت أود أن أطفو على السطح كانت تساعدني بحركاتها الرائعة فأطفو. أترك نفسي فوق المياه. يدفعني ضغطها لأن استلقي بلا مقاومة. إني أغرق فوق الماء أو تحته على رأي نزار قباني. أغرق..أغرق..غرقت.

في الصباح كنت أتناول طعام إفطاري الذي أعدته هي لي. أخذت أدخن لفافة وأرتشف الشاي باستمتاع. حضر أبو الهيثم. شاركني جلستي. هو من سيوصلني إلى المطار. لحظات وحضر أحمد البدوي والشاوي. قدمت لهم فناجين الشاي ودخلت حجرتي لأبدل ملابسي. دخلت خلفي حاملة شيئاً.

- هذه هدية لأختك!

قالت وعيناها تلمعان ببريق عجيب. دققت النظر في عينيها. تسلل شعور ساحر إلى كل أنحاء جسدي. لا أعرف كيف أصفه. حتى أن الهلالي لم يستطع ذلك. لا تصفه. قال رقيبي. لم أتسلم هدية إلا مرة واحدة. لقد حدثتك عن قطعة القماش تلك التي صنع منها ابن خالي بنطالاً تشرّب الماء بعد غسلة واحدة فأصبح ربع بنطال. وها هي أم وسيم ترسل هدية لدليله، وكنت قبلها اشتريت أشياءً كثيرة لها. أصبحت جاهزاً فخرجت. جلسنا لحظات ثم غادرنا البيت في طريقنا إلى المطار. وقبل أن تتحرك السيارة، استأذنت للحظات. "لقد نسيت شيئاً." قلت لهم. دخلت البيت فوجدت أم وسيم خلف الباب. أغلقته وتعانقنا عناقاً طويلاً. تملصت من بين يديها وخرجت.

- ماذا نسيت؟ سألني البدوي.

- شيئاً ما!

- نعم!

تقاذفتني النظرات الشكاكة. لم أعرها انتباهاً. تركت لهم حرية تفسير ما حدث كما يريدون. أبقيت على صمت شفتيّ وعينيّ. كنت أتذكر اللحظات الحلوة قبل السفر وأمتع ناظريّ بمشاهد كنت أحلم بها في الماضي فأصبحت حقيقة الآن.

اصبر ما كان عليك إلا أن تصبر وها أنت ذا قد صبرت حققت وتحقق كثير من أمانيك أنت الآن في دمشق تغوص في أحشائها كم دفنت نفسك في كثبان مخيم جباليا تقطعه من أوله إلى آخره مشياً على الأقدام تبحث عن شيء لا تجده معدتك خاوية وجيبك بقيت على حالها من قلة الاستعمال كم مرة غزوت بيارات البرتقال وبساتين اللوز والمشمش ما لم تحققه في البيت كنت تجلبه من تلك البساتين من قال إن ذلك حرام محروم أنت وتحاول أن تذيب بعضاً من حرمانك فقط بعضاً من حرمانك اندلق هنا في دمشق ما أعمق بئر الحرمان هذا خزان ضخم من المآسي والآلام والحرمان ادلقه كله تحاول لا أنت تفعل لا بد أن تتخلص منه حتى تعيش حياتك كالآخرين

نزلنا من السيارة. حملت حقيبتي وذهبنا جميعاً إلى مبنى المطار. إنه مطار حديث! عملت بعض إجراءات السفر، ثم جلسنا في صالة الانتظار. طلب البدوي زجاجتين من البيرة وزجاجة عرق. رغم أنني كنت أود أن أملأ هذه المعدة ببعض منه إلا أنني فضلت أن أبعدها عن كل ما هو مسكر. أريد أن أتمتع برحلتي وأنا في كامل قواي العقلية.

- علمت أنهم في ليبيا لا يبيعون المشروبات الروحية. قال البدوي.

- هكذا سمعت. قلت.

- إذاً ادلق هذه في جوفك المحروم. وقدم لي كأساً من العرق.

ترددت في الإمساك بها. تحرك البدوي من مقعده. اقترب مني حاملاً الكأس بيده. أمسكني من رأسي. حاول أن يدلقها في جوفي كما تفعل الأم مع طفلها العنيد الذي يرفض شرب الدواء. أمسكت بالكأس ضاحكاً وأخذت استمتع برشفات منه. لم تدم جلستنا طويلاً حيث سمعنا نداء الدخول إلى الطائرة عبر مكبرات الصوت. عانقتهم جميعاً. طوقني البدوي بذراعيه مدة أطول. سألني إن كنت في حاجة للنقود. شكرته وقلت له أن معي منها الكفاية. منعت دمعة كادت أن تتسلل من عينيّ. ربما تسللت وتبخرت من حرارة الوداع. غادرتهم. لم ألتفت. دخلت من البوابة إلى الطائرة. قادتني مضيفة جميلة إلى مقعدي.

نجحت في سنة أولى وكذلك في سنة ثانية، وها أنت ذا في طريقك لمقابلة دليله وتركب ماذا؟ طائرة! هل حلمت بهذا من قبل؟ أعرف أن أحلامك كانت ولا زالت فاقعة. أن تتزوج وتركب سيارتك الخاصة وتتوه في شوارع غزة. أنت الآن تتوه في شوارع بلدان عربية كثيرة. انظر ماذا فعلت في دمشق. تسير بخطى واسعة للوصول إلى هدفك. وغاده.. بدأت تغيب عن أفكارك. لا.. من قال أنني أفعل ذلك؟ أنت تفعل! إنها هناك في غزة، وربما تنتظرك! لم أسمع عنها طيلة تلك الفترة الطويلة. وأنت أيضاً لم تكتب لها. وأين هو عنوانها؟ لا بد وأنها الآن مدرسة في إحدى مدارس وكالة الغوث! كم بهية الطلعة هي!

دخلت الطائرة..

أشبه بحافلة ضخمة، مقاعدها واسعة ونظيفة. داخل الطائرة ينتابك إحساس غريب. هو مزيج من الانبهار والسعادة والخوف. يقولون أن الطائرة نعش طائر! عبد الوهاب كان يرفض السفر بها! أنت فعلت.

أجلستني المضيفة بجانب النافذة..

مكانك المفضل. بجانب النافذة. تلقي نظرات متتالية على الناس والكون. تراقب الحياة وهي تتشكل. ونحن ! هل سنبقى هكذا نراقب الحياة؟ وإلى متى؟ آن لنا أن نشكل الحياة، لا أن نراقبها! هذا الهم الجاثم على صدورنا! متى نتخلص منه؟ دون ذلك دماء وعزيمة وتضحية ونكران ذات. وهذه هي صفاتنا التي تناسيناها.

جلس بجانبي شخص..

يبدو أنه أمريكي أو بريطاني. هكذا يوحي شكله. ليكن من يكون. رفقة طريق وهي رفقة عابرة! ألقيت نظراتي عبر النافذة. أرض المطار! وهل كان هذا المطار المدني من ضمن المطارات التي دمروها في سنة 1967؟ يا للكارثة! كل مطاراتنا! كم واحد؟ وظني أن ذاك المطار السري في القاهرة قد تم تدميره أولاً. المطار السري في رأس قائمة المطارات التي سيتم تدميرها. درس في السرية ورسالة مفادها أننا نعرف كل شيء.

تحركت الطائرة..

تحركت الدماء في عروقي. تراقصت مشاعري. انتفضت أحاسيسي. خليل ورده. أسمه يتردد عبر مكبرات الصوت في السجن. هو رفيق اعتقل من تنظيمنا في نفس قضيتي. "شحرور"، كلمة عبرية معناها إفراج. يا للآمال المتعاظمة! بالتأكيد أسمي بعده. إذن سأنطلق في الدنيا مرة أخرى! هذا هو المنطق. "شحرور" وبعدها مات مكبر الصوت. إذاً ماتت الآمال! اكتسحني الألم والاكتئاب. أرسل لي كلمة مع سجين آخر يعمل في مطبخ السجن، "لا تبتئس، فغداً سيتم الإفراج عنك!" ومتى يأتي هذا الغدً؟ بعد يوم سمعت أسمي خلال مكبر الصوت. تراخت أطرافي من الفرحة. لكنهم لم يطلبوا مني أن أحمل أمتعتي وأخرج. نزلت إلى ساحة السجن. وجهوني إلى حجرة فيها شاويش يهودي من أصل مصري أسمه موشى. أنت يوسف الهلالي؟ سألني. نعم. قلت. أرفع القبعة عن رأسك. رفعتها. أنصرف، وهذا كل شيء.

بدأت ترتفع..

كسهم ينطلق لاصطياد حمامة كانت طائرتنا تشق عنان الفضاء. "هذه عبارة مستهلكة! عليك باستبدالها." قال الراوي. بحثت عن عبارة أحدث. تنطلق في الفضاء. "هذه أفضل." قال. "تابع سردك!" تركت الأرض لأهلها. سأعيش في الفضاء مع آخرين، حتى وإن كانت إقامة مؤقتة. انطلق مع الطائرة إلى أعلى. دائماً إلى أعلى فالصقر دائماً في السماء. ويوسف الهلالي أرادني أن أكون صقراً، وسأكون.

استوت في الفضاء..

واستوت أفكاري. عدت أنا كما أنا. آه يا غاده! أين أنت؟ تسكنين عقلي ومقلة عيني! السكنى شيء وأن تكون بجانبك شيء آخر. انظر إلى دمشق من علو! كان الطيارون الإسرائيليون ينظرون إليها بحقد ويقذفونها بحمم من طائراتهم. انظر لها بحنان ففيها مسكنك ووردتك! فيها رفاق دربك وفيها أم وسيم. أهذا كل شيء في دمشق؟ فيها الأمل..هذا الأمل الذي يطوقك، لولاه لانتهت الحياة. هل حقاً إن وضعنا أيام الصليبيين كان أسوأ منه الآن؟ أظنه كذلك قال قريني! ألم تسمع عن أولئك الذين كانوا يسيرون في أحد شوارع القدس وقابلهم جندي صليبي. انتظروا هنا حتى أحضر سيفي. وانتظر المتهالكون حتى عاد وقطع رؤوسهم على قارعة الطريق.

- مرحباً!

ظننت أنه هو. انتبهت إليه فأنا في حاجة لمن يؤنس وحدتي.

- مرحباً!

إنه جاري. نظرت إليه. نعم هو. يتكلم الإنجليزية. عيناه حبتا طماطم ناضجتان.

- مرحباً.

- هل تتكلم الإنجليزية؟

- نعم. قلت بفخر!

- من أين أنت؟

- فلسطيني من غزة.

- أنا أمريكي.

أمريكي؟ أصل البلاء! لماذا تفعلون بنا ما تفعلون؟ كيف استولوا هم على عقولكم؟ ذات مرة استولوا على عقول الألمان, ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ هل سيحدث ذلك لهم في أمريكا أيضاً؟ ربما! ونحن هنا ماذا نفعل؟ لم تكن لي رغبة في مواصلة الحديث، رغم أنني كنت أود أن أسأله عن مبادئ ولسون! لكنني آثرت الصمت. وضعت رأسي على حافة المقعد وأغمضت عينيّ. نمت!

- بعد عشر دقائق سنهبط في مطار القدس الدولي، على الأخوة الركاب ربط الأحزمة استعداداً للهبوط!

عشر دقائق فقط، ثم نهبط في مطار القدس الدولي، مطار العاصمة. عدلت من وضع مقعدي. ربطت الحزام استعداداً للهبوط. لامست عجلات الطائرة أرض المطار، فأخذنا نصفق بحرارة. عبر النافذة رأيت علم فلسطين يرفرف في الفضاء. نزلنا من الطائرة. كانت بانتظارنا حافلات نظيفة وحديثة، صناعة عربية! كانت الإجراءات سريعة ومنظمة. سعدى والهلالي الكبير كانا في انتظاري. أخذتني سعدى بالأحضان وكذلك فعل الهلالي. ركبنا سيارة إلى قرية دير سنيد. وصلنا منزلنا. ذيب وذيبه ونايف وزوجته كانوا في انتظارنا. حضر خالي صالح وجدي عبد الرحمن. كانت لحظة رائعة من لحظات العمر. كان الهلالي الكبير يتكلم بفخر عن كم النقود الهائل الذي أرسله لي لأتخرج دكتوراً. ذهبنا إلى منزل غاده. تقدمت لخطبتها. كانت أمي سعيدة بها وكذلك الهلالي.

- إلى صالة الانتظار..

قال موظف الجوازات. ذهبت والأمريكي معاً. عجائب الأمور! فلسطيني وأمريكي معاً. نحن سر البلاء! جلسنا جنباً إلى جنب. مرّ صعيدي يبيع عصير المانجه. طلبت كأسين. قدمت له العملة السورية. قال الصعيدي إنه لا يقبلها، فأخرج الأمريكي محفظته. تقدم الصعيدي نحوه يريد أن يأخذ ثمن العصير بالدولار.

- هذا ضيفي يا رجل! كيف ستأخذ منه ثمن ما دعوته أنا إليه؟

- هو ضيفي أيضاً. قال الصعيدي وانصرف.

هذه هي الأخلاق. ضيفنا، وحكومته تفعل بنا ما تفعل! انظر ما حدث للطائرات المصرية والكم الهائل من الأسلحة التي تقدمها أمريكا إلى إسرائيل. هم فعلوا كذلك مع الهنود الحمر! وهل سنكون نحن هنوداً حمراً؟ لا أظن ذلك! لا أظن.

تحوم الطائرة فوق مطار طرابلس الدولي. كم مطاراً مررت به؟ كلها تتكلم العربية! أي نعم والله اللغة العربية. "وماذا في ذلك؟" سألني رفيق حياتي. الكرسي مغر! هذا الكرسي اللعين! لم تجلس عليه. هل بإمكانك أن تترك الماء الآسن الذي تعوم فيه في دمشق؟ أنت تعرف أنها خطيئة ومع ذلك تتمادى في السباحة فيه! أنت تعلم أنه ماء موبوء، وتتابع السباحة.

خرجت من الطائرة. أخذت أبحث عن دليله وصالح. لا أثر لهما في المطار. ألم تصلهم برقيتي؟ انتظرت فترة أخرى. أخيراً طلبت من سائق تاكسي أن يوصلني إلى المدينة، وهناك سأدفع له ما يطلبه. وصلنا المنزل ووصل صالح ودليله في نفس اللحظة. اعتذر صالح بأنه كان يدور بالأولاد حول المطار. هي رحلة فقلت لأمتعهم بالمناظر الجميلة حول المطار. احتضنتني دليله، وكذلك فعل صالح والأولاد. دخلنا المنزل. حملت أثقالي من حزن واكتئاب.

ارتددت إلى نفسي. تركتهم حولي. حتى في لحظات الارتقاء لا بد وأن تصطدم ببعض الصخور. ماذا يا صالح؟ ألم يكن بمقدورك أن تنتظر لحظات؟ كانت لحظة اللقاء ستكون أروع! يوم وصلت من بير زيت إلى غزة كان اللقاء رائعاً، رغم ذلك الجفاء المكوم في الذاكرة لذيب وذيبه. دليله هي أختي، أختك الوحيدة. ما كنه هذا الاكتئاب الذي أخذ يتسلل إلى نفسك؟ الاكتئاب! أخذت الدموع تتساقط من عينيك أمامهم جميعاً. هذه الدموع! كم مرة تساقطت؟ انزعجت دليله وكذلك صالح.

- ما الذي يبكيك؟ سألتني.

- لا أدري!

- صالح هو قريبك!

- أعرف ذلك!

- إذاً لا تكتئب.

أخذت أعرض عليهم ما أحضرته لهم من سوريا. صندوق مملوء بالحلوى الشامية كما أوصتني دليله. من النوع الغالي. لكنه كله نوع واحد.

- طلبت من البائع أن يشكله لي.

قلت معتذراً في الأسبوع الثاني من وصولي.

- والله أنك تكذب يا أخي. قالت دليله.

يا للصورة التي تتشظى! أكذب؟ ولماذا؟ لا يا دليله والله أنني لا أكذب، هذا هو ما حدث بالضبط. تبهت الصور عندما تتعرض لأشعة الشمس. حتى أنت يا دليله تعاملينني بفوقية. أنت؟

- انظر إلى هذا المعطف الذي اشتراه لي صالح بثلاثمائة جنيه.

يا رب السماوات والأرض! معطف بثلاثمائة جنيه؟ لم أعلق، لكني عصرت عقلي كي أستوعب الموقف. لماذا؟ وهل ستشتري لغاده مثل ذاك المعطف بمثل هذا المبلغ من النقود؟

- أحمد الشاوي، هل تبيعني حذاءك القديم؟

- بعشر ليرات سورية.

- يا رجل بخمسة، فحذائي لم يعد يصلح لأن أذهب به إلى الجامعة.

- بعشرة.

- أسددها لك في وقت آخر.

- لا بأس.

وانتعلت حذاء الشاوي القديم نصف المهترئ. وأنت يا دليله معطف بثلاثمائة جنيه؟

- كان عليك أن تكون سعيداً لسعادة أختك!

عاتبتني لأنني لم أبد سعيداً بما قالته لي.

- دائماً تنحرف أفكاري لتلتقي وأفكار الفقراء!

- لكن الله أعطانا!

- فليزدك الله.

بدأت أعمل مع تاجر ليبي في اليوم الثالث لوصولي إلى طرابلس. كنت أتمنى أن يرسل لي النقود أخي أو ابن أخي، ولكن ليس من صالح. من أجل ذلك سالت دموعي عندما قابلتهم للمرة الأولى. رغم أن صالح لم يدفع مليماً من تكاليف رحلتي إلا أنني تمنيت أن تكون جيبي مملوءة بالنقود من عائلتي، من الهلالي الكبير مثلاً!

- دليله..

- تفضلي!

ودخلت جارة لهم تصحبها فتاة جميلة.

- أخوك يتعلم الإنجليزية في دمشق؟

- هذا صحيح.

- أريده أن يعلم ابنتي هذه اللغة!

الفتاة جميلة وصغيرة. جلست بجانبها في اليوم الأول، وفي الثاني كنت أترك اللغة الإنجليزية واتحدث معها. ثم بدأت أتحسس شعرها وجيدها. في اليوم الخامس لم تأت.

تسلمت رسالة من البدوي تفيد بأنني نجحت. إذاً أنا الآن في السنة الثالثة في كلية الآداب-قسم اللغة الإنجليزية. سعدت دليله لنجاحي وكذلك صالح. نجحت! متى؟ في الصف السادس الإبتدائي. كانت الإمتحانات تأتي من الوزارة، وهي عادة صعبة. نجحت نجاحاً باهراً، ربما كان ترتيبي الثالث أو الرابع على المدرسة كلها. أشاعت ذيبه أنني رسبت ونجح أبنها الذي كان في الصف الثاني الإبتدائي، وأخذت توزع الحلوى. صادفتني خالتي في طريقي إلى منزل أخي نايف. "هل حقاً رسبت؟" من قال هذا؟ سألتها. ذيبه وهي توزع الحلوى. لون البكاء صوتي وأنا أقول لها أنني نجحت وأنا الرابع على المدرسة كلها. أخذت تقبلني، ثم وزعت الحلوى قائلة إن يوسف الأول على المدرسة كلها. وأنا الآن الأول على الجامعة كلها! بدأت أتجول في شوارع طرابلس. كان يرافقني ابن أختي الذي بدأ يحبني وبدأت أحبه. لم يعجبني الدلال الزائد للأولاد. حدثت دليله بذلك. "لأنك محروم يا أخي، فأنت ترى معاملتي لهم دلالاً زائداً." ربما هذا صحيح، قلت لنفسي.

- سنخرج للعشاء على شاطئ البحر. قالت دليله.

- عندي عمل، ماذا لو ذهبنا غداً. قال صالح.

- يمكنك تأجيل عملك حتى الغد!

وهكذا كان. ذهبنا إلى الشاطئ. تناولنا السندويشات التي أعدتها دليله. كانت لذيذة. هي الحياة التي كنت أحلم بها وأنا أطوف مخيم جباليا حافياً. ورغم كل هذا إلا أن تصرف دليله مع صالح لم يعجبني.

- بودي أن تصفعها عندما تعاندك! قلت لصالح.

- ليست الأمور كما تظن؟ قال.

ومضت أيام وإذ بدليله تعاتبني لأنني قلت ما قلت لصالح. ذهلت من تصرفه. كيف تقول لدليله ما قلته لك يا صالح؟ سألت نفسي بدلاً من أن أسأله. لا زالت خفايا العلاقات الأسرية غريبة عني. ربما كان السبب أنني لم أنشأ في جو عائلي صحي.

- بدأت تحلل الأمور وحدك!

التفت حولي. لا يوجد أحد، فأنا فوق سطح العمارة التي تسكن فيها دليله. ربما كنت أفكر بصوت عال.

- نسيتني؟

- أنت؟

- ومن غيري؟

- كيف وصلت هنا؟

- لا تسأل عن أمور إن بدت لك تسئك!

- سمعت الهلالي وهو يقص عليك عدم ارتياحه من الوضع هناك!

- وهل له أن يعترض؟

- لا، ولكن له حق إبداء عدم الأرتياح.

- لقد نجح وأصبح في سنة ثالثة.

- قال لي الهلالي ذلك عندما تسلم رسالة البدوي.

نزلت بسرعة عندما سمعت أصواتاً عالية قادمة من منزل صالح. كانت خناقة بين صالح ودليله. لم أتدخل، بل أنني آثرت أن أغادر البيت. تذكرت خناقات ذيب وذيبه. لكنها كانت من نوع آخر. خرجت وأخذت أتجول في شوارع طرابلس. هجمت ذيبه وأمها على منزل ذاك الرجل الذي منعه الهلالي الكبير من الزواج بذيبه تريدان الفتك بزوجته وهي قريبة لهما. خرج الرجل مع زوجته وهجما على ذيبه وأمها. كانت الأولى تلبس عقداً من الذهب تطايرت أجزاؤه عندما أمسكتها زوجة الرجل منه. أخذت تبكي بصوت عال فالتم الجيران حولهم. كان ذيب يتوضأ. ترك وضوءه وخرج بنبوته وهجم على الرجل يريد أن يقسمه نصفين. هجمت معه. هرب الرجل. شتمه ذيب شتائم مقذعة. لم يفتح فمه. استدار إلى ذيبه وصفعها أمام الجميع.

- يا بنت الكلب ما الذي دعاك لمهاجمتهم؟

صمتت ثم توالت ركلاته وصفعاته لها. لم تتدخل أمها. هربت حتى لا تستلقي يده الثقيلة عليها. وفي البيت كانت العصي تنهال على ذيبه وتصرخ هي بكل قوتها، ولم يتركها إلا عندما هجمت خالاتي عليه لتخليصها مما هي فيه.

رأيت الناس يتجمعون أمام دار للسينما في طرابلس. ذهبت أستطلع الأمر. ندوة شعرية للشاعر مظفر النواب. سمعت من شعره الكثير وخاصة قصيدته عن القدس. دخلت حيث كانت الدعوة عامة. ظهر على المسرح. متوسط الطول أصلع ممتلئ الجسم. بدأ يلقي قصائده. أخذ يشتم المتخاذلين من العرب. طلب منه الجمهور أن يلقي قصيدته المشهورة عن القدس.

القدس..

آه..القدس..نار في القلب تحرق وتحترق . لا تنطفئ. صعد منك النبي الكريم إلى السماء. وحررك صلاح الدين واستلم مفاتيحك عمر بن الخطاب، وماذا فعلنا نحن بك؟ هل بعناك؟ كيف ضاعت؟ ضاعت القدس عاصمة العواصم. تذكرت فيروز وهي تشدو للقدس..

القدس عروس عروبتكم..

هي القلب! هي مقلة العين. هي نحن، ونحن هي. ضاعت فضعنا. حواريها القديمة تفوح منها رائحة التاريخ. باب العامود! كم تجولت في تلك المنطقة مع غاده وفاروق وعبد الكريم! أين أنتم يا رفاق العمر؟ هل ضاعت غاده كما ضاعت القدس؟

فلماذا تركتم كل زناة الأرض..

زناة الأرض وشياطينها! ذبحهم الغرب وألقى بجثثهم علينا. يريدون ذبحنا، بل فعلوا. ألا تذكر دير ياسين؟ هي فقط؟ وقبيه والسموع وغيرها وغيرها؟

ووقفتم خلف الأبواب تصرخون فيها أن تصمت صوناً للعرض..

أنظر إلى نفسك، فلسطيني من غزة! موبوء! خطر على الأمن القومي المثقوب! ثائر! تهدد سلامة الدولة! إصمت أيها المنكوب حتى نستعيدها لك. انتظر أنت فقط ولا تفعل. وهم لم يفعلوا ولن يفعلوا.

أولاد ... هل تسكت مغتصبة؟

هل تسكت؟ ماذا فعلت غاده بعد أن سجنت؟ حتى الآن لا أخبار منها! وإن أجبرها أهلها على الزواج من آخر لا تحبه، هل تعترض؟ وإن اعترضت، إلى متى يدوم اعتراضها؟ سترضخ للأمر الواقع، حتى وأن كانت كارهة.

القدس غزة دير سنيد دليله صالح ذيب ذيبه ومن حولك محيط لا بد أن تسبح فيه لا تنسى أم وسيم والثائر الذي فقد ألف دينار وأبو الرائد وأم على التي فقدت ولدها وتأفف أبو نضال عندما طالبت براتب ولدها الشهيد أسن أسن وأنت تغوص فيه والقدس عروس عروبتكم كما الشهداء هي في القلب تعيش وإن طال الزمن عندما تشرق الشمس سينسحق الأسن وتموت الجراثيم بفعل الحرارة متى يحدث هذا حتى أنت أصبحت جزءاً من هذا الأسن انتفض وما الفائدة من ذلك سيسحقونك كحشرة ضارة بل سيتآمرون عليك أين كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار أين أبو على إياد كلهم ذهبوا لأنهم كانوا يحاولون رفع غطاء الشمس يريدونها أن تشرق اصمت صوناً للشرف المنتهك اصمت واترك المهمة لنا أنتم لا تملكون الأدوات لتحريرها يا لنكبة الأمال إصمت أيها الملعون أصبحنا نحن اللعنة وهم البلسم ألا ترى ما يحدث الآن الكل يتسابق لنيل رضاهم ونستقبلهم استقبال الأبطال القتله أبطال

- لا تواصل! قال قريني.

- لماذا؟

- ستدخل في الزمن الحاضر!

- وماذا في ذلك؟

- له مكانه وأسلوبه!

صمت. عدت إلى بيت صالح ودليله. وجدتهم وكأن شيئاً لم يكن. يتحدثان برقة ويشربان القهوة. ابتسما عندما شاركتهم جلستهم. قدمت لي دليله فنجان قهوة، فأشعلت لفافة. قدمت لصالح واحدة. قبلها مني.

- لا تدخن يا صالح!

- لفافة واحدة لا ضرر منها.

- رائحتها كريهة!

أحضر نايف البازلاء الخضراء وهو مسرور. إنه ينفذ إحدى رغبات دليله. تريد أن تأكل البازلاء الخضراء. الله وحده يعلم كيف حصل نايف على النقود ليشتري ما اشترى! كان قد أحضر معه لفافة من التبغ الفاخر. قدمها لصالح بسعادة طاغية. وصالح هذا هو أخ زوجة نايف التي يحبها بلا حدود. بدأ صالح يدخن. هو ليس مدخناً، لكن التدخين عنده ترف زائد، أراد أن يلقي برماد اللفافة التي احترقت حتى الثلث الأخير. اعتقد نايف إنه سيلقي باللفافة.

- لا..لا تلقها!

- لن ألقيها.

- اعتقدت ذلك، فما زال فيها نفسان!

قدم صالح عقب اللفافة لنايف. دخنها يا رجل، قال نايف وقد تلقفت يده العقب وبدأ يسحب منه نفساً عميقاً، أتبعه بآخر حتى احترق فلتر اللفافة.

- أشكرك يا نايف. قالت دليله.

- أنت أختي الوحيدة!

ظن نايف إنها تشكره لأنه أحضر لها ما تمنت.

- أشكرك لأنك أخذت اللفافة من صالح فأنا أكره رائحة الدخان.

قذف صالح بعقب لفافته في فنجان القهوة الفارغ، وهكذا فعلت أنا. غضبت دليله، لكنها حصرت غضبها في تنهيدة مستنكرة. بعد الغداء ذهبت ودليله نشتري بعض الأشياء, أنفقت ما أخذته من التاجر الليبي الذي عملت معه بعد ثلاثة أيام من وصولي لطرابلس في شراء هدايا لأم وسيم وراضي وزوجته وبعض الأصدقاء. في المساء اصطحبني صالح إلى مكتب اللجنة الأسلامية لمساعدة الطلبة الفلسطينين. دخلت وحدي وتحدثت مع المسؤول. تعاطف معي ووعدني أن يقدم لي منحة دراسية. ولقد حصلت عليها عندما وصلت دمشق. في صباح اليوم الثاني ذهبت مع صالح ودليله إلى المطار.

غادرت طرابلس..

لم يكن انطباعي جيداً عن الرحلة. تغيرت مفاهيم كثيرة لدي. الأسن هو الأسن. دخلت مكتب منظمة التحرير في طرابلس. طلبت من موظف أصفر الوجه نحيل الجسم أن يمنحني توصية لتجديد إقامتي في ليبيا شهرين آخرين. رفض. ذهلت. كيف هذا؟ هي التعليمات، قال. ومن أصدر هذه التعليمات؟ سألت. أنت تسكت فقط وتنفذ ما يملى عليك. وأم علي والدة الشهيد؟ لتنتظر. صرخت فيه، فهاجمني. أمسكني صالح وخرجنا من المكتب. لحقني. وجدت زجاجة كوكاكولا فارغه، حملتها وهجمت عليه أريد تحطيم رأسه، وكنت فاعلها لولا أن منعني المارة وصالح.

غادرت طرابلس..

أخذت سيارة من مطار دمشق الدولي وذهبت إلى البيت. أدخلت المفتاح، تحرك ببطء. دخلت. أم وسيم تجلس أمام حجرتها. الساعة التاسعة صباحاً. الأولاد في المدارس. أخذتني بالأحضان. مضى وقت طويل وهي تتحسسني. أحضرت فنجانين من القهوة. جاورتها في جلستها وأخذنا ندخن.

- دقائق وسيكون الحمام جاهزاً.

أزلت كل أوساخ السفر عن جسدي. أمضيت وقتاً طويلاً أتلمس الزهور التي بدأت قطرات الندى تسبح فوق أوراقها. في المساء ذهبت إلى منزل أبي الهيثم. قضيت وقتاً طويلاً عندهم. تناولت طعام العشاء وذهبت إلى منزل البدوي.

- الوضع خطير. قال.

- ما وجه الخطورة؟

- هناك كلام عن الحرب!

9

سوق الحميدية في دمشق من الأسواق العريقة والقديمة. إن كنت غريباً في هذه المدينة الأموية وحاولت التسوق في هذا السوق، فستدفع أضعاف ثمن ما تشتريه. تجولت فيه طويلاً ثم قررت أن أعود إلى البيت. وجدت حافلة قديمة متجهة إلى باب مصلى، دخلت فيها ومن هناك سأركب حافلة أخرى إلى مخيم اليرموك. الساعة الثانية ظهراً سارت الحافلة في شارع ضيق حيث كل الشوارع في تلك المنطقة القديمة ضيقة. سارت الحافلة ببطء.

دخل الهلالي الكبير بيت جدي عبد الرحمن والد أمي. تبعه نايف وزوجته وقريب آخر لنا يريدون أن يعيدوا سعدى إلى منزلها. استقبلهم عبد الرحمن بوجه متجهم. قدم لهم القهوة وانتظر ما سيقوله الهلالي.

- علقت!

صاح راكب في حافلة أخرى تسير في الاتجاه المعاكس لحافلتنا. كانت الحافلتان متجاورتين. سمعت الصرخة، فانتفضت. هل حقاً أنهم انتفضوا ويريدون استرجاع ما أخذ منهم؟ ها هم يطبقون مقولة ناصر، ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وسعدى هل ستعود بالمفاوضات؟ ما كان عليك يا يوسف أن تضربها، قال جدي عبد الرحمن. ولكن يا أبا العبد هي أخطأت! نعم، ولكن الخطاْ لا يستحق كل هذا الضرب. وبعد كثير من المفاوضات الصعبة عادت سعدى إلى بيتها. تصالحت مع الهلالي. وصلت البيت والتصقت بالمذياع.

عبرت قواتنا قناة السويس يا لفرحة الآمال هل حقاً عبرنا حطمت القوات السورية خط الدفاع الأول وهي في طريقها إلى فلسطين يا للاسم المحفور في مقلة العين وسويداء القلب سنعود وسأتجول في شوارع دير سنيد وأصلي في القدس تحطم خط بارليف هيا كل سيناء وغزة وبعدها النقب وباقي المدن سنعود سنعود هذا هو الفعل وليس الكلام أمريكا تطلب وقف إطلاق النار وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب يا لوقاحتهم لا لن نقبل كل أرضنا وفلسطين هي أرضنا ليذهبوا هم من حيث أتوا ومن كان منهم في فلسطين قبل إعلان دولتهم فليكن مواطناً فلسطينياً له ما لنا وعليه ما علينا صعدت إلى سطح المنزل رافقتني أم وسيم والأولاد الدنيا مساءاً خط أبيض لطائرة إسرائيلية يقابله خط أبيض لصاورخ سوري يلتقيان معاً فترتسم صورة زاهية باللون الأحمر الفاقع تنير سماء دمشق دمشق شرف العرب والقاهرة تاريخهم ها نحن نعيد أمجاد صلاح الدين أين أنت يا عقبة يا بن نافع يا خالد يا بن الوليد ويحكم أحفادكم يقومون بالمهمة على أحسن وجه كم عدد الطائرات التي حطمناها حطمنا أربعين طائرة أو أكثر ويزداد العدد بمرور الوقت نحن نزحف ونتقدم وصلنا تل الفرس وطلائع قواتنا في الحمة وأنتم هناك في الممرات هيا تقدموا وأنت أما من دور لك إذهب إلى الجامعة ذهبت مئات الطلاب يتدافعون على مركز التدريب الذي تم أقامته في الجامعة ضابط من القوات السورية يعطي دروساً في كيفية استعمال المدفع المضاد للدبابات وهل سيصلون هنا أم ستأخذوننا إلى الجبهة هذا عمل غير صحيح أين أنت يا روحي يا فتوح يا رئيس اتحاد الطلبة الفلسطينيين ماذا في إمكاننا أن نفعل إلى لبنان سندخل فلسطين من هناك امسكني البدوي أنت غير مؤهل لأن تقاتل أبق هنا ربما يحتاجوننا لم أر دمشق بهذا النظام من قبل الناس تنتظم في طوابير حول المخابز الكل هادئ وسعيد بما يحدث نحن العرب يا عم تعرفنا عند الشدائد لقد فاجأناهم وسنسحقهم كما سحقونا من قبل المرة الأولى التي نحارب فيها لقد عادت سعدى إلى بيت الهلالي بالمفاوضات ولكن الوضع هنا مختلف عليك أن تحطم رأس الأفعى قبل أن تنتزع جلدها وها نحن نفعل في المساء ذهبت إلى منزل أبي الهيثم هل أنت في حاجة لأي شيء سألت أم الهيثم لا كل شيء موجود والحمد لله وأبو الهيثم هناك في الجبهة في لبنان أنت أنت يا أبا الهيثم أعرف معدنك الأصيل وصلابة إرادتك إذهب وكن أول الداخلين إلى فلسطين آه القدس يا عروسة المدائن أنت يا فيروز سلم فوك هي حقاً مدينة المدائن نحن في الطريق إليك فاهدأ يا صلاح الدين والله عملها السادات وكذلك فعلها الأسد الساعة الثانية ليلاً الأخبار مطمئنة تسللت إلى حجرتي لحظات ولحقت بي أم وسيم أنهم يحطمون عظامهم قالت وأنا سأحطم اليأس قلت لها واستلقيت بين أطياف الأمل أتحسسها وأذوب بين ثناياها هم هناك يقاتلون وأنت هنا تتقلب بين الآمال الزاهية انتعش كل شيء ألا تقاتل وقد كنت تتهمهم بالتخاذل عندما نملك الإرادة نفعل كل شيء قتل مندلر قائد الجبهة الجنوبية هذا هو الكلام الدبابات السورية على أطراف فلسطين وماذا حدث للجيش المصري كان من المفروض أن تكون كل سيناء معنا الآن ونكون في وسط النقب رويدك يا رجل هل أنت القائد أنا من يصنع الأمل ويتوه في أحلام اليقظة لا زلت يقظاً وهي كذلك جاورتني في السرير أضع يدي على مكمن العجائب الطائرات تتساقط كأوراق الخريف نحن في الطريق أدفع ودفعت تأوهت وتأوهت جولدا مائير إنها تبكي عبر الهاتف نكسون مملكة إسرائيل في طريقها إلى الزوال هذا ما تنتجه الغطرسة عادت سعدى لكنها لم تكلم الهلالي بقيت صامتة حتى أنها نامت بعيداً عنه يا سعدى ما مضى قد مضى تعالي إلى حيث أنا وما فعلته بي هل أنساه بهذه السهولة هجوم مضاد من قبل القوات الإسرائيلية يشقون طريقهم في القطاع الجنوبي بعرض كيلو متر واحد إنهم يتقدمون باتجاه دمشق يا لخيبة الآمال هناك خيانة قال أحدهم يا رجل صلي على محمد لو كان هناك خيانة لاكتشفوا خطة المعركة قبل أن تبدأ الجيش الإسرائيلي يطوق الجيش الثاني المصري يا رجل وحد الله أين سمعت هذه الأخبار في إذاعة لندن يا رجل وهل تصدقهم هل حقاً اخترقوا قناة السويس

- ضربنا إسرائيل على رأسها لكننا لم نجهز عليها! قال البدوي بأسى.

- لم نستغل مفاجأتنا لهم. قلت.

- أنقذتهم أمريكا.

- والسادات لن يحارب أمريكا كما قال!

- وهل سيحتلون القاهرة ودمشق كما يزعمون؟

- لا تكن متشائماً!

- طلائع الجيش العراقي وصلت دمشق!

- وصلوا متأخرين! أوتراهم ينقذون الموقف؟

هرب بعض الرفاق إلى حلب. بقيت في دمشق. لن أهرب وسأواجه قدري هنا. بدأت أسمع صوت انفجار القذائف. أنهم بالقرب من سعسع. خازوق دق ولن يخلع من شرم الشيخ إلى سعسع. يا للكارثة! هل ضاع الجهد الطويل في بناء قواتنا سدى؟ لا حرب ولا سلام! السادات وافق على وقف إطلاق النار، فأصبحت لا أنام! بدأت المفاوضات المباشرة بين الجنود المصريين والإسرائيليين. عندما ينقطع حبل المسبحة تتساقط حباتها بلا توقف! مستعد للذهاب إلى آخر الدنيا من أجل السلام، قال السادات. إلى آخر الدنيا يا سادات! أي سلام؟

- وصل طلبة من غزة إلى دمشق! قال رفيقي.

- حقاً؟

- وهل عرفت عني الهزل؟

- لا..

- إذاً لقد وصلوا!

دفعت قدميّ اللتين أصابهما الهزال إلى مكان تجمعهم يحدوني الأمل أن أجدها بينهم! وصلت إلى هناك. تجولت بينهم أتصفح الوجوه. لا أثر لها بينهم. ضاعت غاده كما ضاعت جباليا وقبلها دير سنيد والقدس. غاده أنت في مقلة العين كما القدس. بحثت عنها في مقلة عيني، كانت صورة لغاده. هل تزوجت؟ ربما! ضاعت غاده. كان الأمل أن أجدها بينهم. ضاعت.

- عبد العزيز.. صرخت.

- يوسف الهلالي! بالأحضان يا رجل.

يقصفك القدر بخيبة الآمال، يلقيك أرضاً. تصرخ من شدة الألم. ينتشلك أحدهم. تعود إلى حالتك الطبيعية. وها هو ذا عبد العزيز ينتشلني بعد أن تمرغ وجهي بتراب الخيبة والإحباط. هل يعلم عنها شيئاً. اسأله، قال رفيقي الذي تركني أحلق مع الأحلام عالياً. ربما تجدها، قال لي. كان يعرف أنها ليست هناك. كان يعلم! ارتخيت بين يدي عبد العزيز التلال. هو جار لنا، وصديق، لكنه ليس قريباً من النفس كما عبد الكريم وفاروق. شدني إليه بقوة، فاستعدت بعض قوتي ورباطة جأشي.

- اشتقت إليكم!

- ونحن كذلك.

انتحينا جانباً. أمسكت بدمعة نافرة من عينيّ. رأيت الدموع تتراقص في عينيه. جلسنا تحت شجرة مورقة. فاروق كان بجانبي وكانت أم كلثوم تشدو بشمس الأصيل. تحدثنا عن الحرب. خذلونا. قال. الكل محبط، وفوق الإحباط إحباط آخر. أنه يفاوضهم. ما الذي حدث للذات العربية؟

- كيف الأهل هناك؟

- كلهم بخير، وقد أرسلوا لك بعض الملابس.

- وكيف يوسف؟

تنهد، صمت. خفق قلبي بشدة. تطايرت أفكاري في كل الدروب الضيقة المعتمة. أنه ابن أخي الذي أحبه.

- هل تعلم أن هناك فيلم لعبد الحليم؟ قال يوسف الهلالي الأوسط.

- أوتريد أن تشاهده؟

- يا ليت!

قدمت له ليرة إسرائيلية، هي نصف ما أملك.

- يسعدك!

قال وتلقف الليرة بسعادة كادت أن تقفز من عينيه، بل هي حقاً قفزت. نحن في الفقر سواسية يا يوسف يا ابن أخي! لماذا أسماك أبوك يوسف؟ توفي يوسف الهلالي الكبير وهو يحلم بالعودة إلى أرضه وها هو ذا نايف يسمي ابنه يوسف تيمناً بالهلالي الكبير والهلالي الكبير نفسه أسماني يوسف. ويوسف قضى في السجن سنوات عدة بعد أن رفض بعناد إغراءات امرأة العزيز. ونحن ماذا نقاوم الآن؟ الفقر والحرمان.

- يوسف اعتقل؟

يا للوعة القلب الأبدية! من أين تأتيك الضربات؟ غاده ضاعت، هل حقاً ضاعت؟ حتى وإن تزوجت من آخر، فهي في القلب أبناؤها ومضات تحيي الأمل! لن أنساها! لن ننسى! الصليبيون استولوا على بيت المقدس ومكثوا فيه زمناً طويلاً، ثم حرره صلاح الدين. يا رجل! ذاك صلاح الدين! اليوم عندك..

- اصمت! قال رقيبي.

- لماذا؟

- إن قلت فروايتك محكوم عليها بالإعدام!

- لماذا؟

- إن ذكرت أياً من الأسماء، فأنت تشتم الدولة، والدولة شيء مقدس لا تلوكه الألسنة، إن فعلت، فأنت هالك لا محالة.

- سامحني!

- فقط تذكر ذلك!

حدثني الهلالي الأوسط عن برنامج فكاهي في التلفزيون الأمريكي. أحدهم يقلد ريغان وهو نائم في اجتماع لمجلس الوزراء الأمريكي. وآخر يحاكيه وهو يخطب في الأمة حيث كان شخص يجلس داخل الطاولة ويلقن ريغان الكلمات التي يجب أن يقولها، وعندما نسي الجملة الأخيرة، ظهر الرجل وقال بصوت مسموع "فليحفظ الله أمريكا،" ثم ردد ريغان العبارة كالببغاء. هذا هو ذا رئيس الدولة العظمى يكون مادة للفكاهة، وعندما سأله المذيع عن رأيه في البرنامج، قال أنه كان يضحك من قلبه. لم يغب الممثلان خلف الشمس.

- ها أنت ذا تعود مرة أخرى للمحذورات! قال تابعي.

- استميحك عذراً.

- ما تقوله الآن له موقع آخر في سيرة الهلالي.

- أبو زيد الهلالي؟!

- بدأت تخلط الأمور! أنه يوسف بن يوسف الهلالي.

- وهل هو قريب لأبي زيد الهلالي؟

- لقد لفت نظري إلى شيء مهم. سأسأله!

أرسلت للهلالي الصغير رسالة من سجني في رام الله مفادها أن اترك تلك المجموعة التي تصادقها الآن لأن فيها موبوءاً يتعامل مع الموساد. وصلته الرسالة. تركهم ومضى بعيداً في الانتقام من خداعهم له. انضم إلى مجموعة مقاتلة. وكانت عملياته العسكرية موجعة لهم. الصدفة وحدها هي التي كشفته.

- أين ذهبت؟

- بجانب الهلالي!

- أي منهم؟

- الأوسط.

- اتركه جانباً الآن. لقد رشحك لأن تقص قصته!

- أحتاج لأن أسمع منه.

- ستسمع.

- أين هو الآن؟

- يمضي حكماً بمدى الحياة في سجن نفحه!

الجمر ينتشر في أجزائك. مدى الحياة؟! ألم تقل أن عملياته كانت موجعة؟ تحمّل هو كل شيء. حاول إنقاذ رفاقه، لم يستطع. ضحى بكل شيء وتحمّل حكماً قاسياً. السجن المؤبد.

- أين ذهب الهلالي. سألني نديمي.

- لا زال مشدوهاً يجلس بجانب عبد العزيز.

- ألم يدعه للغداء؟

- فعل!

- وماذا فعل؟

طلب عبد العزيز من الهلالي أن يؤجل الدعوة لوقت آخر حتى يستقر في مكان ما. ودّعه الهلالي وحمل هديته ومضى. سار على قدميه مسافة طويلة. لا يشعر لا بالتعب ولا بحرارة الشمس القاتلة. يوسف الهلالي الأوسط يملأ عقله وقلبه. هو يحبه بصورة جنونية. هادئ وقليل الكلام. وعندما تم اعتقاله، لم يصدق أحد أن هذا الهلالي الأوسط والهادئ سار على خطى عمه، بل تفوق عليه.

- اتركه يتحدث عن نفسه!

- سأفعل.

انزويت في ركن من عقل الهلالي وأخذت أدون ما يدور فيه.

كيف تشعر صفيه؟ قلب الأم! كم تحملت؟ مات زوجها وهي في ريعان شبابها. تحملت الكثير. كانت تطمح أن يتزوجها ذيب، ولو فعل لقتلتهما ذيبه معاً! كم قاست المسكينة! كنت أذهب في الليل وأعطي صفيه مصروفها الشهري. قال لي ذيب ذات مرة عندما عاتبته لأنه لم يهتم بأبناء أخيه. وواقع الحال أنه كان يراقب البيت، ولم يقدم لها أي مليم. هكذا قالت لي صفيه عندما قلت لها ما قاله ذيب لي. صالح وإخوته هم والحق يقال من أنقذ صفيه من وضعها الصعب، وقبلهم كان أبوها يفعل هذا. لكم الله يا آل الحاج!

دخلت البيت. لا حركة فيه. أين ذهبت أم وسيم؟ دخلت حجرتي وتركت الباب مفتوحاً. أشعلت لفافة وجلست على حافة السرير. نفثت دخان لفافتي في الهواء. تابعته بعينيّ. اندثر في فضاء الحجرة. وغاده؟ لا لم تندثر! هي هناك. تزوجت! ربما، لكنها هناك وهي لا زالت في القلب كما القدس ودير سنيد وغزة.

اليوم الخميس، اجتماعي الأسبوعي مع التنظيم. ذهبت إلى منزل صلاح. حركة غير عادية في المنزل. ضغطت جرس الباب. خرج ذاك الطفل الصغير. صلاح في المكتب ويطلب منك أن تذهب إلى هناك. أسرعت إليه. وجدت كثيراً من الرفاق يدخنون اللفائف ووجوههم تنطق بكل ما هو جاد وخطر. شيء ما يحدث! ما هو؟ لا أدري. جلسنا في القاعة الرئيسة. صلاح منهمك في حديث مع رفيق آخر لم أره من قبل. الدخان والانتظار زادا من حدة توقعاتي. هنا شيء خطير يحدث. صمت الجميع. تعلقت العيون بذاك الذي يبدو ثورياً من طراز فريد. وقف أمامنا لحظات. يريد أن يضفي أهمية على ما سيقوله وظني أنه خطير.

- أيها الرفاق!

يريد الرجل أن يخطب فينا. فأول علامات الثورية هي الخطابة.

- لقد ضاقت صدورنا جميعاً بالممارسات غير الثورية لقيادة هذا التنظيم!

وماذا عن ممارستك وأنت جزء من هذا التنظيم؟

- الفساد في كل ركن من أركان ثورتنا!

الآن فقط علمت؟ وماذا كنت تفعل أنت؟ تقاوم الفساد؟!

- حاولت أن أتصدى لهذا التسيب التنظيمي المتشح بالفساد والديكتاتورية!

يا بطل الأبطال! رعاك الله!

- فشلت!

فشل مؤقت، وكان عليك أن تتحلى بنفس طويل!

- وعندما تفاقمت الأمور كان عليّ ومجموعة من الرفاق الشرفاء أن نتخذ القرار الصعب لاجتثاث هذا الفساد!

هل ستحاربون إسرائيل؟

- نعلن باسمكم مولد التنظيم الشعبي الثوري!

من فوضك أن تعلن باسمنا تنظيمك هذا؟ هو بلاغ رقم واحد من تلك التي اعتدنا عليها في فترة الستينات من هذا القرن. الكرسي هو السر! لا فساد ولا ديكتاتورية! هذه الملابس الأنيقة تحتاج إلى كرسي مريح، وأنت يا رفيق تبحث عن هذا الكرسي، وعندما سدت أمامك السبل إليه أعلنت الانفصال عن التنظيم الأم! تصاعد التصفيق من الجالسين. لم أصفق! تعابير وجهي، كما قال أحد رفاقي فيما بعد، كانت توحي بأنني ضد الانفصال. أنا بالفعل ضده. أنتم الباحثون عن المناصب لا علاقة لي بكم. لكم مقاعدكم الوثيرة حيث الأموال تتساقط بين أقدامكم وأنا لي أفكاري وأسني الذي أعيش فيه. غادرت القاعة. استوقفني صلاح.

- إلى أين يا رفيق يوسف؟

- لدي ما أعمله في البيت!

- نريدك لحراسة مقر الحركة الجديدة.

- هناك من الرفاق من يقوم بالمهمة عني.

غادرت القاعة بعد منتصف الليل. شهدت التشقق يسري ليس في جسد التنظيم فقط ، ولكن في نفسي. تشققت. انعدمت قدرتي على التفكير. كلهم رؤوس! رؤوس بصل أصابها العفن. عرفت لماذا تتراجع الثورة وتنتصر ثورات أخرى. يحارب الفساد وهو يخلق بؤراً جديدة له! أيها الموبوء! أنت كما هم. إذهب بحركتك إلى الجحيم. من يناضل يناضل حتى وسط الأسن. اندثر! اندثرت أنا! دخلت حجرتي. نمت، نمت بعمق، عمق المأساة.

اقترب منه، لا تخف! الغول. وحش من وحي الخيال. رأيته مجسداً أمامي. هناك من دفعني من الخلف لألتقي به وجهاً لوجه. ملامحمه كريهة، أسنانه بارزة. عيناه يتطاير منهما الشرر. توجست خيفة. حاولت أن ابتعد، لكن اليد الخفية أمسكت بي ودفعتني إلى الأمام. لا تخف! لن يفترسك! تماسكت ووقفت أمامه. هذا المخلوق الكريه يخيف الأطفال. أنت رجل. اقترب منه. اقتربت. كنت أحمل خنجراً في وسطي. رآه. اهتز جسده من الغضب. أحافظ على حياتي، قلت له. لم يتكلم. رفع إحدى يديه. برزت مخالبها. وكأنه يقول لي أستطيع أن أهشم رأسك بضربة واحدة، قلت لنفسي. تحسست يدي خنجري. إن فعلها سأطعنه في مقتل. سأفعل مهما كان الثمن. سكنت حركته. تجرأت عليه واقتربت. ما الذي تريده؟ سألني. أن لا تعترض سبيلي ولا تقترب من أولادي! قلت. لا تحاول الإقتراب من حياضي. ولكن هي لنا. كانت!

صحوت..

الساعة السابعة صباحاً. أزلت أوساخ الليلة الماضية بمياه ساخنة نقية. ارتديت ملابسي وغادرت البيت. على الباب سمعت سعالاً متواصلاً قادماً من حجرة أم وسيم. اللفائف الرخيصة تنفث سمومها في شرايين القلب، قلت لنفسي. وماذا عن شرايينك؟ هي مملوءة بالسموم منذ ولادتي. في موقف الحافلات بجانب سينما النجوم دخلت مطعماً متواضعاً. بدأت أتناول طعام إفطاري ببطء. الفساد والتسيب التنظيمي هما ما أجبرانا على أن نقوم بما نقوم به الآن. التشرذم يا شرذمة يهوى الكراسي!

- محمود!

- كيف الأحوال عندكم؟

- لقد حاربنا!

- لقد تحركتم حركة دائرية!

- ماذا تعني؟

- درتم حول أنفسكم!

- المهم أننا تحركنا!

- لو فاجئوكم هم لوصلتم السودان وربما بغداد!

يا محمود نحن في زمن هوالعلقم، هو الإهتراء، هو كل مرّ وحارق. أحسدك يا محمود لأنك تركت عالمنا ورحلت! أبناؤك! يتولاهم الله. لا تقلق يا رجل. ألق بأثقالك على الله. غرزت عينيّ في المقعد المجاور لمقعدي. اختفى. كان هنا منذ لحظة. محمود النجار. لقد اختفى. ربما تخيلته! لقد رأيته حقيقة! وهل يبعث الموتى الآن؟ يعود محمود عندما تعود دير سنيد والقدس وغاده و...

- أنت مسؤول التموين.

قلت للشاوي عندما دخلت منزلهم. كان قد أعد الشاي وبعض السندويشات الخفيفة. تناولت كأس الشاي واعتذرت عن السندويشات لأنني تناولت إفطاري. حضر البدوي الذي كان يستحم بملابسه الداخلية.

- هل رأيت عساقيل أبي قردان؟ قال الشاوي ضاحكاً.

- سريع كالغزال أنا بهذه العساقيل كما تسميها.

- تعلمت الهروب!

- لا..أنا لست كذلك!

- كلنا هربنا!

- لست مسؤولاً.

جارتهم امرأة شامية في الستينات من عمرها. دعتنا لنشرب فنجاناً من القهوة عندها. حضرت امرأة صغيرة السن تحمل وليدها بين ذراعيها. وضعته على المقعد بجانبنا. أخذ يبكي. وضعت في فمه قطعة حلوى ملفوفة بقطعة قماش نظيفة وناعمة حتى لا تسقط قطعة الحلوى في فمه. هدأ. نظر إليه الشاوي.

- يوسف!

- نعم!

- ماذا كانت تضع والدتك في فمك عندما كنت تبكي؟

- حجرة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش سميكة!

صمت..

- لم أكن أعرف أنك ابن نعمة! والدتي كانت تضع في فمي بعرة!

ذاك زمن مضى يا شاوي! كانت والدة البدوي تلقيه في بيت الشعر وتذهب لتجلب الماء. وكان البدوي يتمدد من كثرة البكاء، لذلك هو طويل ويحمل ساقين كساقي أبي قردان. عدنا إلى منزل الشاوي والبدوي. أخذنا نعد الطعام. حضر أبو الهيثم. رحبنا به. كان يقود سيارة جيب تابعة للمنظمة. تناول طعام الغداء معنا.

- كان عندي مبلغ من المال صرفته فيما يخدم المنظمة، لكني لم أحصل على وصل بالمبلغ، كان صعباً أن أطلب وصلاً ممن يمدني بالمعلومات. هل بإمكانكم أن توقعوا لي على هذه الإيصالات؟

فكرت في الأمر، لا أعرف عنه الكذب، وهو مسؤول في الاستخبارات الفلسطينية. وافقنا. وقعنا جميعاً على إيصالات باستلام مبالغ مالية من أبي الهيثم.

خرجنا معاً. جاورته في سيارته. في ساحة مخيم اليرموك صدم أبو الهيثم عربة مملوءة بالتوت. هو ليس سائقاً ماهراً. ذهبت إلى صاحب العربة وسألته إن كان يريد ثمناً للتوت المنتثر على الأرض. لا يا عمي! هذه ضريبة عليّ أيضاً أنا أن أدفعها، مع السلامة. سّر أبو الهيثم وذهبنا معاً إلى منزله.

وجدنا الثائر صاحب الألف دينار المفقودة وزوجته هناك، ومعهم ثائر آخر وزوجته. ذهبنا بسياراتهم إلى غوطة دمشق. الجمال والطبيعة الساحرة وأشجار المشمش والبرقوق والماء العذب والنسمات الخفيفة التي تهب بين الحين والآخر كانت كلها هناك. سكرت، سكرت، تهت، سرحت، تطايرت نفسي وتفرقت أفكاري

ذات طبيعة جبلية ساحرة هي أيضاً بير زيت ببساتينها الهادئة في فصل الصيف عندما تورق أشجار البرقوق والخوخ والمشمش تتسلل من بين الخضرة ألوان برتقالية وصفراء وحمراء ألوان الثمر الذي جادت به الأرض تلتقي هذه الألوان مع اللون البني للأرض الجبلية فتعطيك إحساساً بالهدوء وبعظمة الخالق كان نبينا محمد عليه الصلاة السلام يتعبد في غار حراء وهناك زاره جبريل وبلغه الرسالة الجبل هذا الشاهق كآمالنا ككرامتنا أين ذهبت هذه الآمال وتلك الكرامة كيف طاوعتنا عقولنا أن نتركها لهم بأي حق أي شيطان هذا الذي يستوطن النفوس الميتة هل بيعت هذه الأرض حطين أين هي وعين جالوت والكرامة فيها الكرامة لو سرنا على نفس الدرب لوصلنا طويل طويل هذا الطريق يبدأ بالنفس أولاً حتى الأغنام عندما تكون متراصة لا تقتحمها الذئاب ذئاب ذئاب وثعالب أرأيت كيف كان لهم عش من الجواسيس في أحراش عجلون وذاك الذي كان مسؤولاً عن بئر المياه في بيارة الباشا كان جاسوساً أمضى ردحاً من الزمن وهو يعرف بالاسم كل من يقترب من الحدود ونحن نلهو ونلهو ونبوح بأسرارنا كأنها نكات سخيفة ندلقها في الشارع لكل من يريد أن ينقل أخبارنا إليهم عفن عفن

- أشارك يوسف! قال أبو الهيثم.

- ونحن نقبل التحدي! قال الثائر.

بدأنا نلعب تلك اللعبة المسماة الطرنيب. هزمونا في الدور الأول.

- ها هو ذا الذي أردت أن ينقذك يخذلك. قال الثائر.

مهزوم وأخذل غيري أيضاً. الهزيمة تلاحقنا في كل مكان.

- هي نكسة وليست هزيمة! قال أبو الهيثم.

- سمها ما شئت، النتيجة واحدة.

- جولة في حرب طويلة. قلت.

وفي الدور الثاني هزمناهم. بدأنا نعد للدور الثالث والفاصل.

- الطعام جاهز. قالت أم الهيثم.

- فلنؤجله. قال الثائر.

أم وسيم أجلت عملنا لما بعد العشاء، وطال التأجيل. أحاط الضباب بيتنا كما حجب الضباب رؤية السادات عندما أجل سنة الحسم التي وعدنا بها. يومها كانت الحرب بين الهند وباكستان محتدمة وملأت الدنيا بالدخان والضباب. وزادت سنوات الجمر سنوات أخرى. أهال السادات آلاف الأطنان من الرماد على الجمر الملتهب، فخمدت ناره، لكنه بقي يلتهب!

- العشاء الآن! قالت أم الهيثم.

امتثلنا للأمر. تحت ضوء أحد المصابيح المنتثرة في شارع المطار أخذنا نتناول طعام العشاء. كل شيء يغري بأن تأكل أكثر من طاقتك. فعلت أنا ذلك. حضرت فناجين الشاي، فاشتعلت اللفائف. تطاير الدخان في فضاء لا حدود له.

- كان من المفروض أن نقضي عليهم. قال أبو الهيثم.

- المفروض شيء والواقع شيء آخر. قلت.

- كان في متناول أيدينا أن نفعل ذلك. قال الثائر.

- لم يكن الأمر بهذه السهولة! قال الثائر الآخر.

- أمدتهم أمريكا بكل سبل البقاء. قال الثائر.

- يا لهذه الأمريكا! قال أبو الهيثم.

- أليس بالإمكان فصل عرى هذه الصداقة بين أمريكا وإسرائيل؟ سألت.

- خاصة أن أرواحهم في أيدينا! قال الثائر.

- ولكنا نستلقي على مؤخراتنا احتراماً لهم. قال أبو الهيثم.

- هذه هي المشكلة. قلت.

نجحت. أصبحت الآن في السنة الرابعة. إجازة صيف طويلة. بحثت عن نقودي التي أرسلها لي أبن خالي من السعودية. لم أجدها. زارني زميل قديم. ذهبنا معاً لأشتري بعض الملابس حتى أقضي إجازتي في حلب أو اللاذقية. لم أشتر شيئاً. عاد معي إلى البيت وطلب مني أن أعد له فنجاناً من القهوة. فعلت. وعندما غادرني نمت. في الصباح لم أجد النقود. مبلغ كبير من المال. ذهبت مع الريح وذهبت خطتي في قضاء إجازة في حلب مع الريح أيضاً.

- هناك من يريدك! قالت أم وسيم.

خرجت. زوجة أحد أبناء غزة الذين تعرفت عليهم في دمشق.

- أبو عيد يريدك لأمر مهم.

ذهبت. وجدت الرجل يتألم بشدة.

- عسى ما شر!

- الآلام تقتلني وأخشى أن تكون هذه نهايتي.

- يا رجل وحد الله!

- أوتذهب لأخي في حلب وتستدعيه؟

تأتيك الطعنة من حيث لا تدري. فقدت نقودي وها هو أبو عيد يريدني أن أذهب إلى حلب. تململت ولم أتكلم.

- لا عليك من ناحية النقود!

- ليس القصد!

- أعطه العنوان يا أم عيد وما يحتاجه من نقود.

أبو فراس الحمداني، الروم، حلب وأنا على أبوابها. خرجت من الحافلة. خطوت خطوتي الأولى على أرضها. شارع صلاح الدين. أبو فراس الحمداني وصلاح الدين وأنا المهزوم الوحيد بينهم، أنا المحبط دائماً. عانى أبو فراس من ذلك أثناء سجنه. كان صلباً. ونحن ماذا حدث لصلابتنا؟ استبدلناها برخاوة فاجعة. سأذهب إلى آخر الدنيا من أجل السلام! قال السادات. سأذهب إلى آخر الدنيا لمحاربة الروم، قال أبو فراس. وأنا بينهم في منتصف الطريق. وصلاح الدين في طريقه إلى حطين. وأنا أنتظر ذلك الانتظار المر. المرارة والعلقم والاحتراق وأنا، متى ينصلح اعوجاجنا؟ متى؟

نزلت من السيارة التي أقلتني إلى شارع صلاح الدين. نظرت إلى الجانب الآخر من الطريق. رأيته، إبراهيم عوده. طويل القامة أبيض البشرة بجانبه امرأة قصيرة ملامحها دقيقة ويبدو أنها زوجته. كانت ملتصقة به ويدها تحتضن يده. أما الأخرى، فأصغر سناً، بيضاء شعرها طويل كذنب حصان ولها عينان زرقة مرج أبن عامر ارتسمت فيهما. تقدمت منهم. هو يعرفني. أخذني بالأحضان.

- أهلاً يوسف.

- محظوظ أنا إذ وجدتك هنا!

- هناء زوجتي، وقمر أخت زوجتي، وهذا يوسف صديق قديم، هو الآن طالب في الجامعة. أظنه في سنة رابعة.

نظرت إلى قمر خفية. أنها قمر بالفعل. ألقت هناء القبض على نظراتي وهي تتسلل إلى وجه قمر، ابتسمت. كانت ابتسامتها مشجعة. كنت سمعت عنها وعن أختها من أبي عيد. وواقع الحال أنها، أقصد قمر، أجمل مما وصفها أبو عيد. شعر منسدل حتى منتصف ظهرها. البحر كله استوطن عينيها. بيضاء البشرة. ملامحها دقيقة وجميلة. ابتسمت عندما صافحتها.

- ماذا تدرس في الجامعة يا يوسف؟ سألتني هناء.

- في قسم اللغة الإنجليزية.

- كنت أبحث عن مدرس إنجليزي، وها أنت ذا تأتي وحدك!

- لكنني مدرس صعب، وطالبتي يجب أن تكون مجتهدة!

- وأنا كذلك!

- إذاً اتفقنا.

أخذنا سيارة لنذهب إلى بيت أهل هناء. ما أسرع ما اتفقنا، قلت لنفسي. لو أن العرب يتفقون بهذه السهولة، لحررنا فلسطين منذ زمن. لكنهم يتفقون على عدم الاتفاق. كلهم يخشى الآخر! لماذا؟ وصلنا المنزل. دخلنا. عائلة فلسطينية هي نموذج للعائلة الناجحة في المنفي. امرأة عجوز وقورة ورجل عجوز يضاهي امرأته سناً ووقاراً، وهناك شاب نحيف لكنه أنيق، عرفت فيما بعد أنه يعاني من مرض في القلب. تعلّم أفراد الأسرة في سوريا، فحصلوا على شهادات جامعية راقية. هناء مديرة مدرسة إعدادية من مدارس الوكالة، وقمر مدرسة هناك ولهم أخ آخر موظف مرموق في مركز الوكالة في دمشق.

- يوسف قريب إبراهيم. قدمتني هناء لأهلها.

سعدت بلقائهم. استحوذت هناء على أحاسيسي بلباقتها وحسن ضيافتها. أما قمر فتعلقت بضوئها المنبعث من عينيها. كنت أراقبها وهي تتراقص في المنزل كنحلة بين الأزهار. رشيقة وأنيقة، فازدادت جمالاً. انتهزت فرصة كان الجميع فيها مشغولاً فقلت لإبراهيم أنني حضرت بناء على رغبة أخيك المريض. أهتز في البداية، ثم تمالك نفسه.

- ما به؟ سألني.

- مرض شديد لا أعرفه.

- سنذهب إليه غداً إن شاء الله.

قدمت هناء وقمر لنا الطعام، ولقد كان طعاماً لذيذاً يدل على ذوق رفيع من قبل من أعده.

- قمر في السنة الرابعة-قسم جغرافيا في جامعة بيروت العربية.

- هي أهل لما هي فيه.

- ماذا تعني؟ قالت قمر.

- هو يمدحك! قالت هناء.

- أريد أن أسمعها منه.

الجمال الصارخ هو عكس الجمال الهادئ. غاده..تلك السمراء ذات الجمال الهادئ، فقدتها. هناك أمل ضئيل في استردادها. لكنها في القلب. قلت هذا من قبل! قال رفيقي. الآن أنت في حلب، وبجوار هذا الجمال الصارخ. ما رأيك فيه؟ يأسرني الجمال غير المدعي. وها هو ذا أمامك. أحضرت كتابها الإنجليزي وجلست بجانبي. كنت بجانب غاده عندما قابلتها أول مرة. غرقت في رائحة عطرها وتبللت ملابسي بفعل الرذاذ المتساقط من غيمتها. وأنا الآن أغرق في رائحة عطر رائعة. بدأت أقرأ لها. هي تنفث عطرها على جسدي كله. سكرت برائحتها العطرة وبأنفاسها الدافئة. تشعر وأنت في بيتهم وكأنك تعرفهم منذ زمن مضى. استولت عليّ. أعشق الجمال بأنواعه كما أعشق الرقي. ربما لأنني أمضيت عمري كله بين الكثبان الرملية في جباليا وبيت لاهيا.

ها أنت ذا تجلس بجانب سيف الدولة وأبي فراس الحمداني والقمر. هذا القمر تحدثه وتسمع منه. تلقفت نظرات أبي فراس الحمداني المشجعة بامتنان. قاومت رغبة في أن أحتضن أصابع يدها بين يدي. غاده..آه! لم أتردد. كانت تذوب أصابعها في راحة يدي. لكني فقدتها، ليس عن طيب خاطر. تآمر الجنود والقدر ضدي ففقدتها وترددي أكد ضياعها. قمر بديل عنها. لا.. صرخت! ليست بديلا عنها، ولا بديل عنها! غاده لي وإن طال الزمن! سأراها ولو عن بعد! أملأ رئتيّ بهواء استنشقته هي، وبعبير يفوح من غيمتها التي توشك على إسقاط عطرها. غاده لي..لي ولو تباعدت المسافات!

عدنا إلى البيت. رافقتنا قمر. منزل عصري وجميل ذلك الذي يسكن فيه إبراهيم وهناء. أنه ملكهم كما قالا لي. وأنا ماذا أملك؟ أمل يتضخم كل يوم وإحباط يلتصق بأفكاري أكثر وأكثر. وقبس من نور كثيراً ما يخبو!

- غداً عندما تتخرج وتتوظف، ستشتري منزلاً أجمل منه! قالت هناء.

هل هي دعوة لأن أقدم على ما أفكر فيه؟ قمر جميلة وجمالها صارخ وأنت تعشق الجمال بكل أشكاله. بدأنا نشرب القهوة في حديقة صغيرة خلف البيت. الجو خريفي رائع. "ترى! لماذا أعشق الخريف من فصول السنة؟" سألت نفسي. نسماته الباردة تسكر الروح الهائمة. وأنا المالك الأبدي لتلك الروح. سكرت وسكرت معها.

- من أين يا يوسف؟ سألتني قمر.

أنها تحدثني بخصوصية الآن، تسألني مباشرة.

- طبعاً من غزة.

- وهل تعرف إبراهيم من هناك؟

- لا..عرفته في دمشق.

- ووالداك، أين هما الآن؟

- في رحاب الله!

- ماذا؟

- في رحاب الله!

- منذ متى؟

- منذ أن تساقطت أسماؤنا من على خارطة الدنيا وتناسانا التاريخ، أو نسينا نحن تاريخنا!

- هل أنت شاعر؟

- أنا لست بشاعر، لكني مغامر فقد مجدافيه فاتكأ على قارعة الطريق ينثر أفكاره ومأساته على أوراق صفراء مهترئة ويبحث عمن يقرأه!

- خزان من الأفكار الحزينة أنت يا يوسف! قال القمر.

- ممتلئ؟ هل هناك كلمة في اللغة تعطي معنى أبعد لهذه الكلمة؟ أنا أفيض بمشاعر جياشة حرقتها اللوعة والحرمان.

- أنت! من أنت؟

- أنا يوسف بن يوسف الهلالي الذي ظلمه القدر والتاريخ وذيبه وذيب!

- أنت عشرة في واحد!

- بل أنا أضعاف ذلك!

- أيها المسكين!

- يا جميلتي كلنا مساكين! منذ اللحظة التي التجأنا فيها إلى الآخرين ونحن مساكين.

- عمّ تتحدثان؟ سألت هناء.

- عن الزمن والتاريخ والقدر.

- وماذا عن المستقبل؟

- لا وجود له في وجود من لا يؤمن به.

- تفلسف الأشياء!

- أبعديني عن الفلسفة، لقد قاسيت منها الكثير!

ودار الحديث في مواضيع وأماكن شتى. تناولنا طعام العشاء، ولقد كان خفيفاً ولطيفاً. دخنت كماً من اللفائف ليس بالقليل. لم تعلق لا هناء ولا قمر على كم اللفائف التي دخنتها. استأذنت قمر وخرجت في طريقها إلى بيتها، ودعتها على أمل أن أزورهم في المستقبل القريب. أحضرت هناء فناجين القهوة، فأخذت أدخن من جديد.

- هذا القمر! قلت.

- أوأعجبك؟

- ومن لا يعجب به يكون بلا إحساس!

- زرنا مرة أخرى وستطفئ ظمأ الروح بمصادقتها، أقصد بمصادقته.

- هذا وعد.

في الصباح غادرت وإبراهيم حلب في طريقنا إلى دمشق. ودع هناء وداعاً حاراً، وودعت أنا أبا فراس الحمداني وسيف الدولة وداعاً خجولاً واعداً بأن أعود وأنا أحمل تراثهما وأهتدي به. كنت أعرف أنه وعد صعب، لكني سأحاول. اصطحبني إبراهيم إلى محطة الحافلات. لحظات وكنا في داخل إحداها في طريقنا إلى دمشق، إلى حيث الانبعاث من جديد.

- قمر هذه القمر! قلت له.

- هل تود خطبتها؟

- لا أعرف!

- بإمكاني أن أساعدك.

- أكون شاكراً.

وصلنا منزل أبي عيد. كان يتقلب على فراشه من الألم. دخلنا حجرته. رآنا. أخذ يبكي ويثرثر بكلمات فهمت منها أنه عاتب على أخيه لأنه تأخر. اعتذر بأنني وصلت متأخراً. وفي الصباح الباكر أسرعنا إليه. نقله إلى المستشفى وغادرتهم أنا بعد أن اطمأننت أنه لا خطر على حياته.

- سأراك قريباً في حلب. قال إبراهيم.

- إلى اللقاء.

10

زاحمت الغيوم الشمس، فحجبت كثيراً من أشعتها. أحاط الضباب بالقرية ذات الخضرة المترامية الأطراف، فانبثق منظر مريح للعين يشعر به كل ذي مشاعر خفاقة. صحا الهلالي الكبير من نومه. نقل نظراته في محيط حجرته. لم يجدها! نهض. اغتسل وصلى الفجر. ذهب إليها. مستغرقة في النوم. تأملها. دقيقة الملامح، نحاسية البشرة ذات عينين سوداوين جميلتين. تلك هي سعدى التي لا زالت متباعدة عنه. سرت في عروقه رعشة مملوءة بمشاعر لا يدري كنهها، أنها من ذاك النوع الذي يصعب وصفه. أبقى على نفسه واقفاً بجانبها يتأملها. آه يا سعدى لو تعرفين كم أحبك؟ حبي هذا يفجر جنوني عندما أراك تفعلين ما فعلت مع أخيك. ثقتي بك بلا حدود، لكني أرفض أن ينافسني في حبك حتى أخوك! جلس بجانبها وأبقى عينيه تتأملان هذا الجمال النائم. لازالت هي نائمة. بدأت رموشها تتراقص فوق عينيها. لمحها الهلالي، فعرف أنها توشك أن تستيقظ. حاول الانسحاب حتى لا تراه جالساً بجانبها. الحب هو معادلة متكافئة بين طرفين، ولكني الأقوى، وعليّ أن أبدو كذلك. قال لنفسه. وقبل أن ينهض، كانت سعدى قد حررت عينيها من جفونها المغلقة. تأملته وهو بجانبها. انفجر حبها له. تحب رجولته وأخلاقه شهامته وكرمه عدله وجنونه فقره وعزة نفسه وسامته وقوة شكيمته حنانه وغضبه الثائر هدوءه وثورات غضبه، تحب فيه الرجل، وهو رجل.

- صباح الخير يا يوسف.

- صباح الخير يا سعدى.

- هل مكثت طويلاً بجانبي؟

سؤال أود أن أكذب في إجابته. مكثت العمر كله بجانبك! حتى وأن ابتعدت ، فأنت دائماً في القلب-وفلسطين دائماً في القلب وفي مقلة العين-أحبك يا سعدى ذلك الحب الأزلي الذي لا انفكاك منه، وما ضربي لك إلا انعكاس لهذا الحب المجنون! أحبك يا سعدى يا فلسطين!

- ما الذي تفعله؟ قال رقيبي.

- وماذا أفعل؟

- لماذا تدخل فلسطين وبخط كبير في سرد سيرة الهلالي؟

- أصدقك القول، وهذا سر لا تبح به لأحد، لقد قفزت في عقل الهلالي ووجدت أن فلسطين تستوطنه بل أنها تسري في ذرات جسده، لذلك قررت أن أبرز هذا العشق الأزلي في سيرته.

- يا رجل! أنت لا تتعلم! قال لك الهلالي أن لا تنحرف عن سيرته واترك سبر أغواره بين الحين والآخر! اتركه ينثر مأساته على العالم لعل ضميره يصحو!

- هيهات! الضمائر الميتة يصعب إحياؤها مرة أخرى!

- عد إليه حتى لا ينفذ صبره!

قال الهلالي الكبير: نعم!

نهضت من فراشها. رافقها الهلالي خارج الحجرة. ذهبت هي لتغتسل وتتوضأ، وذهب هو يعد قهوة الصباح، القهوة العربية اللذيذة التي يعشقها.

خريف دير سنيد رائع. ويكون أكثر روعة في نهايته عندما يتداخل فصلا الشتاء والخريف معاً. تتسلل البرودة إلى المنازل الطينية فتشتعل النيران في المواقد المصنوعة من الطين وتخفف من وقع النسمات الباردة على الأجساد الهادئة. ومع ذلك كانت البرودة في ذاك الصباح محتملة تدغدغ المشاعر وتثير الأحاسيس. حمل الهلالي قهوته وفراشه وخرج. جلس تحت شجرة التوت العتيقة. تدثر بعباءته العتيقة أيضاً وأخذ يوقد النار في الموقد العتيق. لحقت به سعدى بأكواب الحليب الطازجة. جلست بجانبه. احتسيا الحليب مع بعض الخبز الذي حمصه الهلالي على النار. بدأ يرتشف قهوته ويسحب أنفاساً متتالية من أرجيلته التي أعدتها له سعدى. مين أسعد مني مين، أنا في علم ولاّ حلم؟ قال الهلالي.

صحوت مبكراً. اليوم هو الجمعة، يوم العطلة الأسبوعية. وجدت ذيبه توقد النار أمام حجرتها. درت حولها. لم تكلمني. مدت لي بنصف رغيف غير محمص. تلقفته، فأنا جائع. كنت أود أن تعطيني من ذاك الخبز الذي تحمصه على النار. افطر. قالت. وماذا أفطر؟ قطعة خبز! بدأت أقضم قطعاً صغيرة منها، ألوكها طويلاً حتى استمتع بطعمها. حضر ذيب من العمل. كان يعمل في الوردية الليلة مع قوات الطوارئ. صحا الأولاد كلهم. جلسوا حول مائدة لا أعرف ما بها.

- أين يوسف؟ سأل ذيب.

- رفض أن ينتظر وتناول طعام إفطاره وحده. قالت ذيبه كاذبة.

كنت في حجرتي أستمع لهم. انتابتني قشعريرة شديدة. تكذب ذيبه ويصدقها ذيب وأتعذب أنا وتسوء نفسيتي، بل وتتشوه. أخذوا يتناولون الطعام وأنا أسمع الصوت الصادر من أفواههم وهم يلوكون قطع الخبز المحمص. صرخت على سعدى والهلالي الكبير بصوت مكتوم. تسللت الدموع من عينيّ بلا استئذان. تركتهم يتمتعون بما يأكلون وخرجت.

جلست بين الرفاق في كافتيريا كلية الآداب. كان بينهم الشاوي والبدوي وشحته الطويل ورجل بملابس عسكرية أراه للمرة الأولى. سألتهم إن كان أي منهم يريد كأساُ من الشاي. البدوي فقط هو الذي طلب مني أن أحضر له كأساً. أحضرت ثلاث كؤوس: واحدة للبدوي والثانية للذي يرتدي الزي العسكري، أظنه كان ضابطاُ برتبة عقيد، والثالثة لي.

- أشكرك. قال.

- أنت ضيفنا.

قدمني البدوي له وقدمه لي. سامي الخطيب فلسطيني من الضفة الغربية ويعمل مع منظمة التحرير. هذا جندي محترف، أتراه واحداً من أولئك الذين هربوا سنة 1967؟ قلت لنفسي، ومع ذلك ارتحت له.

- هل تعلم أن فاروق هنا؟ سألني البدوي.

ذهلت. تفتت ذاتي ذرات تطايرت في دهاليز الذكرى. كان يصعب عليّ لملمتها. صمت عدة دقائق غائباً عن الوعي وعن الحياة. أوتعود أيام الماضي؟ لا..لا تعود، ولكن فاروق يعود! وعبد الكريم؟ وغاده؟ وجباليا؟ ودير سنيد؟ و..و..و..و.........

- هل أنت جاد؟

- اسأل هذا الرجل. وأشار لصاحب الزي العسكري.

- يا حضرة العقيد، هل حقاً أن فاروق هنا؟

- أوتعرفه؟

- أعرفه؟ هو توأم روحي! أين أجده؟

- سأدلك عليه غداً!

- غداً؟ وهل تعتقد أنني من الممكن أن أنتظر هذا الغداً؟ أرجوك الآن!

- الآن؟ نحن نجلس مع الرفاق!

- الآن لو سمحت!

- خذه إليه، إنه صديق عمره. قال البدوي.

- فلننتظر عدة دقائق، بعدها نذهب معاً. قال العقيد.

أمضيت عمري كله في انتظار شيء ما. لا ليس غودو! وهذا العقيد ذو الزي العسكري الأنيق والنجوم التي تلمع على كتفيه يطلب مني مزيداُ من الانتظار. وفاروق ينتظر! لكن ما الذي أتى به إلى هنا؟ تحترق ذرات دمائي من هذا الانتظار الذي فرضه عليّ العقيد. أريد أن التقي وماضيّ. هذا الماضي الذي يعذبني. أنا أعيش فيه. حاضري ومستقبلي يسكنان ماضيّ. محكوم أنا به. بساتين الفاكهة في بيت لاهيا، وبيارات البرتقال في بيت حانون، وكثبان الرمل في جباليا، كلها أماكن ترتبط الروح بها. أما انتهيت يا سيادة العقيد؟ ماضيّ كله في تلك البقعة التي يقطنها فاروق. الأول الابتدائي ومادة الحساب والأستاذ محمد.

-يوسف، أنت الأول على الفصل وفاروق الثاني. قال الأستاذ محمد.

- والله أنه غير عادل! قال فاروق.

- لماذا؟ ورفعت صوتي حتى يسمعني الأستاذ.

- أنا أحق منك بالمركز الأول.

- وأنا أحق منك به. قلت ورفعت صوتي أكثر.

- لماذا تتكلمان؟ سألنا الأستاذ محمد.

- فاروق يعترض على ترتيبه ويقول أنك غير عادل.

لماذا قلت ما قلت؟ لا أعرف. الصداقة انحراف عن العلاقات العادية الرتيبة، وفاروق أكثر من صديق. بالتأكيد أردت من الأستاذ محمد أن يعاقبه. هل لتثبت لنفسك أنك الأول عن جدارة؟ فاروق صديق الروح تعّرضه لمثل هذا الموقف السخيف؟ أين صداقتك إذاً؟

- تعال هنا يا فاروق! افتح يدك.

وأخذ يضربه بشدة. لا تقل مثل هذا الكلام مرة أخرى. جن جنون فاروق، وأخذ يتوعدني بالانتقام. وفي الفسحة كنت ألهو مع الآخرين بجوعي وإحباطي، وأذ بفاروق يدفعني بشدة على الأرض. وقعت. نظرت إليه من الوضع منبطحاً. نهضت. تشابكت معه بالأيدي. أظنه انتصر عليّ. وفي صباح اليوم الثاني انتظرني على باب المدرسة. وصلته. لم أنظر إليه. لقد عقدت العزم على ألا أكلمه.

- تريد أن تتمتع بمنظري وأنا أضرب؟

لم أتكلم.

- لقد استمتعت بتأوهاتي وهو يضربني؟

ضحكت.

- ألم أقل لك؟

تعانقنا.

الجبال الشاهقة لا تهزها نسمات الريح العابرة. وصداقتنا متينة وشامخة شموخ جبال الهمالايا. والشايب، هذا اللقب الذي أطلقه فاروق على عبد الكريم، حيث كان هذا الأخير يتمتع بشعر كثيف لكن بقعة بيضاء من الشعر تلون شعره فاحم السواد. هذا الصديق الذي اتحدت روحه مع روحينا، أين هو؟ فاروق يعرف عنه بالتأكيد.

- يكفي هذا الانتظار. قلت للعقيد.

- هل يمكن أن نؤجل اللقاء ليوم غد؟

- والله إن لم تأخذني إليه الآن لأدورن في كل أزقة دمشق مشياً على الأقدام باحثاً عنه. أنت لا تعرف ما بيني وبين فاروق!

- إذاً هيا.

ألقيت جسدي المتهالك على المقعد بجانب العقيد. لم تكن لي رغبة في الكلام. نظر هو إليّ فعرف رغبتي، أحترمها. لم يتكلم. قاد سيارته في أماكن أعرفها، لكني نسيت اسمها الآن. أظنه كان في طريقه إلى مركز قيادة قوات الصاعقة الفلسطينية. انتظرت ذاك الانتظار الأبدي.

فاروق وعبد الكريم وأنا. في أحد أيام الاحتلال الأولى ذهبنا إلى بيت حانون، لا تسألني لماذا! لقد ذهبنا وهذا يكفي. كانت تنقصنا غاده. لم أكن قد تعرفت عليها بعد. دخلنا بستان برتقال بجانبه بستان آخر مغروس بأشجار المشمش والتفاح واللوز. قفزت أنا أولاً فوق السياج وأذ بي في البستان الآخر. تبعني فاروق. وبقي عبد الكريم ينتظر.

- جبان "دمره" حائر ومتردد. قال فاروق ضاحكاً.

تشجع عبد الكريم. لم يحتمل اللقب. جبان؟ هذا ما لا أقبله. قال وقذف بجسده فوق السياج. وقع وسطه. امتلأ جسده بالأشواك. حررناه مما هو فيه، وأخذنا نقتلع الشوك من جسده. دقائق وعاد كما كان. أخذ يشاركنا غزوتنا لهذا البستان!

- هل يعجبك هذا يا سليط اللسان؟ لم أعد جباناً الآن؟

قال عبد الكريم بغضب. ضحكنا منه ومن غضبه وأخذنا نستمتع بالفاكهة اللذيذة.

- أين ذهبت؟ سألني العقيد.

- مع فاروق وعبد الكريم في بيت لاهيا وبيت حانون.

- أنه في دمشق الآن!

آخر مرة شاهدته فيها كان في حجرة التحقيق عندما جمعنا رجال المخابرات الإسرائيلية في زنزانة نظيفة. أرادوا أن يعرفوا مقدار العلاقة بيننا. لم نتعانق. لكنه غمزني بعينه ألا أتكلم ولم أتكلم. لم أكن في حاجة لغمزة عينه فأنا أعرف ما يريدون.

قال فاروق إن أثنين من رجال مخابراتهم توليا تعذيبي. يضربني أحدهما لكمة فأرتد إلى الآخر الذي يعاجلني بلكمة أخرى فأرتد للأول. ووسط لهوهما بجسدي المنهك سدد أحدهما لي لكمة قوية، سقطت على أرض الزنزانة قبل أن تصطدم قبضته بوجهي فاصطدمت بوجه رجل المخابرات الآخر. طار جنونهما وأخذا يضربانني بشدة حتى أنني ندمت على تلك الحركة.

فاروق..

قفزت من السيارة قبل أن تتوقف. وقعت على وجهي، لكني نهضت بسرعة. رآني فاروق، فقفز عن مقعده الذي كان يجلس عليه أمام مقر قيادة قوات الصاعقة. في لحظة كنا نتعانق عناقاً صهرنا نحن الاثنين في واحد. ذهل العقيد من حرارة اللقاء. وقف أمام سيارته يراقبنا ويراقب الدموع التي بدأت تنزلق من العيون الأربعة. أبعدته عني للحظات. نظرت في عينيه. حمراء مغرورقة بالدموع. مكثت لحظات أنظر إليه ثم ضممته إلى صدري. فاروق يا كل الماضي والحاضر يا عمر العمر! فاروق يا صديق العمر!

- لم أكن أعرف أنكما على هذه الدرجة من الصداقة! قال العقيد.

خرج كثير من الرفاق من المبنى. كانت ضجة لقاءنا شديدة. أخذ الجميع يراقبوننا ونحن نسير تحتضن ذراع كل منا ذراع الآخر.

- يوسف! كنت أعرف أنك هنا، وكنت على يقين من أنني سألتقيك.

- كنت تائهاً يا فاروق، وها أنت ذا تشاركني تيهي.

- أنت التائه الأبدي!

نجحت وتخرجت من الجامعة. كان فاروق وصلاح النسر يرافقاني في ممر كلية الآداب-صلاح هذا كان رفيق فاروق في القاهرة وعندما طردتهم السلطات المصرية ترافقا هنا في دمشق-قرأنا أسماء الناجحين، كنت من بينهم، وكان البدوي والشاوي أيضاً من ضمن الناجحين. ها أنا ذا أتخرج من الجامعة. ماذا سأفعل الآن؟ لا أدري! جلسنا في كافتيريا الكلية. أخذنا نشرب الشاي وندخن. مرت جمانه. باسقة كشجرة كينياء.

- هذه هي الفتاة التي حدثتك عنها يا فاروق.

- جمانه..جمانه! صرخ بأعلى صوته.

- يا مجنون! اصمت!

- جمانه!

التفتت. رأتنا. تابعت سيرها. لحقها فاروق.

- لماذا تخذلين الهلالي يا حلوة الحلوات؟ قال لها.

- قلت له!

- وماذا قلت له؟

- هو يعرف، وأرجوك اتركني.

اقترب منها أكثر. عمق نظراته في وجهها.

- جمالك رائع يا فتاة!

- ووقاحتك شديدة يا رجل.

- عندك كل الحق أن تخذلي هذا الدميم الذي يدعى الهلالي، ولكن ما رأيك في هذا الوسيم الواقف أمامك؟

سمعته. أخذت أضحك. يا قبيح الأفكار والجرأة! أنت كما أنت، لم تتغير. قلت لنفسي. التقت جمانه وغاده وفتاة أخرى.

- كل هذا الجمال في دمشق! الله! قال فاروق.

ذهبت إليه. أمسكته من ذراعه وأبعدته عنهم.

- اعذروه، فلم ير هذا الجمال من قبل. لقد حضر حديثاً من حقول بيت لاهيا.

نظروا إلينا وتابعوا سيرهم دون تعليق.

- ماذا ستفعل الآن أيها الهلالي الضال؟

- لا أدري.

- هل تريد أن تسافر إلى الخارج؟

- عندي عمل أريد أن أنجزه أولاً، بعدها أقرر.

دخل فاروق وصلاح النسر والبدوي والشاوي حجرتي. كنت قد طلبت من أم وسيم أن تعد لنا غداءً يليق بالمناسبة. حدثتها عن فاروق ومدى علاقتي به. لم تبخل هي علينا بألذ الأطعمة والحلويات.

- متزوج أنت أيها الدميم؟ قال فاروق.

- وعنده ولد! قال البدوي.

- اسكت أنت يا أبا قردان. قلت.

- لماذا تنكر؟ قال الشاوي.

- هو الفحل الوحيد بينكم. قال صلاح النسر.

- آه لو تراه وهو يعب كؤوس الراح! قال البدوي.

قال فاروق:

اشترينا زجاجة نبيذ من النوع الرخيص وحضّرنا عشاءً فاخراً بمعاييرنا. أتت غانية جميلة وأخذنا نأكل ونشرب ونطارحها الغرام. وفي منتصف الليل، تسلق النسر النافذة وأخذ يغني ثم أقسم بأغلظ الأيمان أنه سيلقي بنفسه من النافذة حتى يضع حداً لحياة الضياع هذه التي يعيشها. يا نسر، صحت عليه. لا لن أنزل، وسألقي بنفسي وسط هذا الشارع. يا رجل لا تكن مجنوناً، والدتك تنتظرك. قلت له. تكذب. تعال الغانية تنتظرك. عندها صاح النسر: لبيك يا غانية الأنس، يا غانية أبي نواس. وقفز إلى أرض الحجرة وألقى بجسده فوقها. مكث معها زمناً طويلاً كنت خلاله أدرس مادة كان امتحاني فيها غداً.

قال البدوي عندما يدلق الهلالي الكأس في جوفه، لا يذكر إلا والدته سعدى ووالده الهلالي. يصرخ باسميهما ويطلب منهما أن ينقذاه من ذيب وذيبه.

- لقد تركهما خلفه. قال فاروق.

- هما في ثنايا عقله. قال البدوي.

- مسكين هذا الهلالي، مسكون بالهم، ولن يجد الهم مكاناً أفضل منه ليسكنه.

أحضرت زجاجة عرق زحلاوي وزجاجتي بيرة سورية. أخذنا نعب منهما باستمتاع. شرب البدوي أكثر منا، وأخذ يهذي. دق المهباش يا حميد، مرت عالقوم خياله. دق الصاروخ يا هليل، وخلي الرصاص يلعلع! يا هلالي عم في بحر من العرق والبيرة! لقد أصبحت سباحاً ماهراً. شحته أدلق هذا الكأس في جوفي!

قال فاروق:

هذه دمشق العرب ترحب بكم تعبون فيها كؤوس الراح وتدرسون ولتحيى فلسطين يا عرب فلسطين تنتهك يضاجعها كل سافل عابر سبيل ونحن نتعامى عنها يا فلسطين لبيك جينا وجينالك يا فلسطين جد عليّ بكأس يا أبا قردان لبيك يا فاروق يا ملك السفالة يا حامل كل وقاحة العرب في لسانك يا هلالي لا تبخل علينا لا بالشراب ولا بالطعام ولا تنسى اللفائف فاليوم هو عيد اللقاء وبيت لاهيا يا فاروق وعبد الكريم وغاده دع عنك هؤلاء الآن واستمتع بما وهبك الله من نعم يا سكارى العالم كله تعاطفوا معنا فنحن الذين نسيهم العالم وتذكرهم السكارى هيا إلى أرض الميعاد يا شعب الله المختار أنك لست مختاراً مختار بيت لاهيا كان عميلاً وقتله المخاتير يا مختارون هيه غداً تنتحرون هيه يا مختارون أرض الميعاد من ذا الذي وعدكم بها ونحن أي أرض لنا يا شعب الله المختار أتذكرون عندما أمركم الله بعدم الصيد يوم السبت ماذا فعلتم حفرتم الخنادق حتى تمتلئ بالسمك يا مختارون وتحتفلون بالتي قتلت نبي الله يا مختارون وتمارسون ساديتكم على شعب أعزل يا مختارون هيه

أخذ فاروق يرقص وشاركه البدوي. أخذ الشاوي يدق على صينية الشاي. وتتابعت فقرات حفلنا الساهر الكبير بمناسبة حصول الفريق الفلسطيني لكرة القدم على المركز الأول في مباريات كأس العالم!

قال فاروق:

- سنسهر حتى الصباح.

قال البدوي:

- والصباح الذي يلي الصباح.

قال الشاوي:

- فليسقط النوم.

قال النسر:

- جد علينا يا هلالي بكؤوس الهوى‍.

قال فاروق:

- بكؤوس الراح يا حمار.

- قال النسر:

- بكؤوس الزفت أيها الوقح.

قال الهلالي:

- رويدكم لا ترفعوا أصواتكم.

قال فاروق:

- هل طوقوا المخيم؟‍

قال الهلالي:

- أين ذهبت؟

قال البدوي:

- أحدهم بالباب.

- قال الشاوي:

- قل لهم لا سلاح لدينا‍!

فتحت الباب وأذ بعبد العزيز واقفاً أمامي.

- أين أنت يا رجل. لقد انتظرناك طويلاً. هيا شاركنا احتفالنا.

قال فاروق:

- إلى بيت لاهيا ومخيم جباليا.

لقد طوق جيش الدفاع الإسرائيلي مخيمكم. التزموا بيوتكم. ونحن نلتزمها منذ اليوم الذي فقدنا فيه حرية الكلام. ممنوع التجول من الساعة السادسة مساءً حتى الرابعة فجراً. ونحن لا نتجول أصلاً، فكيف تطلب منا أن نمتنع عن أشياء نحن أصلاً منعنا أنفسنا منها طواعيةً. اليوم كلنا مطوقون من الداخل ومن الخارج. حضرت فناجين القهوة السادة واشتعلت اللفائف. حرائق في كل مكان. لا يصلح أن تبقى الأمور هكذا. إشعلوها في كل مكان وماذا بقي من الوطن؟ البقاء لله كلنا سنفنى ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الإكرام والإجلال بيت لاهيا ترحب بكم وجباليا ترقص على وقع أقدامكم. أي منها؟ الهاربة أم القادمة؟ لا فرق، كلها حركة. أيها النائمون، استيقظوا. دعوا كؤوس الراح تملأ خلايا عقولكم.

- إحضرها‍‍. قال فاروق.

- إقفل فمك يا فاروق! قلت له.

- قلت لك إحضرها!

- أيها المأفون لقد سكرت!

- ألم تسكر أنت؟!

تدخل البدوي. تناول يد فاروق وأخذا يدبكان الدبكة الفلسطينية. اشتركنا جميعاً. أهو عرس؟ عرس تحرير فلسطين؟ لا نريدها الآن. دع ذرات العرق تتسرب إلى خلايا جسدك كلها وانس كل ترهات التحرير والعودة. عد إلى ذاتك أولاً ثم بعدها تعود! لقد قالها ناجي العلي، "يا طالب الدبس من قفا النمس!" ونحن نطلب الدولة ممن يوردنا قعر المهالك! عد إلى ذاتك أولاً!

قال فاروق:

خرجت من السجن بعد ثلاثة شهور، تعلمت أثناءها الكثير. زاد إدراكي لنوعية العمل الذي سأقوم به. وعلى مدى سنة من الزمان قمت بعمليات عسكرية أربكتهم. وظفت كل قدراتي الفكرية والجسدية في ذاك العمل. وعندما ذهبت إلى مصر، حملت تقريراً كاملاً عن كل عملياتنا على صدري. لماذا يا فاروق فعلت ذلك؟ كان من الأفضل أن تحفظ التقرير على أن تحمله. وغاده يا فاروق؟ ماذا حدث لها؟ رأيتها يا هلالي. جفت مياه غيمتها. ذبلت الوردة اليانعة. تفتتت أفكارها. كانت تعرف ما تقوم به. صمدت لصدمات الزمن. حصلت على شهادتها وتوظفت مدّرسة في مخيم جباليا. أختها مديرة مدرسة. أرخت شعرها على كتفيها وتخلصت من تلك الغيمة التي كانت فوق جبينها. قالت: لن يرى هذه الغيمة أحد غير الهلالي. قابلتها مرة أخرى. جفت كشجرة انقطعت عنها المياه.

- أما من أخبار عن يوسف؟ سألتني.

- لا زال في السجن.

- هل قدم للمحاكمة؟

-لا، لم يعترف بشيء.

-هو رجل! أنا أعرفه!

- وماذا عنك يا غاده؟

- سأنتظره وإن طال انتظاري.

وطال انتظارها. التقاها عبد الكريم. آزر انتظارها وشدّ من أزرها. هو عائد لا محالة! قال لها. سأنتظره مهما طال الزمن. قالت. وطال انتظارها! وعندما علمت أنك أبعدت إلى الأردن، قابلتها. يتشظى الزمن يا فاروق، ومعه تتشظى آمالي. أوتراه يعود؟ صعب! قلت. ممكن في دورية فدائية. ويوسف الهلالي هذا مغامر صعب المراس، إن طرقت الفكرة رأسه، فهو لا بد أن ينفذها. وبدأت المسكينة تنتظر انتظار غودو. تقدم لها كثير من الرجال، رفضتهم جميعاً. ابن عم لها مصمم على أن يرتبط بها. اشتكت لي. ما باليد حيلة. قلت لها. تركتها وهي تقاسي. أن ترفض ما باليد وتنتظر المجهول أو توافق، هذا صعب التنبؤ به. ولكني أظن أن والدها سيجبرها على القبول. كلمتهم عنك، لكنك تأخرت في العودة. وما كان في إمكاني أن أكتب لذيب عنها. أخيراً كتبت لزوجة أبن أخي المدّرسة معها. قالت أن غاده على وشك أن تتزوج. ألم تكلميها؟ سألتها. لا. كيف أطلب ممن طلبت أن تنتظر من يطلبها وعودته مشكوك فيها؟ قالت: انتظر وربما يجود عليك الزمن بمن هي مثل غاده! وهل على المقيد بالزمن والمقذوف بالأقدام أن يملك حرية الانتظار؟ هذا أولاً، وثانياً هل هناك من تضاهي غاده؟ لا مثيل لها بين نساء الأرض كلها. أنا لا أبالغ! هل بإمكانك أن تستبدل وطنك مهما كان ظلمه لك؟ فما بالك إن كان هذا الوطن يقدم لك كل ما تتمناه؟! هذا الزمن ليس زمننا! إنه زمن آخر، سلّم زمام أمره لغيرنا! قلت لها. قالت: ستعود حتماً وتلتقي بها حتى وإن كانت في عصمة آخر! وماذا يفيد مثل هذا اللقاء؟ قلت لها. عدم اللقاء أفضل من اللقاء المشروخ! هي لنا! هي كلها! حتى وإن طال الزمن.

قال فاروق: هذه هي حلب. من هنا مرّ أبو فراس الحمداني، وهنا كان قصر سيف الدولة. يا ابن عمي أريدك أن تكون عضدي ويدي اليمنى في مقارعتنا للروم، قال سيف الدولة. وأنا ما جئت إلا لأكون كما تريدني أن أكون.

قال الهلالي: ذاك زمن مضى يا فاروق، والآن يقولون يا أبناء عمومتنا ما أردناكم إلا أن تكونوا حراساً لحدودنا التي هي ليست حدودنا! وهم يقولون سمعاً وطاعةً، ما جلسنا على مقاعدنا الوثيرة إلا لنكون كما تريدوننا أن نكون. فقط إغرقونا بالمال والحسان ونحن سنسحق كل معتد زنيم يريد الاقتراب من حدود أولاد عمنا المساكين الذين قضوا فترة طويلة وهم في التيه مشردون. وهكذا كان.

نزلنا في فندق متواضع في حلب. عارض فاروق فكرة مرت كالسحاب في رأسي أن نذهب معاً إلى منزل إبراهيم. سنمضي بقية اليوم هنا وفي المساء تذهب وحدك وتستطلع الأمر. إن كانت هناك موافقة، حضرت معك في مساء اليوم الثاني. دخلنا حجرتنا في الفندق. أخذت حماماً ساخناً وغيرت ملابسي وجلست وفاروق في شرفة الفندق نرتشف القهوة وندخن اللفائف.

- ما هي أخبار عبد الكريم؟

- في جامعة القاهرة يدرس الهندسة الميكانيكية.

- في أي سنة هو؟

- السنة القادمة هي الأخيرة.

- وماذا ستفعل أنت يا فاروق الآن؟

- سأذهب إلى المجر لأحصل على الدكتوراه كما وعدوني هنا في دمشق.

- والوطن؟

- كلنا ننتظر!

ولم يدم انتظاري طويلاً. تركت فاروق وهو في طريقه لأن يغفو وذهبت أنا إلى منزل إبراهيم. كانت لحظة الغروب عندما انحرفت من شارع صلاح الدين إلى شارع جانبي في نهايته يقع المنزل. ضغطت جرس الباب. فتحت لي هناء. فوجئت. أهلاً يوسف. قالت. كنت أحمل باقة ورد اشتريتها وأنا في طريقي إلى منزلهم. بعد عدة خطوات تربع القمر في وسط المنزل. كانت ابتسامة رقيقة ترتسم على وجه القمر، فتألق وكأنه مزدان بآلاف النجوم. قدمت لها باقة الورد. قبلتها شاكرة. جلسنا في حديقة البيت الخلفية نشهد اللحظات الأخيرة لرحيل الشمس. غابت كما غبنا نحن عن الوطن! أيدوم غيابها؟ بالتأكيد لا! ستشرق من جديد. تحدثنا في كل شيء وعن كل شيء. لم تكن أجابتها قاطعة. مترددة هي. هذا هو العقل الذي غرسوه فينا! تناولنا طعام العشاء. اقترح إبراهيم أن أوصل قمر إلى منزلها وأنا في طريقي إلى فندقي. وافقت. خرجنا معاً.

- هذا هو شارع العشاق.

- أسمه الحقيقي؟

- هكذا أسموه الذين يحبون!

- وأنا أسميه شارع قمر.

- ماذا عن هلال القمر؟!

- رائع!

وصلنا بيتهم الذي لا يبعد كثيراً عن بيت إبراهيم. دعتني قمر للدخول. ترددت. ما لهذا التردد لا يفارق قراراتنا؟ قلت لنفسي. دخلت. والدها الوقور وأمها الهادئة كانا في انتظارها. تأخرت يا قمر. قال والدها. لقد تعشينا معاً عند إبراهيم وهناء وأوصلني الهلالي. قدموا لي فنجاناً من القهوة شربته ودخنت لفافة.

- ألا تتوقف عن التدخين؟ قالت قمر.

- إحدى متع الحياة القليلة التي بقيت لدي.

- غداً ستكون حياتك أكثر متعة!

- عندما يأتي هذا الغد سأقرر!

غادرتهم بعد أن أمضيت ساعة من الزمن مجاوراً للقمر، أحدثه وأسمع منه. كانت لها شروط رفضتها في قرارة نفسي. أحد هذه الشروط للارتباط بها كان عليّ أن أغير تاريخ ميلادي. يا لسخافة هذا الشرط! قلت لنفسي. عميقاً في داخلها تشعر أنها أكبر مني! وماذا في ذلك؟ قلت لنفسي. تركتهم وذهبت إلى فاروق في فندقنا. وجدته جالساً في نفس الشرفة يدخن. هو مدخن شره أيضاً.

- سبع أم ضبع؟

- أحياناً تتفوق الضباع على السباع!

- إذاً أنت ضبع كاسر!

- لا، ليس كذلك.

حدثته عن شروطها. لا داعي لأن نذهب إليهم غداً. سنتجول في حلب ثم نغادر في المساء إلى دمشق.

قال فاروق:

أتذكر صباح، تلك الفتاة التي خضنا من أجلها كثيراً من المعارك؟ أذكرها يا فاروق وأذكر جمالها الهادئ الذي في جانب منه يحاكي جمال غاده. لقد رضخت أخيراً لنداءاتي المتكررة، وتصادقنا. أحببتها حباً شديداً. ذهبنا معاً إلى القاهرة. قبلت هي في كلية الآداب، وأنا في العلوم السياسة. وبيت لاهيا يا فاروق؟ استشهد فاروق رشيد! أذكره! أحد المرشحين لصداقتي. كان بطلاً، ومحمود أبو ديه، استشهد أيضاً. يا للرفاق الذي رووا بدمائهم أرضنا! ما كان علينا أن نغادر الأرض! أجبرت على الرحيل! كنت أظن أنني سأعود كمقاتل، ولكن قتلني أولئك الذين يتسلقون المقاعد العالية ويخزنون الذهب والفضة. ما أكثر ما اخترقت تنظيماتنا!

قال فاروق:

في القاهرة تنقلت من تنظيم إلى آخر حتى حط رحالي في قوات الصاعقة الفلسطينية. وبعد أن أوقف السادات الحرب تذمرنا. أبعدتنا السلطات المصرية إلى دمشق. وأنا أبعدت إلى عمان. يريدونها فارغة من كل ذي نبض وحس وطنيين.

- أين ذهبتما؟ صاح صلاح النسر عندما رآنا على مدخل البناية.

- في مهمة نصف فاشلة. قلت.

- بل نصف ناجحة. قال فاروق.

- كان عليكما أن تعلماني عنها!

- ألا تعلم فضيلة الكتمان؟

- ليس عليّ.

تناولنا طعام الإفطار معاً. جلسنا أمام البناية ندخن ونشرب الشاي.

- هل ستبقى في ذلك البيت يا هلالي؟ سألني فاروق.

- لا أعرف.

- أما زال التردد يستوطن منبع القرارات لديك؟

- وماذا أفعل؟

- غداً سننقل أشياءك إلى هنا وتعيش معنا حتى تقرر ما تريد!

ذهبت إلى البيت. أدخلت المفتاح في الباب. دخل ببطء. دخلت. كانت أم وسيم خارجة من حجرتها. رأتني. جاورتني. أين كنت؟ اتجهت إليها. أمسكتها. الأولاد في البيت، قالت. دخلت حجرتي. دقائق وحضرت فناجين الشاي. أخذنا ندخن. حضر راضي وزوجته. جلسنا معاً أمام الحجرة. لحظات ثم استأذنت لأنام. نمت.

قذفني بشدة داخل البئر. تعلقت بجذر شجرة ضخمة بجانبه. أصبحت معلقاً في منتصفه. نظرت إلى أسفل. عميقة هذه البئر! لا زالت قواي تساعدني على التماسك. زادت نبضات قلبي لدى لمعان فكرة في رأسي بأنني سأسقط إلى قاع البئر. سمعت فحيحاً صادراً عن ثعبان ضخم. ارتجفت من الخوف. حاولت تسلق البئر إلى أعلى. أمسكت بحجر بارز في الجدار. يدي اليمنى تمسك بالحجر واليسرى تمسك بالجذر. تقدم فأر ضخم باتجاه الجذر. أخذ يقضمه. وفي لحظة انفلتت يدي منه فتعلقت بيد واحدة على الجدار. تحسسته. أمسكت بحجر آخر. خارت قواي. أيقنت أني هالك لا محالة. تلك اليد الخفية التي كثيراً ما أنقذتني دفعتني من مؤخرتي إلى أعلى. أصبحت على حافة البئر. دفعة أخرى وكنت استظل بظل الشجرة التي أنقذني جذرها من الهلاك. سعدى بجانبي والهلالي الكبير قادم من بعيد يحمل أرجيلته ودلة القهوة السادة في طريقه إلينا.

- ماذا تفعل يا يوسف؟ سألتني سعدى.

ألقيت نظرة على وجهها. مشرق ينطق بالسعادة. ألقيت بنفسي بين ذراعيها. ارتحت. تدفقت دموعي. بكيت بحرارة. لماذا تركتني يا سعدى؟ يا أمي الحبيبة! بكيت بصمت. سالت دموعي على وجهها. أخذت رأسي بين يديها. أوتبكي يا مقلة عيني؟ أنت يا سعدى لا تدرين ماذا فعلت بي! أنني أسبح في بحر هائج من الأحزان. خرقة بالية بين أكوام من الزبالة أنا يا سعدى! آه لو بقيت بجانبي يا سعدى. كثيرة هي الأشياء التي كانت ستتغير! ارتحت على صدرها. تسربت الكآبة من عينيّ، احتوتها. يا روح الروح أنت يا يوسف. لم يكن باستطاعتي أن أبقى بجانبك. حضر الهلالي تلقفني من بين يديها. يا ولدي! ماذا فعل بك الزمن؟ كما ترى يا هلالي يا كبير! وسط الدبابير أسير. تركتماني أعاني. لا تبتئس يا بني، فإن الله معك! كيف يا أبي وأنا بلا دليل في هذه الحياة التي لا ترحم؟ يا أبي أما في الإمكان أن أنتقل إليكما؟ تنهدت سعدى! وتحامل الهلالي على ذاته. انتظر يا ولدي فلا بد أن الله سيفرجها عليك!

صحوت على صوت الباب وهو يفتح. منتصف الليل أو قبله بقليل. أم وسيم في قميص نوم من النوع الغالي الذي يسارع دوران الدم في جسدك! أذهلني جمالها. توقف جسدي عن الاهتزاز. ما بك؟ سألتني. رأيت الهلالي وسعدى بجانبي. أنت تحلم. قالت. ليته حلم يطول أو يتحول إلى حقيقة! نهضت. لم أقترب منها. ذهبت إلى الحمام. اغتسلت. رجعت. وجدتها تجلس على حافة السرير. وقفت عندما كنت في منتصف الحجرة. تلقفتها بين ذراعي. تداخلنا معاً. ذهبنا إلى السرير. تدلت حبات الفراولة الحمراء الندية. مددت يدي أقطفها واحدة واحدة. تذوقتها. لذيذة الطعم، لا تضاهي لذتها فاكهة أخرى. كانت تقترب مني فتغمرني رائحتها الرائعة. انتشي. أذوب بين ثناياها. اندثر في أنفاسها. طرقات على الباب. نهضت. لملمت نفسي. خرجت. حاولت أن أبدو نائماً. فتح الباب.

- أين كنت؟ سألها.

ترددت. أظنها كانت ترتجف. صمتت لحظات.

- سمعت صوتاً قادماً من هذا الاتجاه، فذهبت استطلع الأمر.

- بملابس النوم؟

- وماذا في ذلك؟

اقترب من حجرتي. كنت قد ارتديت ملابسي ونمت. فتح الباب. أشعل الضوء. أبقيت على نفسي في السرير مغمضاً عينيّ. اقترب مني. لا زلت أتظاهر بالنوم.

- أنت، يوسف!

لم أرد عليه. تناومت.

- يوسف.

فتحت عينيّ ببطء، فركتهما.

- نعم.

- هل أنت نائم؟

- وماذا تراني أفعل؟

- أريد أن أتحدث معك!

نهضت أمامه. كنت لابساً بيجامتي. اقترب مني. أظنه تنسم رائحة العطر الذي كانت أم وسيم قد سكبته على كل أجزاء جسدي. كنت التهمت كثيراً من حبات الفراولة الفاقعة الاحمرار. خرج. خرجت خلفه واغتسلت. كانت أم وسيم قد ذهبت إلى حجرتها. أظنها ذهبت أولاً إلى الحمام واغتسلت حتى تزيل ما علق بها من أوراق شجرة الفراولة. جلسنا معاً أمام الحجرة. حضرت أم وسيم تحمل فناجين القهوة. قدمت له لفافة. قبلها. إذاً لم تصل الأمور حد العداء. قلت لنفسي.

- يوسف!

- مصغ إليك أنا.

- أريد أن أحدثك في أمر أرجو ألا تحمله أكثر مما يحتمل.

- تحت أمرك.

- هل بإمكانك أن تجد لك بيتاً آخر تسكنه؟

- بكل تأكيد. فقط أمهلني يوماً أو أثنين لأجد منزلاً لائقاً.

- معك أسبوع.

- ولماذا تريده أن يرحل؟ سألت أم وسيم بالتياع.

- لأتخلص من القلق الذي أنا فيه!

- قلقك هذا أبدي!

- ويوسف يزيدني قلقاً.

استأذنت وذهبت إلى حجرتي لأتابع نومي. حاولت أن أضع رأسي على المخدة. جافاني النوم. لا زلت أتمتع بما قذفته في فمي من تلك الفاكهة التي لم ولن أجد لها مثيلاً لا في لذتها ولا في طراوتها.

- أنت تحرجني بما تفعله!

- كفى يا أم وسيم ما أسمعه من كلام.

- ما سمعته كله كذب، والرجل محترم!

- أعرف ذلك، ولكن هذا يكفي!

ودار حديث بينهما سمعت قليلاً منه وفاتني الكثير. نمت نوماً عميقاً. لم أصح إلا الساعة التاسعة صباحاً. نهضت واغتسلت. بدلت ملابسي وكنت على وشك أن أغادر حجرتي عندما استوقفتني.

- لا تبتئس. قالت لي.

- كنت سأسافر إلى القاهرة على أي حال.

- ابحث عن منزل آخر وسأنتظرك كل ليلة هنا.

- لا بأس!

خرجت. ذهبت إلى فاروق وصلاح.

11

قال الحاج عبد الرحمن:

الوضع يا يوسف لا يطمئن. زارني اليوم ضابط إنجليزي صديق لأخي عبد العزيز. شرب الشاي معنا. رأى أكوام الحجارة والأسمنت. سألني عما أنوي أن أفعله. قلت له بأنني سأشيد منزلاً جديداً. نصحني ألا أبنيه. قلت له يا رجل المنزل القديم ضاق بأفراد العائلة ولا بد من بناء آخر. أصّر على ألا أبنيه. وعندما سألته عن السبب، لم يجب. غادرنا وقال لي يا عبد الرحمن أنصحك بأن لا تضع نقودك في شيء لن تملكه في المستقبل! وأصدقك القول يا يوسف بأن الفأر لعب في عبي كما يقولون. ماذا يعني هذا الضابط الإنجليزي بحق السماء؟ أوتراه يعلم بما يدبر لنا؟ اليهود في مستوطنتهم القريبة ينشطون ليلاً نهاراً في عمل شيء أجهله.

قال يوسف الهلالي:

يا عبد الرحمن قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا. أنت قد نويت أن تبني البيت، فابنه، واليهود لن يطردونا من أرضنا. الجيوش العربية لن تسمح لهم بذلك! ولا تنس بأن الجيش المصري ليس بعيداً عنا!

حضرت سعدى بأكواب الشاي وصحناً مملوءً بالتين الذي جمعه نايف من البستان. لا زالت شجرة التوت مورقة تنشر ظلالها على مساحة واسعة من الأرض. استظلوا جميعاً تحتها. بدت الأرض كعروس في ليلة زفافها. كأنها تجملت في انتظار عريسها! نظر الهلالي إلى أرضه وتمتم بكلمات غير مفهومة. استوضحه نسيبه عبد الرحمن عما يقول.

- هذه الأرض هي أنا وأنا هي ولن أسمح لأي كان بأن يستولي عليها.

- وماذا تملك يا يوسف لتدافع عنها؟ حتى بندقيتك القديمة هذه ستتوقف عن العمل بمجرد أن تطلق الطلقة الأولى!

- ولكن هل يعملونها؟

حضر عيسى الهلالي الذي لم يكن على وفاق مع الهلالي الكبير. سلم عليهم وقدمت له سعدى فنجاناً من الشاي. فتل عيسى شاربه وأخذ يشرب الشاي بتلذذ. استمتع بالجلسة. نظر إلى الهلالي. التقت عيونهما. تعانقت طويلاً.

- يا عم يوسف الوضع غير مطمئن. يبدو أنهم سيخرجوننا من هذه الأرض ويستولون عليها. هكذا قال لي العسكري الإنجليزي في المعسكر الذي أعمل فيه.

صمت الجميع. انتشر القلق في كل مكان. ورغم تحذير الضابط الإنجليزي لعبد الرحمن، إلا أنه بدأ في بناء منزله. وتابع الهلالي عمله في أرضه. وفي ظهر أحد الأيام حضرت سعدى إلى الحقل مع ابنها ذيب. كانت تحمل طعام الغداء للهلالي الكبير. جلسوا جميعاً تحت شجرة تين وارفة الظلال.

- يوسف! قالت سعدى.

نظر لها وهو يلوك قطعة الخبز المغموسة بالحساء.

- يوسف! ما رأيك لو أخذت البقرة وبعض الأشياء وتركتها عند صاحبك في بيت لاهيا وهي قريبة وعندما تهدأ الأمور نسترجعها.

- اعقلي يا امرأه! الوضع ليس بهذا السوء!

- من احتاط سلم!

وبعد عدة أيام بدأ التراشق بالبنادق بين الفلسطينيين واليهود. اقتنع الهلالي بأن عليه أن يرسل البقرة وأشياء أخرى إلى بيت لاهيا. في الصباح كان هو ونايف وذيب والبقرة وأشياء أخرى في طريقهم إلى بيت لاهيا.

حمل الهلالي حقيبة ملابسه وحمل فاروق الطاولة والكرسي وحمل النسر باقي الأشياء ووضعوها في سيارة سوزوكي. انطلقت بهم إلى مقر قيادة قوات الصاعقة الفلسطينية. كان الألم يتسرب من عينيّ الهلالي. فارقها وكان لا بد من الفراق طالت الأيام أم قصرت. عشت يا هلالي ردحاً من الزمن استرددت فيه ذاتك، ربما فقدتها! من يدري؟ عدت أنت الآن كما أنت. آه غاده، صاحبة الفلسفة الراقية. فقدتها هي أيضاً. وها أنت ذا تفارق أم وسيم جنتك التي قدمتها لك الحياة. قبلتها وظننت أن الدنيا كلها جنة وستدوم! ملكت ما لا تملك واستمتعت بما هو ليس لك. وهم أيضاً يستمتعون بما هو ليس لهم، ويسكنون ما لا يملكون! قانون الغاب في كل مكان. من ستفارق بعد ذلك؟ وأين ستحط بك الرحال؟

- فاروق، صلاح هيا بنا إلى منزل البدوي!

- ماذا سنفعل في منزل أبي قردان هذا؟

- سنشتري طناً من العرق وآخر من البيرة وندلقها في أجوافنا هناك!

- فلتحيى الأفكار الهدامة!

جلسنا في حجرة البدوي الذي اشترى دجاجتين محمرتين وبعض الحمص وكثيراً من المكسرات. كان الشاوي في الخارج. بدأت الكؤوس تندلق في الأجوف الظامئة. هي لا تطفئ اللوعة ولا مرارة الألم، ولكن تسكّنها. كان الهلالي أكثرهم دلقاً للسائل الكريه في جوفه. جاراه البدوي. تقدم فاروق وأمسك بزجاجة العرق وأخذ يدلقها في جوفه باستمتاع. أمسكها منه صلاح النسر ودلق ما تبقى منها في جوفه الذي لا يمتلئ.

- طالت ليالي السكر!

- والله زمان عنك!

- هيا جد علينا بما جاد عليك الكريم يا بدوي!

- يا أبا قردان ادلق في جوفي ما في كأسك من سم زعاف يذيب الألم ويحرق حرقة الاغتراب ويسكن الروح الهائمة.

- إصمت يا سليط اللسان.

- أيها البدوي اللئيم! هات ما عندك.

- اصبر حتى يتفتت كبدك من الصبر!

- عاشت فلسطين حرة مستقلة!

- عاشت؟ ستعيش! أما حرة ومستقلة، فهذا علمه عند عالم الغيب!

- لا تتفوه بكلمة تقذفنا بعدها خلف الشمس.

- يا جبان!

- كلنا جبناء!

تمدد الهلالي على أرض الحجرة. تمدد على ظهره. حملق في السقف. نقل نظراته بين رفاقه. أغمض عينيه. تاه في ذاته. استيقظ.

- يا سعدى..ياهلالي..أين أنتما؟

- في الجنة يا مسكين!

- أوتراهم لاجئين هناك؟!

- أقفل فمك أيها اللعين! لا لجوء في الجنة!

- أولهما بيت وبستان؟

- بالتأكيد لهما كل ما يتمنيان!

- خذوني إليهما! خذيني عندك يا سعدى!

- طار الهلالي!

- كلنا سنطير!

تركتماني وتركت أنا ذاتي تتيه في كل الدروب وكل السراديب. لا أعرف ماذا يخبئ لي الغد، أخاف منه. حتى ثقتي بنفسي سرقاها مني، ذيب وذيبه. أنتما المسؤولان عما أنا فيه الآن. اعقل يا رجل، وما دخلهما في تصرفاتك؟ هما من غرس ذلك الخوف المتنامي في ذاتي من الآخرين ومن الغد. إمسك لسانك جازاك الله كل خير. هو يجازيني بما اقترفته يداي من رذائل. أنا والله مظلوم، لم أتقدم لها، هي من اقتحمني. وأنت لم تتردد. وهل يتردد الجائع أمام ما يقدم له من طعام، حتى وإن كان من مال حرام؟ نفس خائرة وإرادة رخوة وذات تائهة وأمل معدوم وتطلب مني أن أرفض ما جادت به الأيام عليّ؟ أيها الظالم! أيا أبا قردان، لو كنت مكاني ما ترددت في فعل ما فعلت أنا. أليس هذا صحيحاً يا فاروق، يا صديق الطفولة؟ نعم، أنت الفحل التائه في شقوق تحتاج لمن يقفلها، وأنت قافلها لا محالة. يا هلالي يا قريب أبي زيد، أدلق ذاكرتك على التراب وسترى أنها ذهب زائف. كان عليك أن تصمد وتنتظر غودو. انتظر ما لا ينتظر ولا زال ينتظر، وأنا من أين لي صبر ذاك الغودو؟ يا فاروق، أضعت غاده وتاه عني عبد الكريم والتقيتك أنت، إنقذني مما أنا فيه. وما هو الذي أنت فيه؟ هذا الضياع وهذا الألم الذي لا يتركني. الهم أكل نفسي وأطاح ببصيرتي وبقدرتي على التغلب على المشاكل. هيا يا فاروق. أنا أكثر منك ضياعاً. جد عليّ بكأس يا أبا نواس. أبا قردان يا غبي! أبو نواس مات وشبع موتاً. من قال هذا؟ أني أراه بجانبنا يعب من الخمر بلا توقف. آه..لو صادف هذا ال "أبو نواس" أم نسيم، لحلق لها شعرها وعاشرها وكأنها فتى. قيل أنه يحب الغلمان. ذاك المعتوه، أهناك أجمل من النساء أيها الموبوء؟ أنظر إلى أم وسيم وكأنها فرع من شجرة الحياة! ها أنت ذا تدلق ذاتك أمامهم وتفضح نفسك التي تصّر على أن تبقيها بعيدة عن كل متطفل. أيها الزنيم! تجردوا من ملابسكم، إبقوا على ما يستر عوراتكم، وهيا ارقصوا أو ادبكوا أو تخلصوا من قانون الحياة. وبدأنا نرقص وندبك. على دلعونه وعلى دلعونه ومن فلسطين ليش شردتمونا؟ ولك هات شيء أجمل من هذا الذي يذكرنا بمأساتنا! على دلعونه وعلى دلعونه عرفاني مجنون وليش دلتونا؟ دلوك على ماذا أيها المعطوب؟ كلنا معطوبون في هذا الزمن المعطوب! أتذكر تلك المدّرسة الجميلة التي كانت تدرسك مادة الإنشاء..اسمها..اسمها غريب ولن أبوح به، كم تمنيتها! كانت تتراقص حولك وهي تصحح لك جملك الإنجليزية الخاطئة. تمنيت أن تحتضنها أمام الطلاب، وكنت تظن أنك في منأى عن عيون الآخرين، إلى أن صارحك أحدهم وقال ما لهذه المدّرسة تحوم حولك وكأنها فراشة تريد أن تستنشق رحيقك؟ هل أنت فحل شموص لا يمكن إيقافه؟ شموا ولموا ها الريحان، سلطه منه ها الريحان. أين الريحان يا أبا قردان؟ قدمه لنا حتى نشمه ونعمل منه سلطه-اعتدل يا رجل، سمعت أن من يقول سلطه، حتى وإن كان يقصد السلطة الحقيقية يغيب خلف الشمس هناك في السلطة الوطنية-انتبه يا مجنون! أنت الآن تخرج عن النص، وعقوبة ذلك السجن. سمعاً وطاعة يا مولاي، أنا في خدمة السلطة وكل سلطة-أين هذا الريحان يا فاروق؟ سأشمه، ولقد شممتها حتى ثملت! ثملت! انتبه أنت تنشر ذاتك على قارعة الطريق! وماذا في ذلك؟ أوليست أسرارنا كلها كانت عندهم؟ حتى قبل أن ينحرونا كالخراف في سنة 1967 هرب إليهم خمسة فسقه من كبار ضباط الجيش العربي ونقلوا لهم ما لم يصلهم من أسرار. تابع يا رجل، أنشر ذاتك ولا تهتم. غداً سنحررها من النهر إلى البحر! سننظم صفوفنا ولن يخترقها أي زنيم. سنعود إليها! إلى من؟ إلى غاده أم إلى فلسطين؟ كلتاهما واحدة! أنت لم تسكر فقط، ولكنك تحلم. وماذا في ذلك؟ الحلم..الحلم يعيد رسم الحياة كما تحبها. وأنا أحب أن أرسم حياتي كما أريدها وأتمناها، لا كما يريدها الآخرون. أنت سقراط. من هذا السقراط؟ ذاك الفيلسوف الإغريقي. كفى لا أريد أن أعرف شيئاً عن الفلاسفة. لا أحب الفلسفة ولا المتفلسفين! تفلسفت ذات مرة، فانكفأت العصي على مؤخرتي بغزارة. هذا يكفي. أعيش كما أحب أن أعيش. فليحيى السكارى. يا سكارى العالم اتحدوا ضد الظلم وضد العقل وضد الصحيان! اسكروا، اسكروا...

نمت تلك الليلة في بيت البدوي. غادرنا فاروق والنسر. رفضت أن أرافقهما، فحالي لا تسمح لي بالإنتقال إلى مكان آخر. تدحرجت على أرض الحجرة. قذف لي البدوي بمخدة وفرشة مهترئتين، وقذفت أنا برأسي على المخدة. كان نصف جسدي على الأرض ونصفه الآخر على تلك الفرشة المهترئة.

- قل لهم عن حلم الهلالي. قال رفيقي.

- أين أنت يا رجل؟ تركتني وحدي مدة طويلة!

- ذهبت إلى حيث أرسلني الهلالي!

- وأين أرسلك؟

- هذا سّر، والتزم أنت مهمتك!

- أريد أن أنثرها أمام القارئ!

- تلك كانت مهمة مستحيلة!

- ليكن!

- أرسلني إلى سعدى والهلالي الكبير!

- وهل قابلتهما؟!

- نعم.

- وماذا حدث؟

قال :

وجدت الهلالي وسعدى ونايف ووضحى يجلسون أمام منزل لم أشاهد له مثيلاً لا من قبل ولا من بعد. الهلالي يشرب كأساً مملوءً بسائل لا وجود له في دنياكم! طلبت منه أن أتذوقه، وعندما وضعت الكأس على شفتيّ، جف! ماذا؟ جف! قال. وطارت الكأس من يدي. كانت سعدى في أبهى صورتها. قلت لهم أنني قادم من عند الهلالي يوسف. أمسكتني سعدى. حدثني عنه! قالت. قلت إن حاله لا تسر لا صديق ولا عدو. أخذت تبكي. تجهم الهلالي الكبير. قفز نايف واقفاً يريد أن يحضره عندهم. نهره الهلالي الكبير وقال إن الوقت لم يحن بعد لاستعادته. قل له أن يستقم! قال الهلالي. انزلقت الدموع من عينيّ سعدى على صفحة خديها، فأصبحت نهراً. قالت: قل له أن يغتسل في هذا النهر من دموعي علها تطهره! أعرف أن قلبه أبيض، وسيستعيد ذاته قريباً. ماذا أقول عنهم؟ هو أيضاً أبني ولا يطاوعني قلبي أن أدعو عليه. قل له كما قال لك يوسف أن يستقيم. وهو سيسعد إن شاء الله. غادرت جلستهم وأخبرت الهلالي بالوصايا.

- وماذا قال؟

- انشرح صدره لحظات، لكن الكآبة عادته مرة أخرى!

- أيها المسكين اللاهي!

- دع القراء هم الذين يتعاطفون معه.

- بلغه تعاطفي ودعواتي له بالإستقامة.

- عد إلى قرائك وأخبرهم بما حدث له بعد ذلك!

عدت إلى الهلالي وهو مستلق على أرض الحجرة. كان البدوي قد خرج ليغتسل، ثم جلس مع الشاوي أمام حجرته. أيقظته من نومه. تجهم.

- لماذا أيقظتني؟ ألتضاعف معاناتي؟

- أردت أن أنقل لك ما يقوله القراء عنك!

- أشكرهم، ولكن هذه حياتي، حاولت أن أصنعها كما أريد. عاندني القدر، كان أقوي مني! لا أعرف إن كنت نادماً أم لا!

- اصبر وحاول مرة أخرى!

- تقطعت بي الأسباب، وانتابتني الهواجس ونهش أفكاري الألم المصبوغ بالمرارة.

- لا تبتئس!

- من قالها لي قبلك؟ آه..نسيت.

- كن قوياً!

- وأنا كذلك، ولولا قوة إرادتي لانتهيت! الآن عد إلى قرائك وحدثهم عن الأيام الأخيرة لي في دمشق.

حضر أبو الهيثم واصطحبني معه إلى منزله. حدثته عن فاروق وصلاح، ثم عما حدث لي في منزلي القديم. الآن أنت بلا بيت، قال. لا، أنني أسكن مع فاروق وصلاح. تغديت معهم وفي المساء أخذني إلى منزل فاروق. أصّر أبو الهيثم على أن يدعونا على الغداء في اليوم الثاني. وافقنا.

اصطحبت فاروق والنسر إلى قهوة المهاجرين. جلسنا هناك. كانت الساعة حوالي العاشرة ليلاً. ودمشق في فصل الصيف محتملة الحرارة، وعندما تكون فوق جبل قاسيون، فأنك تشعر بالبرودة في كل أجزاء جسدك. طلبنا بيرة وآخذنا ندخن ونشرب. صمت الجميع. درت في ذاتي. بحثت فيها عما يؤنس وحدتي.

- أنت مع فاروق ووحيد؟ فاجأني لصيقي.

- وحدتي أبدية.

- يا رجل! انتعش! أنت في الفيحاء!

- أنت على حق!

مددت نظري إلى أبعد نقطة يمكن أن يصلها. دمشق أسفل هذا الجبل الشامخ. شموخها من شموخه. شوارعها مزدانة بأعمدة الكهرباء، ولمن يعرف دمشق يعرف شوارعها من هذه الثريات التي تزينها. هبت نسمات صيفية رائعة، فانتعشت روحي. انتشيت بجرعات البيرة ودخان اللفائف الذي يغزو رئتيّ برغبتي. من يقتل نفسه غير كل ذي مزاج منحرف؟!

وأنا..

أنا المنحرف الذي حادت به الكآبة عن الطريق أنا من ضيع في الأحلام أو الأوهام على رأي عبد الوهاب عمره أمضيت يا هلالي عمرك تحلم وتحلم تحقق بعضاً منها وينهشك الألم لضياع أكثرها وما غاده إلا حلماً كبيراً أضعته أنت هي وهم لا أظنها كذلك كانت تمسك بيدي أعتصر رحيقها وأتوه في نسمات عطرها التي كانت تغمرني كلما اقتربت منها أحلامك بأن تكون بطلاً أودعتك السجن لست نادماً على ذلك ندمي أنني أضعت غاده وكان بإمكاني أن احتفظ بها الظروف أقوى منك تبرير الضعفاء وأنا ضعيف محطم الإرادة أو مسلوبها لقد تخرجت من الجامعة ماذا في ذلك كل من يدخلها يتخرج منها وإن طال الزمن أين سعدى لتحتفل بتخرجي ويتباهى الهلالي بشهادتي ويجلس بجانب صهره عبد الرحمن ويقول له

- أرأيت ماذا فعل يوسف؟ لقد تخرج من الجامعة.

- سأزوجه ممن يحب! سأزوجه غاده!

- دعيه يتوظف أولاً يا سعدى ثم نزوجه!

- أريد أن أفرح به يا يوسف، هو آخر العنقود.

- أين الحلوى؟ قال جدي عبد الرحمن.

- يا نايف، لقد تخرج أخوك من الجامعة، فأحضر لنا طبق الحلوى!

حضر نايف وأمه التي هي خالتي وزوجة أبي الأولى.

- مبروك يا سعدى! قالت خالتي.

- مبروك علينا كلنا.

مبروك علينا كلنا مبروك علينا النصر كانوا يريدون الإطاحة بزعمائنا ولكننا أبقينا عليهم فانتصرنا وضاعت الأرض مبروك مبروك عقبال ميه يا حبيب الأمة العربية ضاعت القدس لا بأس غداً سنبني قدساً آخر المهم أن قادتنا يتسلقون ظهورنا أكتافنا رؤوسنا مؤخراتنا كل شيء فينا باقون باقون وفوق قلوبكم منتشون...

قال الناقل للرواية.

- يا مجنون! عد ثانية إلى سيرة الهلالي. ستوردنا المهالك بأفكارك الفاقعة.

- والله نسيت! أعذرني.

- وإلى متى؟

- إلى أن يشاء الله.

- متى تراه يحضر؟

- أمامه طريق طويل حتى يصلنا.

أخذ نايف يهزج بالأهازيج الفلسطينية. لعله لا يعرفها، قال له الهلالي الكبير. هو يسمعنا يا أبي ومتأكد أنا أنه يعرفها، فكل فلسطيني لا بد أن يحفظها عن ظهر قلب. أتركني أعبّر عن فرحتي يا أبي بطريقتي!

- لماذا نهرته يا نايف عندما كان يأكل التفاح في بيتك؟

- آه يا خالتي.

قال نايف:

كانت ذيبه تذيقه مرّ الأشياء. وكانت تكرهني وتبخل عليّ حتى برغيف الخبز عندما كنت أجوع وأولادي. ذهبت إلى بيت لاهيا مع الشيخ خميس وجلبنا كثيراً من التفاح، بعضه تسولناه وأخذنا أكثره بالقوة. وأنت تعرفين يا خالتي كم كنت معدماً! أحضرت يوسف ليأكل ما يشتهيه، فأنا أعرف مقدار حرمانه. لاحظت أنه يحاول أن يخفي بعضاً من حبات التفاح عني ليوصلها لذيبه. كرهت فعلته ونهرته. هي لا تستحق أن يعطف عليها أي إنسان، فما بالك وأنا الذي بخلت عليّ حتى برغيف من الخبز. ومع ذلك تركته يأكل.

- وذيب يا نايف؟ قالت خالتي.

- هذا البخيل! كان يعذب نفسه وذيبه وأخاه.

- صه! صاح الهلالي الكبير.

- أوليس يوسف ولدك أيضاً؟

- بلى، لكنه أخوه.

- يا هلالي...

صحوت على صوت فاروق وهو يطلب مني أن نغادر المكان بعد أن اقتربت الساعة من الثانية عشرة بعد منتصف الليل. طلبت منهم أن نبقى قليلاً فأنا ما زلت جالساً مع الهلالي وسعدى ونايف وجدي عبد الرحمن، وصحبتهم لا تمل ولن يجود علي الزمن بها مرة أخرى.

- وماذا عن أعمامك؟ قال رفيقي.

- لا أعرف إن كان لي أعمام! يقال إن والد ذيبه هو عمي، لكني لم أره. الذي أنجب ذيبه لا يمكن أن يكون عمي إلا إذا كنت أنا...

- صه يا مجنون!

- دعني أكمل.

- لا تنطق، والدتك هي الشرف كله.

- أين ذهبت؟

- أليس هذا ما تريد أن تقوله؟

- لا..

- تكذب..

ابتلعت أفكاري وصمت. ولقد كان عليّ أن أصمت. كيف تتسرب مثل تلك الفكرة النتنة إلى ذاك الرأس المغبر بالأفكار السيئة؟ نظرت إلى فاروق والنسر، وجدتهما يتململان. غادرنا المكان. ذهبنا إلى سكنهم. وهناك لم يطاوعني النوم. سرقت قدميّ وخرجت من البناية. لم ينتبه لا فاروق ولا النسر لخروجي. أخذت سيارة وذهبت إلى مخيم اليرموك. وصلت قلعتي القديمة. الأضواء مطفئة. درت حول البيت مرتين، ثم تجرأت وضغطت جرس الباب. وقفت بعيداً. حاولت مرة أخرى. انفتح. تقدمت. أنها هي.

- أدخل. قالت.

دخلت. احتضنتها، بل هي من احتضنني. دخلت حجرتها. لا أحد ينام هناك. قالت أن الأولاد ينامون في حجرتي القديمة. اغتسلت وعادت في أبهى زينتها. جلست بجانبي. تحسستها.

- ما الذي أتى بك في هذه الساعة؟

- سأسافر بعد غد إلى القاهرة. كرهت أن أغادر دمشق دون أن أراك!

- يا لك من مغامر!

- مغامر معتوه!

عمنا في العسل معاً. دخّنا كماً لا بأس به من اللفائف. وقبل أن يندثر الظلام ودعتها وخرجت. سرت في شوارع مخيم اليرموك اتنقل من شارع إلى آخر. وصلت ساحة النجوم. كثير من العمال في طريقهم إلى أعمالهم. تصفحت وجوههم.

- يوسف!

- من؟ محمود النجار؟!

- بالأحضان. عانقته.

قال محمود النجار:

كنت قد ذهبت إلى قاعدتي مبكراً. كانت عندنا أخبار بأنهم سيهاجموننا. حصنّا القاعدة وأخذنا مواقع الدفاع. انهال سيل من الرصاص علينا، ثم سيل آخر من قذائف المدافع. اصدقك القول يا يوسف، لم أطلق ولا حتى رصاصة واحدة، وعلى من أطلق الرصاص؟! أخذت أدور حول القاعدة لأتصيد كل من يحاول اقتحامها، وفجأة-لاحظ يا يوسف أن كل شيء عندنا يحدث فجأة-انطلقت رصاصة وأصابتني في الرأس. تحسستها بدمائي. إنها في الرأس. وقعت. زارني ملك الموت، عزرائيل:

- حان وقت مغادرتك!

- ألا تمهلني عدة شهور أقابل خلالها أولادي؟

- أولادك في رعاية من لا ينسى أحد!

- أريد أن أراهم!

- ستراهم لاحقاً!

- إذاً اتركهم حتى يعودوا متى يرغبون!

اقتربت منه أكثر. جاورني في الحافلة. أنت محمود؟ سألته. وهل تراني غيره؟ أردت فقط أن أؤكد لنفسي أنك أنت. أنا أنا وهذه بطاقتي.

- هل زرت الهلالي الكبير؟

- هو من زارني وسعدى!

يا للذات المحروقة! زاراكا وأنا الملقى في متاهات الحياة لا يزوراني؟ ألم يزوراك بالأمس؟ قال رفيقي. آه.. تلك الزيارة الخاطفة. لقد بكت سعدى وبكيت أنا بين ذراعيها. وماذا يفيد البكاء يا سعدى؟ ما حدث قد حدث! أنت تقولين الحقيقة، من يدير حياتنا يريدنا أن نكون ما نكون!

غادرنا الحافلة. أمسكت بيده حتى لا يختفي ويتركني وحيداً. أحكمت قبضة يدي على يده. سرت في طريقي إلى بناية القوات. التفت إليه، لم أجده. نظرت إلى قبضة يدي، كانت تقبض الهواء. أين هو؟ وكأنني أحلم! لا، بل صور لك! وماذا أفعل بهذا الخيال الجامح؟ دخلت البناية. ذهبت إلى حجرة فاروق. فتح عينيه.

- أين كنت أيها المعتوه؟

- لم أطق الفراق، فمررت على من يؤنس وحدتي.

- أيها المغامر الشيطان! حتى الشيطان لا يفعلها! أفي مثل هذا الوقت؟

- كلنا شياطين!

نمت، أو حاولت أن أنام. نهض فاروق وغادر الحجرة. أغلقت جفوني. عاندتني. من أين يأتي النوم لقلقي النفس؟ أبقيت على جسدي ممدداً. أجبرني فاروق على النهوض. نهضت. أخذت حماماً دافئاً، فانتعشت روحي. اللفافة وفنجان القهوة زادا من تحرري من أفكاري الميتة. حضر النسر بلفافته المشتعلة أبداً. شاركنا الجلسة. كيف هي أيامك يا فحل الزمان في دمشق؟ سألني.

قال الهلالي:

أيامي في دمشق يا طويل العمر والسلامة هي مزيج من المتعة والسفالة والاجتهاد. غرقت في بحر من الأسن، لكنه غرق ممتع. أنتم تعرفون أن الذباب يهاجم الأطباق المكشوفة، فما بالكم يا سادتي الأكارم إذا كان الطبق نفسه هو من يدعو الذباب إليه؟ أنا من دعاني الأسن لأن أغوص فيه، لم أتردد، ولم أتردد؟ ذات مفتتة وإرادة خربة. لا تقل لي هذا عيبك، أنظر إليهم جميعاً، كلهم، كلهم يملكون نفس الذات المفتتة والإرادة الخربة! وأذا كنت مخطئاً، وأظنني ليس كذلك، قل لي بربك كيف ضاع منا ما ضاع؟ دير سنيد وجباليا وغزة وبيت لاهيا ونابلس وطولكرم والجولان وسيناء وفوقهم جميعاً، بل درتهم القدس. رحمك الله يا خالد يا بن الوليد، ها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، وكل جزء من جسدي فيه طعنة خنجر أو ضربة سيف، لا نامت أعين الجبناء. استوطننا الجبن، ورحبنا به، لذلك نعيش في الأسن.

- لشد ما تغيرت يا هلالي! قال فاروق.

- أتمنى أن أكون قد تغيرت! لكني أشك في ذلك!

- كيف؟

- أن أكون كما أود أن أكون!

- أضغاث أحلام!

- وهل تبنى الأمم إلا على الأحلام؟

حضر أبو الهيثم. اليوم هو موعدنا لتناول الغداء معه. أحضر الشاوي والبدوي معه. شاركونا الجلسة أمام البناية. قدمنا لهم اللفائف، وهي دائماً جاهزة لتقديمها للضيوف. أحضر النسر فناجين القهوة. طلب البدوي ذلك السائل المسكر. أصمت يا أبا قردان، فأنت في مركز القيادة! أولا يشربون هم؟ مسكين أنت يا هلالي، تخدعك المظاهر الكاذبة. لا يا أبا قردان فأنا أعرف خبايا النفس، لكني أتعامى عن معرفتي وأنفذ ما يدور في رأسي، ومعظمه لا يصيب، بل يخطئ.

قال أبو الهيثم:

الوضع في لبنان غير محتمل، أنهم يعدون لشيء خطير. شارون يزور لبنان باستمرار. يستقبله من هم على شاكلته. وبعد مذبحة الحافلة بدأت الحرب الأهلية هناك. لا أعلم لماذا يقاتلوننا بهذه الشراسة وينفثون علينا كل هذا الحقد؟ لو حاربنا اسرائيل بكل هذه الشراسة لتحررت فلسطين! أحلم يا أبا الهيثم فالحلم هو السيد عندما يضيع المنطق. أنا أحلم مثلك، أحلم منذ اللحظة التي غادرتني فيها سعدى وبعدها الهلالي الكبير. أحقق ذاتي بالحلم، وأي حلم؟ أن أعيش في حجرة وحدي بعيداً عن ذيب وذيبه. أزرع الورد وأسقيه بنفسي. ارتحت لهذا الحلم الذي رافقني أياماً طويلة. كنت أعوض فيه حرماني وقلة حيلتي. حلمت بالسيارة والزوجة الجميلة، صادقت غاده وحلمت معها أن نبني بيتاً راقياً تحيط به حديقة مملوءة بأشجار الفاكهة. حلمت وحلمت وصحوت من حلمي وأنا ملقى وسط الأسن.

- متى ستذهب إلى القاهرة؟

- خلال الأيام القادمة.

غادر الشاوي والبدوي دمشق قبل أن أغادرها أنا. ذهبا إلى ليبيا للبحث عن وظيفة هناك. عرفت فيما بعد أن كلاً منهما توظف مدرساً في القرى القريبة من طرابلس. وصلتني رسالة من صالح زوج أختي دليله يقول فيها أن كل ما أرسله لي من نقود وأنا طالب هو هدية بمناسبة تخرجي من الجامعة، أما ما سيرسله لي فهو دين علىّ أن أسدده فيما بعد. شكرت له صنيعه وقلت عنده كل الحق، فأنا الآن خريج وعلى وشك أن أستلم وظيفتي، وعليّ أن أرتقي لمستوى المسؤولية.

عدت وحيداً. انشغل عني فاروق بتدبير أموره حتى يذهب إلى المجر. قادتني قدماي إلى مخيم اليرموك. درت في شوارعه. عشقت هذا المخيم وكأنه مخيم جباليا! أين الكثبان الرملية التي كنا ننزلق من فوقها إلى أسفل؟ ذهبت إلى حصني القديم الذي لم يعد حصني. ضغطت جرس الباب. فتحه وسيم. تفضل، قال. دخلت. ليس كدخولي السابق يوم كان هذا البيت بستاني وأجول بين أشجاره كما أشاء. راضي وأمل كانا هناك. صافحتهم وجلست معهم أمام حجرتي ومكمن أسراري. كل شيء يصبح قديماً، هي الدنيا، ومكمن أسراري هذا أصبح قديماً كما كنت من سكان مخيم جباليا قديماً، حدثت نفسي. حضرت أم وسيم. قدمت لنا الشاي، وأخذنا ندخن. حتى أمل شاركتنا التدخين. حضر ذلك الرجل الأربعيني الذي طلب مني أن أرحل. كلهم يريدوننا أن نرحل!

- متى سترحل؟ سألني الرجل.

ألم أقل لك؟ كلهم يريدوننا أن نرحل! نحن الوباء!

- خلال الأيام القادمة.

- إلى أين؟ سألتني أم وسيم.

تنشقت الأسى واللوعة بين كلماتها.

- إلى القاهرة.

- لا تنس أن ترسل لنا أينما كنت.

هي عشرة الأيام، وكيف أنسى من أنستني ماضيّ وخلقت داخلي رجلاً آخر؟ لا، لن أنساك يا أم وسيم، فأنت جنتي التي خلقتها لأستريح فيها من رمضاء الطريق! وهل ينسى المرء مرفأ استوطنه سنوات عندما تعطل قاربه؟ دعوني لتناول الغداء معهم، لا بل أحضرت أم وسيم الطعام وشاركتهم فيه. عانقتهم بحرارة وخرجت. شعرت بيدها ترتجف بين أصابعي، فعرفت مقدار معاناتها، هي معاناتي!

- هل نسيت شيئاً حدث للهلالي في دمشق لم تحدث القراء عنه؟ سألني.

- أظن ذلك!

- تظن؟

- هناك شيئان نسيتهما.

- وتريد بعد ذلك أن يثق بك القراء؟!

- جل من لا ينسى!

-إذاً قل كلمتك وغادر!

استلم الهلالي إذن صرف منحته الشهرية من السفارة الكويتية وذهب إلى المصرف التجاري السوري. أخذ الصراف يعد له النقود. لاحظ الهلالي أنه عدّ له نقوداً أكثر بمقدار مائة ليره. أخذ النقود وخرج، وعند باب المصرف تأكد أنه أخذ مائة ليرة أضافة لما يستحقه.

- إرجع النقود للصراف، فأنها ستخصم من راتبه. قال ضميره.

- لا. أنت تحتاجها أكثر منه! قال الشيطان.

تاه بين الرأيين. أخيراً وافق الشيطان على رأيه. ما أقدره على الإقناع هذا الشيطان؟ يا رجل! هل نسيت أمنا حواء وكيف أغواها أن تقترب من تلك الشجرة المحرّمة وتأكل من ثمارها؟ يا أمنا الغالية، أما كان بإمكانك أن تقاوميه؟ لو فعلت، لبقينا في الجنة. آه.. هذه الجنة! أوترانا سنكون لاجئين فيها أيضاً؟ قال البدوي ذات يوم: نحن الفلسطينيين سنسكن الخيام هناك بين الجنة والنار، وبالذات نحن أبناء غزة. هذا ال "أبو قردان!" من أين يأتي بهذه الأفكار؟

بعد مسافة ليست بالقليلة، توقف الهلالي واستمع إلى صوت ضميره يؤنبه. رجع إلى المصرف ثانية وعند الباب صرخ فيه الشيطان أن عد بنقودك-لاحظ كلمة نقودك- واستمتع بما جدت به عليك، مائة ليرة ثروة وأنت تحتاجها. رجع. وفي المكان ذاته الذي توقف فيه أول مرة، تسلل إليه صوت ضميره أن لا تفعل. عاد إلى المصرف، ومباشرة ذهب إلى الصراف.

- لقد أعطيتني مائة ليرة إضافية.

قال للصراف وقدم له الورقة المالية. نظر إليه الأخير بامتنان.

- أشكرك!

لم يجد الرجل كلمة أفضل منها ليعّبر بها عن إمتنانه له.

وداعاً دمشق!

عانقت فاروق والنسر في صالة مطار دمشق الدولي، وقبلهم ودعت أبا الهيثم وزوجته. أنا في طريقي إلى القاهرة. أخذت عنوان عبد الكريم من فاروق. سأنزل عنده، ولمن ألتجئ إن لم ألتجئ إليه. قلت لنفسي. استقم. قال لي فاروق وهو يودعني، سأراسلك، فأنا بعد أيام سأكون في طريقي إلى المجر. وفقك الله يا فاروق، فأنت صاحب الذكاء المتوحش وتستحق أن تكون كما تود أن تكون. قلت له. قل له أن يستقيم، قال الهلالي لرسولي الذي أرسلته إليه. وكيف استقيم يا هلالي يا كبير والإرادة خربة والذات مفتتة؟

وداعاً دمشق!

أمضيت فيك جزءاً من سنوات عمري. شهدت فيك ذاتي وهي تحاول أن تتماسك وروحي وهي تحلق في فضاءات مترامية الأطراف. عرفت فيك معنى الحياة: قسوتها وحنانها، حرمانها وكرمها، مرارتها وحلاوتها. أنت الحياة يا دمشق. أنت البحر الهائج الذي عمت فيه بلا وجل! منك حصلت على شهادتي، جواز سفري في هذه الحياة القاسية التي لا ترحم.

وداعاً دمشق!

صعدت إلى الطائرة. هل سأراك يا دمشق؟ دمشق، يا وجعي، يا ألمي، يا حبي، يا حزني، يا فرحي. دمشق يا قلبي الآخر. أنت توأم القدس. أحببتك يا دمشق حبي للقدس وجباليا ودير سنيد وبيت لاهيا. شعرت فيك بإنسانيتي، بكبريائي وبرجولتي. دمشق أنت الأمل عندما تتحطم كل الآمال. أنت الألم عندما تغزونا الألام من كل مكان. معك كل الحق أن تبكي عليها يا مصباح وهي تقذف بقنابل النابالم في سنة الإندثار. دمشق فداك نفسي!

وداعاً دمشق!

صعدت الطائرة إلى علو شاهق. حلقت فوق دمشق بمبانيها الجميلة. أراها كلها تحتي. آه يا دمشق، لو كان في مقدوري لعشت فيك حياتي كلها. أنت قريبة من تلك البقعة التي هي وطني. لم أشعر بغربتي فيك. احتضنتني وكأنني طفل صغير تحنو عليه والدته وتحميه من برد الشتاء وحرارة الصيف. أنت، أنت يا دمشق قرة العين وإبنة السلطان. معاويه استنجد بك فنجدته، ونحن نستنجد بك وظني أنك لن تخذلينا، فوداعاً يا دمشق وداعاً لا أعلم إن كان بعده لقاء. دمشق أنت نصف حياتي ونصفها الآخر هناك في القدس وجباليا ودير سنيد.

وداعاً دمشق!

- لا تتركها قبل أن تحدث مستمعيك عن تلك الفتاة التي حاولت أم وسيم أن تزوجها لك!

- هذا هو الشيء الآخر الذي نسيت أن أحدث القراء عنه!

- إذاً حدثهم عن أمنيه.

- آه.. أمنيه؟ هي فتاة جميلة أمها شامية من صلب دمشق وأبوها فلسطيني من... من أي بلد في فلسطين؟ ليس مهماً أن تعرف. أنه فلسطيني وهذا يكفي. كانت لطيفة ومهذبة. سهرت عندهم ليالي طويلة. غمرتك هي ووالدتها بعطفهما وحبهما. التجأت إليهما عندما ازدادت حرارة حصنك. استظللت بظلهم. انفردت على سجيتك في بيتهم. كنت أنت أنت عندهم!

- هل نسيت؟

- ماذا؟

- تلك المسرحية الرائعة لفيروز.

آه..يومها ذهبت وأمنيه وأختها وأمهما. كانت ليلة من ليالي العمر. جلست بجانب أمنيه. كنت قد أحببتها. ومن كرهت أنت من قبل؟ أحببت كل الناس! الكل قريب منك! ربما كنت تعوض كم الكراهية الهائل الذي حمّلك إياه ذيب وذيبه!

- لماذا تركتها؟

كرهت أم وسيم أن تشاركها أمنيه ما هي فيه، حيث أخذت أقضي معظم وقتي عند أمنيه وأمها. أخذت تدس عليهم الحكايات القذرة، وأنت أنت صدقتها. وكيف لك أن تطعن في شهادة من أطعمتك الشهد؟ هربت منهم، ربما هم الذين هربوا منك!

- أنت تائه حتى في ذاتك!

وداعاً دمشق!

12

صحت سعدى بعد الهلالي الكبير الذي سكن القلق وبعض من الخوف وجهه. التاعت سعدى عندما رأته. هذا الرجل الذي يصارع الصخر فيصرعه، يرتعب وإلى هذه الدرجة! ذهب إلى ولديه نايف وذيب. أيقظهما من نومهما ثم استدار إلى ابنته دليله. احتضنهم جميعاً. أسرّ إلى سعدى أن تستعد للرحيل. لن أغادر بيتي، قالت سعدى بلوعة. سنعود بعد أسبوع، أقل أو أكثر يا سعدى. يقولون أنهم ذبحوا أهالي دير ياسين كالخراف، وأنا لا أريد أن أرى أولادي وهم ينحرون. ارتعبت سعدى من الفكرة. لملمت أغراضها ووضعتها في ركن من حجرتها. حملت ما قدرت أن تحمله وذهبوا جميعاً إلى بيت لاهيا.

- اقفل الباب جيداً يا يوسف حتى لا يدخله اللصوص!

في الطريق رافقهم جدي عبد الرحمن وأخوته وأولادهم. الجميع في طريقهم إلى قرية بيت لاهيا هرباً من رصاص اليهود الذين بدؤوا يمطرونهم بالرصاص من المستعمرة القريبة، يقال لها مستعمرة دير سنيد. ولماذا تركتموهم يستوطنونها؟ صرخت في الهلالي عندما حدثني عن الرحيل. يا ولدي من الذي سمح لهم بذلك؟ بالتأكيد لسنا نحن. صدقني يا ولدي! وصدقته، هو لا يكذب. نزلوا عند صديق الهلالي في بيت لاهيا، وتابع جدي عبد الرحمن رحيله إلى مدينة خان يونس حيث استجار بصديق له هناك. نزل الهلالي عند صديقه اللهواني عدة أيام. طالت إقامته، فصنع خيمة له يؤوي فيها أولاده.

- أسبوع آخر وسنعود يا سعدى، لا تقلقي!

كان يواسي زوجته وفي حقيقة الأمر كان يواسي نفسه. نصب كل من نايف وذيب خيمة بجانب خيمة الهلالي. سارت حياتهم رتيبة، مملة، ومملوءة بالترقب والانتظار. طالت أيام التشرد وطال انتظار الهلالي.

طال انتظاري في صالة المطار، مطار القاهرة الدولي. سمعت أسمي يتردد في أرجاء المطار. أنهم يطلبون مني أن أتجه إلى مكتب خاص في إدارة المطار، يقال له قسم أمن المطار. لا غرو، فأنا من غزة وخطر على الأمن المصري، لا، بل الآمن العربي كله. ذهبت. وجدت ضابطاً تتربع على كتفيه عدة نجوم لامعة.

- أسمك؟

يا لله! أسمي مكتوب في وثيقة سفري، ولماذا أنا من دون خلق الله الذين يتواردون على المطار كل ساعة، بل كل دقيقة تطلبون مني ذلك؟

- محمد!

- قف!

- عبيد!

- يا مجنون! فضحت سر الرواية!

- آه..يوسف الهلالي.

- كيف فعلت ما فعلت؟

- اختلطت علىّ الأمور، فأنا أيضاً أوقفوني في المطار وأخذوا يسألونني عن إسمي واسم والدتي وما شابه.

- هل أنت من غزة؟

- طبعاً.

- لا تنس أنك تروي سيرة يوسف بن يوسف الهلالي.

- لن أنسى بعد الآن!

- كل وعودك أخلفتها!

- سأفي بوعدي هذا!

وقف الهلالي الكبير على تل رملية عالية في بيت لاهيا. أخذ ينظر إلى بعيد، إلى أرضه التي سرقوها منه وتركها هو هلعاً من بطشهم. دمعت عيناه، رافقته سعدى في تيهه الجديد وشاركته لوعته وحرقة الذكرى! أوتراني أعود إليها؟ من يدري؟ وقفت أنا خارج مطار القاهرة الدولي بعد أن سمح لي ذلك الضابط بالدخول إلى القاهرة. كنت حائراً كما الهلالي الكبير، ولكني كنت أعرف إلى أين سأذهب. إلى عبد الكريم وعنوانه معي، بل أنني حفظته عن ظهر قلب. جاورتني سيارة أجرة صغيرة.

- أوتوصلني إلى هذا العنوان؟

- بالتأكيد. أجاب السائق.

سمعت حكايات كثيرة عن السرقات التي تحدث لزائري القاهرة للمرة الأولى. وضعت حقيبة ملابسي بجانبي داخل السيارة وأقفلت الباب. تحركت السيارة ببطء، ثم انطلقت بأقصى سرعتها. نظرت إلى السائق. لم تتكون لديّ فكرة عنه، لم أستطع قراءة ما يدور في عقله. قطعنا مسافة قصيرة، ثم سألني:

- هل تريد أن نذهب من وسط المدينة أم من شارع صلاح سالم؟

- أذهب من أي طريق ترتاح له. قلت لأنني لا أعرف القاهرة.

ذهب من طريق صلاح سالم. صلاح سالم؟ اسم من هذا؟ بحثت في الذاكرة عنه. تذكرته. أحد قادة ثورة يوليو ورفيق ناصر. ناصر محاصر في الفالوجا، قال الهلالي الكبير لصديقه اللهواني. ربما تكون دير سنيد من القرى التي سيسترجعها الجيش المصري! تابع. صلاح سالم، هذا الضابط العصبي المزاج، طلب من القادة المصريين سنة 1956 أن يسلموا أنفسهم للسفارة الإنجليزية. رفض ناصر وقال سنسلم أنفسنا للشعب المصري. وفي الفالوجا رفض الاستسلام وأذاق الجنود الإسرائيليين العلقم وهو يقاتلهم.

- إلى أين أنت ذاهب؟

سألت السائق عندما سار مسافة طويلة في شارع غير مضاء، هو شارع صلاح سالم الصحراوي الذي لم أكن أعرفه.

- لا تخف! لن أسرقك!

وكأنه خمّن ما أفكر فيه.

- لا أملك شيئاً لتسرقه مني، لكني أشعر بأنك خارج المدينة، وبصراحة أكثر، أنا خائف لأننا في الصحراء.

مرت بجانبنا سيارة غير مسرعة في منعطف حاد، استوقف سائق سيارتي سائقها وسأله حتى يهدئ من مخاوفي.

- يا زميل! ألسنا في طريق صلاح سالم؟

- بالتأكيد! قال السائق الآخر.

وصلت منطقة المنيل في القاهرة، منطقة شعبية وعبد الكريم يسكن فيها، بالقرب من جامع قايت باي. اهتديت إلى البيت بسهولة. أعطيت السائق ما يريد من النقود. لكنه قال: ألا أستحق مكافأة لأنني لم أسرقك؟ ضحكت وضحك هو. نفحته جنيهاً مصرياً لأمانته! شكرني وانصرف.

حملت حقيبتي وصعدت الدرج إلى الدور الثاني حيث يسكن عبد الكريم. أمام باب شقته وقفت. استرحت لثوان، ثم ضغطت جرس الباب. فتحه هو. واجهني. سمّر عينيه في وجهي، وفعلت أنا. صمتنا سوياً لعدة ثوان، ثم انطلقت الأسماء معاً عبد الكريم يوسف. تعانقنا عناقاً حاراً وطويلاً بطول أيام الفراق. دخلت شقته. جميلة ومتواضعة ويسكنها وحده.

- أهلاً يوسف.

- سعدت بلقياك يا عبد الكريم، أيها العجوز الشايب!

هل هذه الكلمات كافيه للتعبير عن مشاعري بلقياه؟ سعدت...؟ انتشيت باللقاء. عطش السنين ولوعة الأيام وحرقة الغربة كلها اندثرت لحظة أن رأيته. ماضيّ كله تجسد في تلك اللحظة النادرة الحدوث-لم أره بعدها مطلقاً-عبد الكريم يا أيامي الماضية، يا ذكرياتي الملتاعة، يا عمر العمر! قلت هذه الكلمات لحظة لقاءك لفاروق. قال مؤنس وحدتي. وما الفرق بين فاروق وعبد الكريم وأنا؟ كلنا واحد! نسيت غاده! من قال هذا؟ لها مكان ومكانة خاصتان في البطين الأيمن من قلبي. احتفظ بها هناك وسأراها ولا بد أنني راجع إليها والتقيها حتى وإن طالت أيام التيه والغربة.

- ما الذي قذف بك إلى القاهرة؟ سألني عبد الكريم.

- حصلت على شهادتي الجامعية، وجئت أقتنص فرصة أن أتوظف في أي بلد عربي عن طريق القاهرة.

- موسم التعاقد على الأبواب.

- وأنا أترصده!

في المساء خرجنا نتجول في شوارع المنيل. كثافة سكانية لم أر لها مثيلاُ لا في دمشق ولا في عمان ولا حتى في جباليا. دخلنا مطعماً مزدحماً يبيع سندويشات الفلافل. اشترينا أربعة سندويشات. تمتعنا بأكلها في الشارع المزدحم. الوجوه واجمة وحائرة ومنتظرة، أنها تنتظر الرخاء الذي وعدها به السادات.

- ما هي أخبار غاده؟ سألني عبد الكريم.

- أنا من يسألك عنها!

- لا أود أن أزعجك!

- لا يزعجني الإزعاج، فجسمي مثقل بكل هموم الدنيا، ومهما كانت أخبارها، فهناك متسع في ذاتي للألم، فلا تقلق.

- لقد تمت خطبتها لابن عمها!

كانت الرصاصة التي اخترقت رأس محمود النجار في عمان رصاصة تائهة، أما هذه الرصاصة فموجهة إلى القلب. أصابته في البطين الأيمن الذي يأوي غاده. توقفت دورة دمي وبقيت واقفاً في الشارع. وقف بجانبي عبد الكريم مواسياً. تشجع، قال. ومن أين تأتي الشجاعة؟ الذات مثقلة بالهموم والكآبة والآلام، من أين؟ احتملت، فأنا على مدى أيام عمري أتلقى الصدمات وطعنات الزمن. إن كان لذيب وذيبه من مأثرة، فهي أنهما زادا من قوة الإحتمال لديّ. تحركت. قادني عبد الكريم إلى المنزل. تركني هناك وخرج قائلاً أنه سيعود بعد دقائق. فردت جسدي على الأرض. انزلق التعب من أجزائه. استرحت. نهضت وذهبت إلى الحمام. تركت جسدي تحت المياه الدافئة، فازدادت قوة احتمالي. غاده..الغيمة الندية ستتزوج؟ ليباركك الله يا غاده، حتى وإن تزوجت، فأنت أنت ومكانك القلب ومقلة العين. سمعت نقراً على الباب. فتحته.

- أين عبد الكريم؟

فتاتان متوسطتا الجمال. جسمان ممتلئان بغير سمنة. عيون جريئة، ولا أريد أن أقول وقحة. ورغبة تطل من تلك العيون الغجرية تستولي على أفكارك. كل هذا دفع الدماء حارة في عروقي. اهتز مركز العمل في رأسي. سهرة أخرى من سهرات العمر في طريقها إليك! أورتب عبد الكريم ذلك؟

- تفضلا!

- وهل هو في الداخل؟

- سيعود بعد لحظات.

وقبل أن تدخلا البيت، كان عبد الكريم قد وصل. لكز إحداهن من الخلف، فأطلقت صرخة مكتومة، لكنها غانجة. لكز الأخرى، فغنجت بدلال. دخلنا جميعاً وأقفل عبد الكريم الباب بالمفتاح. جلست إحداهن بجانبي وجلست الأخرى بجانب عبد الكريم. أخذنا نتحدث. نهضت الفتاتان ودخلتا حجرة عبد الكريم الذي دخل معهما. بقيت وحدي.

طال وقوف الهلالي الكبير وسعدى بجانبه على تلك التل الرملية المرتفعة. أطالا حملقة عيونهما في اتجاه أرضهم. كان يرى أشجاره وهي تتطاول بكبرياء يماثل كبرياء نفسه. أنه يعتز بأرضه وبأشجارها المثمرة التي قضى عمره كله يزرعها. تسللت يد سعدى إلى يده. باردة كالثلج، قالت سعدى لنفسها. ربما كانت يدها هي الباردة! انسحبت الشمس تاركة وراءها قتيلاً نعاه الهلالي بحرقة لأنه قتل قدرته على متابعة النظر إلى أرضه. جلس مع سعدى على التراب الندي. الكثبان الرملية في بيت لاهيا أشبه بسجادة عجمية غالية الثمن. طالت جلستهما دون أن يتكلما. أسبوع آخر وسنعود يا يوسف، لا تبتئس!

عاد عبد الكريم بصحبة الفتاتين. لقد تخلصتا من ملابسهما وأبقيتا على ملابسهما الداخلية. ليلة من ليالي أبي نواس، قلت لنفسي. أحضرت إحداهن الكؤوس والمكسرات، وفتح عبد الكريم زجاجة من الراح الرخيص. ملأ كأساً وقدمه لي. أوتشرب؟ سألني، ودون أن أجيب وضعه أمامي.

- عّرفنا على هذا الرجل. قالت إحداهن.

- هذا وعل قادم حديثاً من الصحراء!

- وعل؟ قالت الثانية.

- بل أنا وعل أضاعت الأيام ذاته!

- أفيلسوف هذا؟ سألت الأولى.

- كتلة من الهم والألم والأفكار الهائجة! قال عبد الكريم.

دلقت الكأس في جوفي دفعة واحدة. ذهل عبد الكريم وكذلك الفتاتان. أوتظن أنك الوحيد الذي استوطنته الرغبة ولذة الشراب؟ قلت لعبد الكريم دون أن أتكلم. صبّ لي كأساً ثانية. انطلقت موسيقى هادئة من جهاز تسجيل موضوع على الطاولة القريبة من مجلسنا. تمددت الموسيقى في أرجاء الحجرة. أخذت إحداهن ترقص، رقصة هادئة كهدوء صوت الموسيقى. كنت قد أحضرت عدة أشرطة لمسرحية فيروز التي شاهدتها مع أمنية ووالدتها. أحضرت واحداً من تلك الأشرطة ووضعته في المسجل. كان للمغنية جورجيت صايغ التي شاركت في تلك المسرحية. بدأ صوتها ينطلق من آلة التسجيل.

- دلوني على العيون السود وعلقوني...

بدأت الفتاتان تتمايلان في رقصة صاخبة صخب الموسيقى المنطلقة من جهاز التسجيل. تابعتهما وهما تقومان بالحركات المثيرة للرغبة. انتشيت. وقفت. أمسكتني إحداهن وأخذت ترقص حولي. تحمست. اندفعت الرغبة إلى عينيّ. أخذت أشاركها رقصها. وكما قلت لك سابقاً، أنا لست براقص ماهر.

- يا ليل الليل اللي ما له حدود...

وكان ليلي بلا حدود. وكان ألم الهلالي الكبير وسعدى بلا حدود. فقدا أرضهما ومصدر رزقهما. نسيت كل آلامي وآهاتي، وأخذت أرقص وأرقص، تمسكني واحدة وتقدمني للأخرى. تدفعني بمؤخرتها فارتد أمام الثانية، ألتصق بها. تتطاير أطرافي ذرات تطوف جسد الراقصتين الرائعتين.

- بين عيوني...

بين عينيها، بين ساقيها، بين ثدييها، ليل حالك السواد. وليل الهلالي وسعدى كان ليلاً طويلاً وحالك السواد، ذرفت خلاله سعدى كثيراً من الدموع على الأرض المسروقة. ليل لا ينتهي، ليل يسكن فيه الألم وتستيقظ الرغبة. انتشى عبد الكريم، فأخذ يرقص معنا. حركاته الراقصة تضاهي حركاتي البلهاء.

- آه يا بيي...

"بيي" كلمة تعود للهجة اللبنانية تعني يا والدي. آه يا أمي، يا سعدى وآه يا أبي يا هلالي! أوصيتماني أن أستقيم، وها أنذا استقيم! استقيم واقفاً وأرقص وأرقص وأتوه بين الراقصتين. وعبد الكريم استقام وأخذ يشاركنا الرقص. وأنتما هناك جالسان على تل رملية ترقبان أرضكما المسروقة. أما كان من الأكرم لك يا هلالي أن تستلقي فوق أرضك وتندثر معها حتى يسرقوك أنت الآخر كما سرقوا الأرض؟

- أيها الأخوة...

- سكوت، فالقائد سيخطب! قال عبد الكريم.

هذه الليلة هي ليلة تاريخية-لاحظ أن كل أيامنا، حوادثنا، مناسباتنا، كلامنا، أخطاءنا، وأسننا هي تاريخية-التقى فيها من افترقا أعواماً طويلة، هي ليلة السكارى ومحروقي الذات والعاطفة. ليلة من ليالي العمر المعدودة. أصدقكم القول أنني وأنا غائب عن الوعي أعبّر عن حالتنا أصدق تعبير، لقد تركني الهلالي لأقود أفواج السكارى في كل أنحاء العالم. إنها لحظة تاريخية وظرف حرج تلك التي أقودكم فيها! ربما أقودكم للإندثار، للعدمية، للأسن، للقذارة، للهزيمة! اختر أي كلمة قذرة وستكون وصفاً صادقاً لما سأقودكم إليه!

- تابع خطابك أيها القائد المغوار! قالت الأولى.

- سلم فوك أيها القائد الملهم! قالت الثانية.

- يا هلالي يا مغوار أنت القائد طول المشوار! قال عبد الكريم.

أيتها الراقصات املأن الأرض رقصاً وغناءً حتى يزول الهم والألم من هذه النفوس الطيبة التي استوطنها العذاب سنوات طويلة وآن لها أن ترتاح. أرقصن حتى يتحلل درن النفوس المعذبة فوق أجسادكن التي خلقت لعمل خلاق لا يقوم به إلا الفحول من الرجال.

- تابع أيها المغوار!

هتاف: سنحررها، سنحررها، من النهر إلى البحر! سنحررها! هذه الذات الخربة!

- ظننتك ستحرر فلسطين؟ قال عبد الكريم.

- لا تمزح يا عبد الكريم! ومن أين تتساقط الدراهم علينا إن نحن فعلنا؟!

نحن سكارى الأرض سنطلق ثورة السكر من أقصاها إلى أقصاها، واسمع أنت يا هلالي ياكبير، أنا لن أستقيم وسأتابع انتفاضتي هذه حتى تتخلص ذاتي وكل ذات أخرى من ذيب وذيبه والثائر الذي فقد الألف دينار، وعليه أن يجدها، ومن أبي نضال حتى يرد راتب الشهيد إلى والدته، أم علي، وسنواصل انتفاضة السكر هذه حتى وإن طاردتنا المخابرات الأمريكية والموساد! تباً لهما!

- تابعوا الرقص والتصفيق للقائد! قال عبد الكريم.

تابعوا ما أنتم فيه وصدقوني إنها انتفاضة حتى العصر! حتى الصباح يا جحش! ليكن، انتفاضة حتى الصباح! فما زالت الرأس مشتعلة والأحاسيس فواره، قوموا بعملكم على أكمل وجه، لا رحمكم الله!

كنت قد تخلصت من ملابسي. قفزت من فوق الكرسي الذي كنت أقف عليه وأنا ألقي خطبتي العصماء-وهذا وصف للخطبة أطلقه عبد الكريم وليس أنا، لذلك لزم التنويه-استلقيت على إحدى الغانيتين. لم أخترها، قفزتي هي التي اختارت! تلقفتني هي بشبق ثائر، ثورة ذاك الذي أشاح بيده عندما سمع لفظة راتب الشهيد. واستشهدت رغبتي فوق جسدها! كانت معركة طويلة وسهلة، هزمت فيها نيران الألم وفوران الرغبة وتراكم الحرمان. هزمتهم جميعاً بهجوم صاعق! وتابعت هجومي بلا توقف. لا أعترف بالوقفات التعبوية في الجيوش النظامية، فأنا ثائر والثائر عليه أن يغير قانون الطبيعة ولقد نجحت! هجومي كان قاسياً وكاسحاً استمر منذ منتصف الليل-أوليس ذاك هو الوقت الذي كانوا يفاجئوننا فيه؟-حتى الصباح، وبلا توقف، صدق أو لا تصدق، بلا توقف! أنهكت قوى الأعداء، فاستسلموا لي. حتى بعد استسلامهم، تابعت هجومي، وعندما اندحرت الفرقة الأولى أمام هجومي، تقدمت الفرقة الثانية التي انسحب عبد الكريم أمامها. واصلت من جديد. هاجمتها. أنهكت قواها، فأخذت تصرخ أن أنقذوني، أنقذني يا عبد الكريم، فهذا وعل لم ير الماء قبل هذا اليوم، أو قبل هذه الليلة. اصمتي أيتها الدعجاء الملقاة أمامي! لا منقذ لك مني هذه الليلة، فأنا آليت على نفسي أن أمزق أعدائي-دع سمائي فسمائي محرقه، دع مياهي فمياهي مغرقة، وأحذر الأرض فأرضي محرقه وأبي ضحى هنا وأبي قال لنا مزقوا أعداءنا-هكذا أوصاني الهلالي الكبير، أبي. استقم قال لي. تابعت هجومي غير آبه بصرخاتها الملتاعة. أشفقت الأولى على الثانية، فأزاحتها إلى خط الدفاع الثاني وتقدمت هي. نحن انسحبنا إلى خط الدفاع العاشر ولم يتقدم أحد لأخذ مواقعنا. صمدت لحظات-نحن لم نصمد ولا حتى دقيقة-ثم أخذت تصرخ من قوة ضرباتي وهجومي الكاسح. انبلج الصبح ولا زلت هائجاً لا يقترب مني أحد إلا ومزقته! أوقفت هجومي مضطراً، فقد تفرق الأعداء وغادرونا يجرون أذيال اللذة والهزيمة!

استقم، قال الهلالي ومن أين تأتي الاستقامة يا هلالي أما زلت جالساً فوق تلك التل الرملية تنظر بحسرة إلى أرضك أنا ما زلت أنظر بذهول إلى بقايا معركة الأمس التي كنت فيها فحلاً هائجاً لا يقف في طريقي عائق ذهل عبد الكريم من ثورتي الهادرة لم أكن أعرف أنك بهذا العنف قال ولقد كنت عنيفاً وثائراً ألم اللوعة لوعتي على غاده أطاح بترددي فأشرعت سيفي وأخذت أقطف الورود الرؤوس يا خليفة أبي نواس صه الرؤوس هناك من يقطعها وبصمت أما أنا فعليّ أن أقطع الورود وقطعتها أيها الحجاج الثقفي زمن الحجاج مضى أوترانا في حاجة إليه الآن نحن والله نحتاجه ما أشجعك أيها البدوي من هذا يقال أن الحجاج كان يسبح في بحر دجله نهر دجله أيها الجاهل أنت الجاهل فالنهر أصبح بحراً يا عديم الإدراك في هذا الزمن الأغبر كما كنت أسبح أنا في الأسن أوشك على الغرق رآه البدوي فتجرد من ملابسه وأسرع إليه فأنقذه أوتعرفنا يا أخ العرب وهل يخفى الحجاج على أحد قال البدوي ولماذا أنقذتنا وأنت تعلم ما فعلناه بأهل بغداد بغداد فقط ومكة وكل من رفع راية العصيان ضد أولي الأمر من بني أمية أعلم قال البدوي سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن من يمت غريقاً فله الجنة ولذلك أسرعت إليك أنقذك مما أنت فيه ومن ينقذهم الآن إنهم في حاجة لمن ينقذهم من الغرق فكلهم يغرقون والغرقى في الجنة علينا إنقاذهم من أنقذك أنت يا هلالي لم ينقذ سعدى أحد أخذت المسكينة تتلوى من الألم وحرقة الحرمان بعد أن باع الهلالي بقرتها حتى غادرت الدنيا وفي قلبها غصة وحرقة تحرق جبالاً فما بالك بنفس رقيقة عندها من الكبرياء ما يفوق كل كبرياء الآن آه يا سعدى ماذا تركت لي من تلك الكبرياء وأنت يا هلالي تريدني أن استقيم لم يحن الوقت بعد ولن أجد من يمد لي يد المعونة لإنقاذي عندما تتقاذفني الأمواج وتودي بكل آمالي وسط المياه الآسنة كم سبحت في مثل ذاك البحر الهائج وأم وسيم تقول أنني سباح ماهر هي من علمني السباحة فتفوقت عليها لقد أصبحت معلماً للسباحة قالت لي ذات يوم أتعلم بسرعة وعندي ملكة الإبداع قلت لها كانت موجة هائجة تسلقتها فأصبحت على قمتها وكم حاولت أن تطيح بي وأنا ممسك بناصيتها حتى استكانت وارتخت بين ذراعيّ ترجوني بكل رقة أن أكون رقيقاً معها وما كنت أين ذهبت كل تلك الرقة التي صاحبتك ردحاً من الزمن ومن أين أتيت بكل هذه القسوة التي تطبع حتى معاملتك للآخرين تركت الندم والاعتذار لهم وأصبحت قاسي القلب متصلباً

- صباح الخير يا يوسف!

- بل قل مساء الخير.

- أونمت إلى هذا الحد؟

- تركتك تستريح من عناء معركة أمس!

- لقد كنت أنت فارسها!

- كلنا فرسان مهزومون!

- لا تقل هذا يا رجل!

- هي الحقيقة.

كنت قد أعددت طعاماً أظنه لذيذاً. نهض عبد الكريم واغتسل. بدأنا نأكل وأذ بصديق قديم يدخل البيت، أنه حسين قرموط. شاب نحيل الجسم، أصلع، يطير مع الهواء من تواضع وزنه. أخذته بالأحضان. سمعت أنك هنا، فقلت لنفسي إن كان الهلالي في القاهرة، فابحث عنه عند عبد الكريم، ولم يخب ظني. حضر محمود أبو طه، صديق كان جاراً لنا في مخيم جباليا. الماضي كله يتكوم في هذه الحجرة. تذكرت أيام الصبا ونحن نلعب الورق عن قرش، نوع من القمار، وكثيراً ما كان هذا الشيطان حسين يكسب كل قروشي. كنت أحبه وأحقد عليه لأنه كان يستولي على قروشي التي كنت أشقى حتى أحصل عليها. أصرّ حسين على أن نذهب معه إلى منزله لنتناول طعام الغداء عنده، وافقنا.

حي المطرية. مبان قديمة قدم القاهرة، ومكتظ كأنه مخيم جباليا. أخذنا حسين إلى هناك حيث كان يسكن مع قريب له هو أيضاً جار لنا في جباليا ومتزوج من أثنتين. أخذني الرجل بالأحضان، فهو يعرفني حق المعرفة. وصافحتني زوجتاه. أيامي الحزينة والجميلة، المرة والحلوة، العذاب وبعض من الحنان كلها ارتسمت أمامي. جلسوا جميعاً معنا، فهذه هي عادتنا نحن أبناء غزة. كلنا عائلة واحده. تحدثنا كثيراً. كانت إحدى زوجتي الرجل من دير سنيد، أي من بلدي وتعرفني جيداً وتعرف قصتي مع ذيب وذيبه. أما الأخرى فلا أعرف من أي بلد هي، لكني أحترمها جداً لأنها مؤدبة وأخلاقها راقية.

- ما هي أخبار ذيبه؟ سألتني الأولى.

- في جباليا!

- هل تكرهها يا يوسف؟

سؤال صعب الإجابة. ولقد سألت نفسي ، هل أكرهها؟ واقع الحال أنني لا أكرهها، كرهت معاملتها القاسية لي. هي ابنة عمي، وكما قلت لك في الماضي أنه عندما تصفو الأمور بيننا، فإنها تكون كريمة معي. يقال إنها كريمة، وأكثر كرماً من ذيب. ولكن لحظات الصفاء هذه قليلة جداً.

- لا، لا أكرهها. قلت.

- وذيب؟

- بالتأكيد أنا لا أحقد عليه، فقط كرهت حرصه الزائد على الحياة.

ودار حديث ممتع استرجعت خلاله أيام الصبا في جباليا وحتى في بيت لاهيا. اقترب حسين من قلبي كثيراً. ماذا تدرس يا حسين هنا في القاهرة؟ إدارة أعمال، قال. وستدير أعمال من؟ لا أعمال لنا يا حسين إلا هذه الثورة ومدراؤها كثر ولن يسمحوا لك بالإقتراب! ومن يسمح للآخرين بالإقتراب من البقرة الحلوب؟

أرسلت لذيب بأنني في القاهرة، ومن هناك أريد الذهاب إلى ليبيا لأتوظف. ولقد حضرت البعثة التعليمية الليبية إلى القاهرة. قدمت أوراقي، وكنت من أوائل المتعاقدين مع هذه البعثة، حيث أنهم كانوا يبحثون عن مدرسي اللغة الإنجليزية ويتعاقدون معهم بسرعة. في تلك الفترة تسلمت رسالة من إبن خالي في السعودية يخيرني فيها بين الذهاب إلى لندن وقضاء سنة هناك أصقل خلالها لغتي الإنجليزية، أو أن أذهب إلى السعودية للعمل هناك كمدرس. ناقشت الاقتراحين في عقلي، رفضتهما معاً وفضلت الذهاب إلى ليبيا، فأنا لا زلت متعلقاً بدليله وحبي لها، رغم إصابته ببعض التصدعات، مازال قوياً ومتماسكاً.

جلس مجموعة من الأصدقاء عند عبد الكريم. لا أعرف كثيراً منهم. بدأوا يلعبون القمار. ولعبة القمار هذه لا أتقنها. يسمونها السبعة والنصف. يخلطون الورق ويوزعونه، ومن يكون مجموع ما لديه من أرقام ورق اللعب سبعة ونصف، يربح. خسر أحدهم معظم نقوده. طلب مني أن أقرضه بعض النقود. أعطيته جنيهين مصريين. عاد للعب مرة أخرى. ربح كثيراً. سأدعوكما إلى مسرحية عادل إمام، شاهد ما شافش حاجة. قبلنا الدعوة، عبد الكريم وأنا. ذهبنا إلى المسرح. جلسنا في أول الصفوف، ولقد كانت ليلة من ليال العمر التي لن أنساها. ضحكت على مدى ثلاث ساعات، ضحك متواصل أنساني همومي وغربتي وحرقة أيامي. نحن في حاجة لأن نضحك، قلت لنفسي.

عاد كثير من طلاب قطاع غزة إلى القاهرة. مع أحدهم أرسل لي ذيب مبلغ مائة جنيه مصري. أمسكت النقود بيد مرتجفة. لم أصدق أن يرسل لي ذيب مائة جنيه. أين كانت هذه النقود عندما كنت أعاني الحرمان في جباليا؟ تذكرت عبد الحكيم. هو صديق آخر مقرب من النفس في جباليا. بعد أن سحقنا الإعصار سنة 1967، بدأ يتاجر في العملة.

- أوتشاركني يا يوسف؟ سألني عبد الحكيم.

- سأسأل أخي ذيب.

وذهبت إلى ذيب. قلت له أنني سأتاجر في العملة مع عبد الحكيم. نهرني بشدة قائلاً أنت لا تفهم لا في التجارة ولا في النجارة! وهكذا فشل المشروع، وبعد عدة سنوات أصبح عبد الحكيم مليونيراً.

جلست وعبد الكريم في شرفة شقته. أحضر فنجانين من القهوة، وأخذنا ندخن ونراقب عباد الله وهم يمرون من أمامنا. شعب لطيف هذا الشعب المصري، ومهما حاولوا أن يشوهوا أفكاره، فأن معدنه أصيل ولا ينسى إخوانه من العرب. أنظر إلى أبناء الشعب الفلسطيني! كلهم أو معظمهم تلقى تعليمه في مصر. إن كنت ذا فراسة،فأنك ستقرأ الهم والألم في الوجوه. شعب فقير ولكنه مكابر! مكابر؟ آه يا جرحي المكابر! وطني ليس حقيبة وأنا المسافر..آه يا محمود درويش!

- هل رأيت فاروق في دمشق؟

- ومن ذا الذي أعطاني عنوانك في القاهرة؟

- كيف هو؟

- ألا تعرف فاروق؟ هو كما هو لم يتغير.

- وماذا يعمل؟

- يستعد للسفر إلى المجر للتحضير لشهادة الدكتوراه.

- قائد ممتاز هو!

- وهل سيسمحون له أن يكون كذلك؟

وطالت جلستنا. أمضينا أكثر الليل نتسامر. لم يزرنا هذه الليلة أي من طالبات الأنس. اكتفيت أنا بذكرى تلك الليلة الليلاء التي كنت فيها هائجاً ولم يعقني عائق. ذهبنا للنوم قرب الفجر. نمنا بعمق. وفي صباح اليوم الثاني، بدأت أعد العدة للسفر. كنت قد حجزت مقعداً في الطائرة الكويتية المتجهة إلى طرابلس. وكان موعد سفري في اليوم الثاني.

اصطحبني عبد الكريم إلى المطار. أصرّ على ذلك رغم أنني قلت له بأنني سأذهب وحدي. عنفني بشدة وقال كيف تحدث نفسك بأنني سأتركك تذهب وحدك؟ سأكتب لك، قلت. فقط؟ سألني. لا، لن أنسى، سأرسل لك قطعة قماش من النوع الفاخر وبعض النقود. هكذا اعتدل، قال. ودعته بحرارة ودخلت صالة المطار استعداداً لدخول الطائرة.

دمعت عيناي. زادت نبضات قلبي. ما لهذا الزمن يحرمنا من كل ما هو جميل؟ التقيت فاروق ولم تمض عدة أسابيع حتى غادرت دمشق، وها أنا ذا أودع عبد الكريم بعد أن أمضيت معه أياماً هي من أيام العمر المعدودة. يا لهذا الزمن القاسي! كله لحظات تستعد أثناءها للسفر! حتى سعدى أنجبتني وغادرت مسرعة وكذا فعل الهلالي الكبير. دمعت عيناي!

دخلت الطائرة. حياتي كلها رحلة سفر دائمة. أين أجد الراحة؟ وهل سأجدها في ليبيا بجانب دليله؟ من يدري. قل للقراء بأنك ستقص عليهم ما حدث للهلالي في طرابلس! قال قريني. ها أنت ذا قد قلت لهم. هل نسيت شيئاً مما حدث للهلالي في القاهرة؟ أشياء لا قيمة لها، ولا تهم القراء.

وداعاً..وداعاً يا عبد الكريم، وداعاً يا قاهرة المعز، وداعاً يا أجمل أيام عمري، وداعاً أيها القراء الأعزاء، سألقاكم في الجزء الثالث من سفر الهلالي، فكونوا في انتظارنا.

- في انتظاري يا رجل!

- لا بأس، في انتظاري.

الاحساء 25/12/ 1998

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ الدكتور على عقله عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أما بعد،

أشكركم على نشر روايتي الأولى ويسرني أن أعرض عليكم مخطوطة روايتي الجديدة سباحة في الوحل، وهي الجزء الثاني من روايتي الأولى التائه والتي تم نشرها عن طريق اتحاد الكتاب العرب في دمشق. تدور أحداث الرواية حول شاب فلسطيني شردته قوات الاحتلال الإسرائيلي فأصبح تائهاً في شوارع المدن العربية وفي ذاته. وهذا الجزء من الرواية يسرد حياة البطل في سوريا حيث حصل على شهادته الجامعية، ثم غادرها إلى إحدى الدول العربية. أتمنى أن تنال إعجابكم ويتم نشرها، والله ولي التوفيق.

شكراً لكم وأتمنى أن أسمع منكم قريباً.

المخلص

محمد يوسف الصليبي

جامعة الملك فيصل-كلية التربية

ص . ب 1759

الاحساء 31982

المملكة العربية السعودية

تليفون: 5929240

جامعة الملك فيصل

كلية التربية

ص . ب 1759

المملكة العربية السعودية

Riad El Rayyes Books Ltd

56 KNIGHTSBRIDGE

London. SW1X 7NJ

Unitd Kingdom

رقم الإيداع في مكتبة الاسد الوطنية :

سباحة في الوحل: رواية/ محمد يوسف صليبي- دمشق : اتحاد الكتاب العرب، 2000- 218ص؛ 25سم.

1- 813.03 ص ل ي س 2- العنوان

3- الصليبي

ع:1069/ 6/2000 مكتبة الأسد

- 220 -

- 221 -

الحقوق كافة

مـحــــفــــوظـة

لاتـحــاد الـكـتـّاب الــعـرب

  • النتائج : 87